الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

09-14-2011 03:53

الإسلاميون واحتكار الحقيقة
سعيد محمد حمام - جريدة الفتح


كثيرًا ما يقوم العلمانيون العرب بانتقاد الإسلاميين باعتبارهم يحتكرون الحقيقة، والحقيقة أن الإسلام -كـدينٍ- هو من يحتكر الحقيقة، فلا يمكن لمسلمٍ مجرد التردّد في الإيمان بشكلٍ كاملٍ بكل ما يقرره الإسلام في نصوصه الثابتة القطعية.

هذا الانتقاد لاحتكار الحقيقة أيضًا مثل العلمانية نفسها؛ لم ينبت في بيئتنا العربية الإسلامية، وإنما نشأ في الغرب لمعالجة أحد أهم عيوب العلمانية الغربية وهو إفتقادها لنظام قيمٍ يمنع تغوّل العلمانية على المجتمع كما حدث في التجربتين النازية والشيوعية.

فكلتا النظريتين قامت على ما يبدو أنه - في ذلك الوقت- نظرياتٌ علميةٌ رصينةٌ لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، فتمّ قمع كل النظريات المخالفة وتَمَّت إبادة كلَّ من لم يؤمن بتلك النظريات، أو من إرتأت تلك النظريات وجوب إبادته، تفوق العرق الآري، الاشتراكية العملية، عبء الإنسان الأبيض، كلها كانت نظريات لها اعتبارها العلمي والأكاديمي في كثير من دول العالم، وكل هذه النظريات كانت نتاجًا مباشرًا للحضارة المادية الغربية، وبسبب ماديتها - كانت ولا زالت وستظل- ترى العالم من منظورٍ واحديٍّ لا يسمح بنظرياتٍ أخرى، ومن هنا جعل الغرب مبدأ عدم احتكار الحقيقة أحد ركائز العلمانية والديموقراطية الغربية، و لكن عندما يقوم العلمانيون العرب -غالبًا عن جهلٍ- بنقل مصطلح إحتكار الحقيقة إلى الواقع الإسلامي كتهمةٍ معلبةٍ للإسلاميين؛ ويتجاهلون أن الإسلام -كمنظومة قيم- له موقفٌ أكثر تقدّمًا بمراحل من النظريات المادية الغربية، فهو يحتكر الحقيقة نعم؛ ولكنه لا يحتكر الحرية، بمعنى أنه يعطي الحق في الاختيار الحر لكل أفراد المجتمع، ولا يترتّب على ذلك الاختيار عقوبات دنيوية، فهو يتقبّل الآخر ليس على قاعدة الصواب والخطأ، وإنما على قاعدةٍ أوسع وأعمق وأرقى، وهي قاعدة "حرية الاختيار"، و التي منحها الله للناس فلا سبيل لجحدها أو مصادرتها، ومن هنا فالفكر الإسلامي سابقٌ ومتقدّمٌ على الفكر الغربي المعاصر حيث أنه لا يفرض رأيه على مخالفيه، في العقيدة كوحدانية الله فضلاً عن الخلاف حول الربا أو شرب الخمر مثلاً، وإنما يفرض نظامه وقانونه عبر الأغلبية ممثلةً في صناديق الاقتراع، ولا يستلزم عدم الإيمان به أو بشئٍ من أحكامه إبادة مخالفين أو قمعهم، و من هنا يكون العلمانيون -العرب- كعادتهم يحاربون طواحين الهواء -وهم يعشقون ذلك-، فلا يدرسون أية فكرةٍ قبل نقلها من بيئتها الأصلية ليفهموا سبب نشوئها في مجتمعاتها الأصلية ومدي مناسبتها للبيئة المصرية العربية الإسلامية، مما يجعلهم في حالة صدامٍ مستمرٍ مع المجتمع -بإعتبار رفضهم إحتكار الاسلام للحقيقة تشكيكًا في ثوابت الإسلام-، مما يؤدي إلى ضمور ونضوب تيارهم و اضمحلاله في النهاية، و بدلاً من فهم المشكلة لمعالجتها، يسارعون بإتهام الإسلاميين بإحتكارهم للحقيقة!

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 748


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


سعيد محمد حمام
 سعيد محمد حمام

تقييم
5.57/10 (5 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com