الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

12-05-2011 09:21

سعوديون في سجون عراقية
عبدالعزيز الحيص - إيلاف


رغم كل شيء، عراقٌ باسق كنخيله
يحتفي العرب اليوم بما قدمه أبناء "الربيع العربي". وقبل ذلك، لنا أن نحتفي بما قدمه أبناء العراق، فهو أيضاً ممّا لا ينسى.. نعم، فما حدث في العراق في العقد الأخير لم يكن سياسة احتلال واستغلال موارد، بل سياسة تقسيم وتدمير وإبادة جماعية.. لقد قدِم الاحتلال إلى البلد وفي يديه خطته لتقسيم البلاد اثنياً وطائفياً، واستخدم لذلك نفسه، ومعاونيه، وجماعات تطرف، وميليشيات طائفية، وحكومات بلدان أخرى، وعصابات متنوعة من أنذال الشرق والغرب، تراكمت رماحها في جسد العراق، ومع ذلك بقي العراق عراقاً بسبب أبنائه..
لقد اجتمع فيه القوّاد والحلفاء ورؤساء العصابات، وكأنهم يجتمعون لـ"ـمؤتمر بابل" الذي عقد في التاريخ القديم، واشتعلت بعده الحروب في الممالك الشاسعة للإسكندر المقدوني بعد موته. لكن مؤتمر بابل الجديد لم يستطع أن يفعل نفس الشيء لحسن الحظ. وفي سنوات 2004 وحتى 2007، بلغت ظروف العراق اسوأ أحوالها، وكثر الحديث عن ترقب حرب أهلية، وكان هناك الكثير ممن قال أن العراق سيجلب الدمار للمنطقة. لكن أبناء العراق صمدوا، واستعلوا على جراحهم، والفتن المُثارة التي ما تركت أحداً بلا جرح، وفعلوا المستحيل لحفظ بلادهم ووحدتها، وواجهوا الخطر والأزمة وحدهم، رغم تباعد البلدان العربية عن الوقوف معهم.
لم يقبل العراق أن ينقسم، ووقف أمام نظرية الاحتلال الطائفية، بسبب هويته، تلك التي ظن الاحتلال أنه قرأها وفهمها جيداً!.. العراق، في حقيقته، يتمتع بهويّة عراقية قوية، وهي هوية تحوي تنوعاً فلم يشهد العراق انقساماً طائفيا في تاريخه، كما لا يوجد في العراق منطقة اثنية وطائفية خالصة، فالشيعة منتشرون في بغداد، كما أن السنّة يتوزعون في الجنوب، وهناك حوالي مليون كردي في بغداد، والقبائل العراقية غالبيتها تتكون من شيعة وسنّة معاً، كما تشير دراسات أن ثلث الزيجات العراقية قبل الاحتلال كانت زيجات مختلطة بين المناطق والطوائف.. وحتى في العهد العثماني، لم يكن لتقسيم الولايات والمراكز الإدارية في العراق أي بعد طائفي، بل كانت متنوعة في ساكنيها.
أبناء العراق لم يكن لهم يد صنعت صدام، ولا يد صنعت الاحتلال، ولا الميليشيات الطائفية التي أتت معه، ومع ذلك واجهوا كل الخطط السوداء التي أتت مع الاحتلال، وهدفت لإثارة الفتن، واشعلت عمليات القتل المنظمة والمتبادلة بين أبناء الطوائف المختلفة.. لقد كان عقد ما يسمّى بـ"الحرب على الإرهاب" عقداً لعيناً، تورط فيه الكل. كان "الإرهاب" خلال هذا العقد متلوناً كالحرباء، لم تنسحب فيه أقدام أفراد فقط، بل أيضاً أٌقدام دول ومنظمات وجماعات وطوائف.. وفي عقد بوش وبلير، هناك من تعامل مع الاحتلال، وهناك من عمل تحت حكومة موالية للاحتلال وهو يرى أنه مخلص يخدم بلده، وهناك أيضاً من قاتل الاحتلال وهو يرى أنه مخلص لبلده..
ما يهم هو أن يذهب الاحتلال، والفوضى التي أتت معه، ويبقى العراق لأهله. لقد انسحبت أقدام الكثيرين من أبناء العراق وغيرهم من دول المنطقة في هذه الفوضى.. والتحدي أمام أبناء العراق لايزال كبيراً جداً، خصوصاً مع حكومة غير مناسبة، أعقبها الاحتلال، وأعقب الهياكل الشكلية التي انتجتها. لكن ما يبقى جديراً بالتأمل الآن، هو أن خطط حكومات "الحرب على الإرهاب" قد انحسرت، جنباً إلى جنب مع انحسار تنظيم القاعدة.. لذلك، من المهم اليوم، اعادة تأمل الأوضاع بأعين جديدة.

انحسار موجة الارهاب
قبل أيام، كتبت الواشنطن بوست عن تقلص تنظيم القاعدة، وأنه لم يعد لدى التنظيم من رموز سوى اثنين فقط، الظواهري وأبو يحيى الليبي.. وذكرت أن المسؤولين الأميركان تفاجأوا بضعف ردّة فعل القاعدة، خلال الستة شهور الماضية، بعد مقتل بن لادن، وهو ما دلل على ضعف التنظيم. وفي شهر أكتوبر، نشرت مجلة "الفورن أفيرز" دراسة للباحث ويليام ماكنتز عن صعود وسقوط القاعدة. وتسوق الدراسة عدداً من الأسباب الواضحة لانزواء حكاية القاعدة من المشهد، من ضمنها مقتل "مؤسسها" بن لادن، حيث خسرت برحيله القيادة والتأثير الإعلامي وشبكة التواصل الشخصية لابن لادن. ولكن ما أصاب القاعدة بمقتل، هم الإسلاميون ممن اختاروا "صندوق الاقتراع" بعد الربيع العربي، ويجتهدون اليوم في دخول الممارسة المدنية والسياسية. فبذلك تتعرض أجندة القاعدة للتمزق، بسبب اختلافها مع أجندة أهم داعميها، من بعض الإسلاميين في المنطقة ممن اختاروا مساراً آخر. فحتى "الجماعة الإسلامية" في مصر كونت حزباً سياسياً.
إن انزواء القاعدة وضعف هذا التنظيم، يعود في المقام الأول إلى الجانب الثقافي المؤثر بقوة في هذه المسألة. فأقوى دعم لوجود القاعدة سابقاً هو الدعم الرمزي والمعنوي لها. أي أنه، في أغلب صوره، دعم "ناعم" على مستوى التعاطف والتأييد بالقول من قطاع من الجماهير، وليس على مستوى الفعل واحداث شيء على الأرض، وإلا لكانت المجتمعات لا تطاق ولا تسكن. هذا ما تقوله الباحثة "جيسيكا ستيرن"، خبيرة القانون من جامعة هارفارد والمتخصصة في الإرهاب، بعد أن قضت رحلات علمية في عدة بلدان لأربع سنوات، لتكتشف هوية التطرف الغربي والإسلامي، ثم ألّفت كتابها "الإرهاب باسم الله".
إن تقليل الدعم الثقافي وإماتته، الذي خلخل القاعدة، هو صنعة ثقافية للمجتمعات، فهي بطبيعيتها وثقافتها أقوى من أي حل أمني. فالتعاطف مع القاعدة، الذي كان مشهوداً، في بعض مجتمعاتنا مطلع العقد الفائت، قد أُثر وبشكل واسع على الكثير من الشباب. وكظاهرة، انتج من اتبعوا أجندة القاعدة وارتكبوا أفعالها. وفي الأصل، من أيدوا القاعدة وتفجيراتها نسبتهم قليلة في المجتمعات الإسلامية، فاستطلاعات منظمة "جالوب" في أكثر من 35 بلد مسلم، بين الأعوام 2001 و 2007، تشير إلى أن نسبة من يرفضون هذه الأعمال هي بما يفوق 90%، في هذه البلدان.
ولكن ملاحظة تمرحل ظاهرة القاعدة تخبرنا شيئاً أعمق، وهو أن نسبة التأييد القليلة هذه تضاءلت أيضاً. ففي السعودية مثلاً، كان لتفجير "المحيا" الذي قُتل فيه الأبرياء والأطفال، وأيضاً تصريح رئيس القاعدة باستهداف المنشآت النفطية والحكومية في البلد دوراً كبيراً في اسقاط حكاية القاعدة. وتشير غالوب أيضاً إلى سقوط نسبة التأييد للقاعدة في باكستان إلى النصف في العام 2008، كما تشير مجلة "الفورن بوليسي" في أحد أعدادها الأخيرة، إلى أن تفجيرات "الفنادق" في عمّان 2005 جعل نسبة الانطباع الايجابي عن القاعدة هناك يهبط الثلثين. كما أن تفجير المقهي في كازبلانكا في المغرب جعل نفس هذه النسبة هناك تسقط إلى النصف. وهذا كله يعني أن ما كان موجوداً من نسبة تأييد ضئيلة، هي في طريقها إلى التلاشي والضعف بمرور الوقت. وهذا مكسب كبير.
واذا اتفقنا أن "موجة" الإرهاب قد ذهبت، فهل من الممكن للعقلية الأمنية التي كانت ردة فعل على الإرهاب أن تذهب معه؟. فإذا كان المجتمع هو الحاجز الأول والمنيع ضد الارهاب، فلابد أيضاً أن يتم حراسة هذا المجتمع من أي خطأ أو تعدٍ على حقه، لأن ظروف الاعتقال المرتبكة، والسجن على الرأي، والاعتقال من غير محاكمة، والمحاكمات الخاصة والاستثنائية، والعقوبات المضاعفة، وقوانين الإرهاب وغيرها، كلها قد تؤدي إلى الضغط على المجتمع وزيادة احتقانه، ومن ثم قد تعود لنا نفس دائرة المشاكل!.

معتقلون وانتهاكات
هناك قضايا للمعتقلين من هذه الحقبة (الإرهابية/ الأمنية)، عالقة في أكثر من بلد عربي. ومن تلك القضايا قضية المعتقلين السعوديين في العراق، الذين تتجاوز أعدادهم المائة معتقل بحسب افادة منظمة "الصليب الأحمر" قبل أشهر. وهؤلاء، على الأغلب، شباب في بداية العشرينات من أعمارهم، ذهبوا إلى العراق في السنوات الماضية تحت دعوى مقاتلة المحتل الأجنبي، والتهمة الرئيسية التي تواجههم هي "الدخول غير المشروع إلى الأراضي العراقية".. يتحدث رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان في السعودية، أن هؤلاء المعتقلين لا يحظون بمحاكمات عادلة، وهناك تعسف في الأحكام التي صدرت، بجانب ضعف المعلومات وعدم وضوحها بالنسبة لأحوال المعتقلين وأعدادهم. وكانت منظمة "أصدقاء الإنسان الدولية" في فيينا، قد أصدرت بياناً ذكرت فيه تعرض السجناء السعوديين إلى انتهاكات كبيرة في العراق.
وليكون الحديث أكثر وضوحاً هنا، ما نطلبه هنا ليس التجاوز أو عدم المعاقبة. فالجريمة هي الجريمة، ومن ثبت جرمه له أن يحاكم، خصوصاً في قضية الاعتداء وترويع الآمنين. لكن الخوف هو أن هناك ملابسات وعوائق تمنع الرؤية الواضحة والعدل في مثل هذه القضايا. وهناك تعطيل غير مبرر لمحاكمات عادلة أو لتسليمهم إلى بلدانهم. لقد بدأ الحديث منذ العام 2009 عن اتفاقية أمنية بين البلدين لتبادل الأسرى، وهي تستثني الأسرى السعوديين المدانين بارتكاب "أعمال ارهابية ضد أبناء الشعب العراقي". وحتى الآن لم تنفذ هذه الاتفاقية، وتم تعطيلها بدعاوى مختلفة عبر كل هذا الوقت!.. وسائل اعلام عراقية أخبرت هذا العام والعام الماضي بوجود تعطيل من الجانب السعودي، وقبل ذلك، كانت جريدة "الشرق الأوسط" قد ذكرت العام الماضي وجود تعطيل للاتفاقية من الجانب العراقي، وأن حكومة المالكي لم تنجز دراسة الاتفاقية الأمنية ولم تتواصل مع الرياض بشأنها!.
وفي شهر أيلول/ سبتمبر الماضي ذكرت وكالات أنباء عراقية وسعودية موافقة الحكومة العراقية أخيراً على اتفاقية تبادل المعتقلين مع السعودية وأوضح مصدر في الحكومة العراقية أنه تم تكليف وزير العدل العراقي "حسن الشمري" بمتابعة الموضوع مع الرياض، وأنه سيتم تنفيذ الاتفاقية في الأيام اللاحقة. لكن قبل أيام، وفي أواخر شهر تشرين الثاني/ نوفمبر، نقلت وكالة الأنباء الكردستانية (أك نيوز) عن النائبة العراقية "أشواق الجاف"، عضو لجنة حقوق الإنسان البرلمانية، قولها بتعطل الاتفاقية، لوجود اختلافات بين الطرفين، مع تباين في مسوّدة الاتفاق التي قدمها كل طرف. مع العلم أن السفير العراقي في الرياض سبق وأعلن عدم وجود نقاط اختلاف جوهرية في مسألة الاتفاق بين الجانبين. وهكذا أعيدت الاتفاقية إلى وزير العدل العراقي ليتفاوض مع السعوديين مجدداً!..
تعطيل مثل هذه الاتفاقيات وتأخيرها لأسباب "لا تستحق"، له عواقبه الأليمة التي قد تتضرر منها أرواح أناس من الطرفين!. هنالك اليوم وتيرة اعدامات تزداد في العراق. وأخطاء في سبل التواصل بين البلدين، وفي حسن ادارة الموضوع، بالإضافة إلى طائفية قد تمارس من الأمن أو بعض الميليشيات تجاه معتقلين عرب، وكلها أمور تنتهك حقوق المساجين، وتحرمهم من محاكمة عادلة، أو من التسليم إلى بلدانهم.. وهذا أمر وارد الحدوث إلى درجة كبيرة في ظل حكومة حالية متأزمة، صعّبت الوضع على أبناء البلد قبل غيرهم!. كما يخبر البعض أن خروج الأميركان مع بداية السنة قد يؤزم الأوضاع أكثر.
يضاف إلى ذلك كله، أن المعاقبات والاعدامات تندرج تحت "قانون مكافحة الإرهاب العراقي" للعام 2005. وهو قانون وضعته الدولة في مرحلة انتقالية، وتحت أعين المحتل، وتحت وطأة جحيم من العنف عاشه العراق تلك الفترة، وبعض بنود هذا القانون فضفاضة، وقد يتم التوسع في مسألة الاعدامات بسببها. وينطبق على هذا القانون ما قلت عن الأثر المستمر للعقلية الأمنية المتشددة لتلك الفترة.. فترة ما سمّى بالحرب على الإرهاب. فدول عربية تستمر في التعامل بنفس تلك العقلية، رغم التبدل الواضح في الظروف وفي المرحلة.
هنالك شرارة انكسار في العراق أُثرت على أبناءه قبل غيرهم. ولا نتمنى لهذه الشرارة أن تؤثر على أبنائه ولا أبناء غيره. الظروف الغير مستقرة في العراق بعد الاحتلال، ولدت المشاكل على مستوى الأمن، وعلى مستوى الإدارة في البلد. فتجد ميليشيات طائفية ارتكبت أعمال عنف وارهاب، ومع ذلك لا يطالها شيء!.. ونفس عدم الاتزان هذا قد يخلق ارتداداً مقابلاً، يجعل العقوبات المضاعفة تنزل في المعتقل السعودي والعربي في البلد!..
من السذاجة أن نظن أن الإرهاب والتطرف انتهى.. ومن السذاجة أيضاً، إن نظن إن العقليات الأمنية المشدّدة في الدول العربية، التي ازدهرت وتفرعنت في عهد الحرب على الإرهاب، تُمثل حلاً لأحد. لقد كان هنالك ظروف استثنائية لتلك الحقبة، ساهمت في خلق ودعم هذه العقلية، واستمرارها اليوم يسهم في مرحلة ضغط واحتقان جديدة للمجتمع العربي. إن العقلية الأمنية المفرطة، والعلاقة السيئة بين السعودية وحكومة العراق في السنوات الماضية، هي أمور لها حمولتها التي قد تؤثر على معتقلين يقبعون في سجون البلدين!.
وأؤكد مرة أخرى، أن ما نتحدث عنه ونريده هنا هو تجنب التعطيل، وعدم الوضوح في تنفيذ أمور الاتفاقية، وهي التي تستثني من هو متهم بالإرهاب وتهديد الأنفس المعصومة. فليس من مجاملة ولا من تجاوز على حساب "الدم".. لا للسعودي ولا للعراقي ولا غيره. وبالإضافة إلى ذلك، لابد من التأكد من الظروف الإنسانية للمعتقلين من الطرفين، فالحديث يكثر هنا وهناك عن التجاوزات.. ولا يليق بالبلدين أن تبقى قضايا حيوية مثل هذه معلّقة، تستغرق الأوقات والأحاديث، وحلولها لا تأتي!.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1227


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


عبدالعزيز الحيص
عبدالعزيز الحيص

تقييم
1.07/10 (14 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com