الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

01-29-2013 05:15

أسباب وجيهة لمحاربة «القاعدة» في مالي
Stefan Simanowitz - الجريدة الكويتية

خلال فقرة أسئلة الجمهور على قناة "بي بي سي" في الأسبوع الماضي، سأل شخص غاضب من الحضور عن السبب الذي يدفع بريطانيا إلى إرسال المساعدة العسكرية للفرنسيين في مالي.
ثم حصد تصفيقاً حاراً حين قال: "لا أتذكر أن الفرنسيين هبّوا لمساعدتنا حين توجهنا إلى جزر الفوكلاند".
في ذلك الأسبوع، كان الالتزام البريطاني تجاه عملية "سيرفال" الفرنسية في مالي يقتصر على توفير طائرتَي نقل من طراز "C-17" ثم صرح رئيس الوزراء ديفيد كاميرون أمام البرلمان هذا الأسبوع بأن بريطانيا "لا تسعى" إلى أداء دور قتالي ولكنها ستلتزم بتوفير "الاستخبارات ومعدات مكافحة الإرهاب"، بما في ذلك نشر جنود من القوات الخاصة وتوفير طائرات عادية وطائرات استطلاع بلا طيار في شمال مالي. يوم الثلاثاء، نشرت صحيفة "تايمز أوف لندن" خبراً على صفحتها الأولى مفاده أن القوات البريطانية "وُضعت في حالة من التأهب استعداداً للتحرك" في مالي.
بعد عشر سنوات على احتلال أفغانستان والعراق، من المبرر أن يشعر الرأي العام بالقلق من تورط بريطانيا في تدخل عسكري مطوّل ضد عدو مبهم في ظل بيئة صعبة وعدائية.
لا تتعلق المخاوف الأساسية بالمخاطر المطروحة على الجنود والتكاليف التي سيتكبدها دافعو الضرائب فحسب، بل بالدوافع الكامنة وراء تلك العملية والعواقب غير المقصودة التي يمكن أن تواجهها تلك المنطقة وغيرها.
كانت أزمة الرهائن في الجزائر خلال الأسبوع الماضي أول اعتداء انتقامي تنفذه خلايا "القاعدة" في المنطقة للرد على ما حدث. صحيح أن هذه المخاوف مشروعة، لكن يجب ألا نتجاهل أهمية التدخل الراهن في مالي.
على رغم تراجع التغطية الإعلامية لأحداث المنطقة، نجحت الجماعات الإسلامية المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في ترسيخ وجودها وتوسيع نفوذها في شمال مالي منذ أشهر عدة. قيل إن المقاتلين المجاهدين كانوا يعبرون حدود مالي المنفلتة أيضاً. يعتبر سكان مالي أن عمليات التوغل تلك مصدرها اليمن والصومال وأفغانستان. ها قد نشأ معقل إرهابي جديد وهو يصدّر بشكل أساسي الجريمة المنظمة والإرهاب العالمي.
طالما يبقى الإسلاميون في عمق الصحراء ويسيطرون على أبرز مدن الشمال (تمبكتو، وقاو، وكيدال)، ستكون مواجهتهم صعبة. ومن غير المتوقع أن تنتشر القوة التي تقودها إفريقيا بإذن من الأمم المتحدة قبل شهر سبتمبر.
كذلك، من المستبعد أن يتم التفاوض على تسوية دبلوماسية مع هذه الجماعات التي تعتبر أن تأسيس دولة إسلامية مستقلة أمر غير قابل للتفاوض. لا عجب أن يتوقع الكثيرون أن تصبح مالي نسخة جديدة من أفغانستان.
شكّل الهجوم الإسلامي الذي انطلق في وقت سابق من هذا الشهر نحو عاصمة مالي، باماكو، فرصة غير معهودة، ولم يتوقع الإسلاميون رداً دولياً سريعاً فتركوا معاقلهم في الصحراء من دون تحصينها للتوجه نحو الجنوب. فمن خلال نشر قوة تدخل واسعة بوتيرة سريعة، يبدو أن الجيشين الفرنسي والمالي لم يردعا تقدم الإسلاميين فحسب بل دفعاهم إلى التراجع أيضاً.
تغطي ساحة القتال منطقة واسعة. بفضل المعلومات الاستخبارية التي وفرتها طائرات الاستطلاع بلا طيار والأقمار الاصطناعية، نجح الفرنسيون في استعمال طائراتهم ومروحياتهم الهجومية. كذلك، ارتفع عدد القوات الميدانية الفرنسية والمالية تزامناً مع انتشار قوات إضافية من دول مجاورة. وصل حوالى سدس القوات الإفريقية المنتظرة في مالي (عددها 5800 عنصر). إلى جانب 2500 جندي فرنسي، سيتجاوز حجم القوة المتعددة الجنسيات في مالي العدد الذي توقعته الأمم المتحدة منذ شهر ديسمبر الماضي.
لا يأتي الدعم المادي واللوجستي من بريطانيا فقط بل من الولايات المتحدة، وألمانيا، والدنمارك، وبلجيكا، وكندا، وإيطاليا، وإسبانيا أيضاً. وأعلنت حركة "الطوارق" الانفصالية وحركة التحرير الوطنية "أزواد" عن استعدادهما للانضمام إلى الجهود الدولية من أجل محاربة الإسلاميين. مع إقدام الدول المجاورة مثل الجزائر على إغلاق حدودها وفتح مجالها الجوي أمام طائرات الاستطلاع، يأمل الكثيرون القضاء على الإسلاميين في مالي بدل السماح لهم بالانتقال إلى مساحة أخرى خارجة عن القانون في الصحراء الكبرى.
بما أن فرنسا هي القوة الاستعمارية السابقة ولديها مصلحة في حفظ موارد المنطقة، لا يمكن أن يكون الدور الفرنسي في عملية التدخل الراهنة حيادياً. لكنّ استعمال عبارة "حرب على الموارد" لوصف عملية "سيرفال" هو أمر مضلِّل. مع ذلك، من الواضح أن فرنسا والقوى الغربية الأخرى تدرك أن طريقة استغلال الموارد في أنحاء المنطقة قد تتأثر نتيجة تنامي وجود "القاعدة" في مالي.
يوم الجمعة الماضي، أقام كاميرون مقارنة غير مناسبة حين تحدث عن الحاجة إلى مهاجمة الإسلاميين في الساحل.
أوضح كاميرون: "أنا أحذر الجميع من أننا ما كنا لنصبح أكثر أماناً لو قررنا عدم التدخل في العراق واعتبرنا أن الصراع لا يعنينا".
لكن بدل مقارنة هذا الصراع بتجربة العراق، يجب الاعتراف بحقيقة العملية العسكرية الحاصلة في مالي: إنه هجوم مضاد متعدد الجنسيات، بموافقة الأمم المتحدة، ضد مقاتلين إسلاميين مدجّجين بالأسلحة.
لن تكون استعادة الشمال مهمة سهلة ولن يكون ترسيخ الاستقرار في مالي أمراً بسيطاً، لكن خوض الصراع ضروري. من خلال التحرك الدولي يمكن تجنب الحرب المطولة، وتقوية الدولة الفاشلة في ذلك البلد، وتوجيه لطمة موجعة في وجه الجماعات المرتبطة بتنظيم "القاعدة" في القارة الإفريقية.

* صحافي ومحلل سياسي مقره لندن. غطى الأحداث في أنحاء القارة وأمضى فترة في صحارى مالي والجزائر.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 793


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


Stefan Simanowitz
 Stefan Simanowitz

تقييم
5.50/10 (2 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com