الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

04-14-2015 03:40

جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية
حسن أبو هنية

لم تعد جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية مسألة اختلافية بين الخبراء والباحثين المختصين في شؤون الحركات الإسلامية الراديكالية، فبحسب التقارير الأممية يمثل تنظيم الدولة وجهة مفضلة لدى الجهاديين الجدد من مختلف أنحاء العالم من كلا الجنسين، ليس بهدف الجهاد التضامني والنكائي التقليدي، وإنما للهجرة والمساهمة في جهاد التمكين وبناء الدولة والإقامة ضمن حدود خلافته في العراق وسوريا والامتثال طوعًا لنظامه الاجتماعي الاقتصادي الشاق وحكامته السياسية المتشددة، وعلى الرغم من بناء تحالف عسكري دولي لمهاجمة معاقل التنظيم، فضلًا عن الإجراءات الصارمة التي اتخذتها معظم دول العالم على كافة الأصعدة القانونية والسياسية والإعلامية، للحيلولة دون تدفق المقاتلين والمدنيين؛ إلا أن تنظيم الدولة الإسلامية لا يزال يجتذب أفواجًا من الشباب.
إحدى المسائل الأساسية المحيرة التي باتت تشغل الخبراء والمحللين، تتمحور حول سر جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية واستقطابه للجهاديين العرب والأجانب، كخطوة أولية ضرورية لبناء استراتيجية ناجحة للقضاء عليه والحد من نفوذه، فقد تفوق زعيم الدولة الإسلامية أبو بكر البغدادي على زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري بصورة لافتة، بينما كان مؤسس الشبكة الجهادية في العراق أبو مصعب الزرقاوي ينافس مؤسس تنظيم القاعدة أسامة بن لادن، لكن الزرقاوي وضع الأسس التي مكنت لاحقًا الفرع العراقي المحلي للقاعدة من التفوق على نهج تنظيم القاعدة المركزي العالمي.
تستند جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية بصورة أساسية على معيار النجاعة والنجاح؛ ففي الوقت الذي أصر فيه تنظيم القاعدة المركزي على المضي قدمًا في مناكفة العدو البعيد عبر تكتيكات حروب النكاية، ونهج الاستنزاف والمطاولة، كان تنظيم الدولة الإسلامية يصر على قتال العدو القريب عبر استراتيجيات التمكين، ونهج التطهير والسيطرة والمنازلة، فقد شدد تنظيم القاعدة المركزي على كونه طليعة مقاتلة تحمل رسالة للأمة الإسلامية، تناهض الهيمنة الغربية لدفعه إلى الخروج من المنطقة، وأصر على خوض حرب أنصار تستند إلى أسس سياسية مصلحية، أما تنظيم الدولة فقد أكد على كونه طليعة محاربة ممثلة للأمة الإسلامية، تقاتل الأنظمة باعتبارها “مرتدة” ومرتبطة بالغرب، وتسعى لحرمانها وحلفائها من الاستقرار والسيطرة، وتشدد على خوض حروب هوية تستند إلى أسس دينية وجودية؛ وبهذا تمكن تنظيم الدولة من التفوق مرة أخرى على القيادة المركزية للقاعدة، عندما نجح في استثمار الصدع الهوياتي الطائفي، وتمكن من فرض نفسه كدرعٍ واقٍ للهوية الإسلامية السنية الممتهنة في العراق، وعمل على تأكيدها في سوريا ولبنان، دون الالتفات إلى سياسة النصرة التقليدية؛ بل فرض السيطرة والتطهير المكاني وإخضاع الخصوم واستلام زمام الحكامة كسلطة متغلبة في مناخ من الفوضى والتوحش.
أحد أسرار جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية هو الإدراك المبكر للمسألة الهوياتية، والتعامل مع الرؤية الطوائفية للإمبريالية الأمريكية منذ احتلال العراق، فقد دشنت الولايات المتحدة سياسات الهوية في العراق منذ احتلاله 2003، كما أن الاستراتيجية الأمريكية لمحاربة “الإرهاب” عقب سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية على الموصل في حزيران/ يونيو 2014 ارتكزت على براغماتية هشة وضارة، بالاعتماد على قوى حليفة تمارس أعمالًا إرهابية كالميليشيات الشيعية المتطرفة، الأمر الذي ساهم في تنامي قوة هذه الميليشيات وسيطرتها على كافة أجهزة الدولة العراقية الهشة، وعملت على ترسيخ سياسات التهميش والإقصاء للمكون السني، كما ساهمت في مد النفوذ الإمبريالي الإيراني وترسيخ هيمنته المضاعفة على العراق، الأمر الذي وفر لتنظيم الدولة الإسلامية جاذبية مؤكدة للتعبئة والتجنيد في صفوف السنة؛ ففي الوقت الذي تثبّت فيه المكونات الشيعية من سيطرتها ونفوذها في العراق وسوريا بالاستناد إلى الراعي الإيراني، ويوسع الكرد من مكانتهم واستقلالهم، فإن المكون السنّي في العراق وسوريا لا يتمتع بإسناد ودعم استراتيجي حاسم من الدول السنيّة؛ وبهذا فإن الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تعتمد على ذات الأسس الهوياتية والسياسية الخاطئة التي تبنتها منذ احتلالها للعراق عام 2003، كما إنها لا تزال تصر على دعمها للأنظمة السلطوية في المنطقة تحت ذريعة عقيدة “الاستقرار.
جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية تعززت بفضل ترسيخ صورته كدولة قوية تتجاوز التنظيمات الجهادية الضعيفة، فقد برهن التنظيم منذ تأسيسه على صلابة بنائه الهيكلي ومتانة تكوينه التنظيمي؛ حيث عمل مبكرًا على تطوير مؤسسات بيروقراطية صارمة، وأجهزة سياسية عسكرية مترابطة، فهو يعمل كمنظمة مركزية ذات أيديولوجية دينية شمولية تهدف إلى السيطرة والتوسع، ويقدم نفسه هوياتيًا كممثل لإسلامٍ سنّي ممتهنٍ يتعرض لخطر التمدد الشيعي في المنطقة، كما يقدم نفسه مناضلًا ضد الإمبريالية والدكتاتورية، وعلى الرغم من إصراره على تصوير ذاته كحركة سنيّة سلفية تسعى إلى إعادة الدين كحاكم للمجتمع والدولة وتطهيره من كافة البدع والمحدثات التي لحقت به عبر الزمان؛ إلا أنه متلبس بالحداثة التقنية الآلية ويستلهم الأطر التنظيمية الفاشية في تكوينه العسكري وجهازه البيروقراطي وبنائه الدعائي.
لا تقتصر جاذبية التنظيم على الجانب المادي للقوة؛ بل تتجاوزه إلى المجال الرمزي، فقد كانت خطة إعلان قيام دولة “الخلافة” في 29 حزيران/ يونيو 2014، من قبل تنظيم الدولة الإسلامية خطوة استراتيجية هامة للتأكيد على هويته الدينية الإسلامية، وترسيخ مشروعية هياكله التنظيمية المركزية، لضمان الطاعة القسرية والطوعية منعًا لأية تصدعات تنظيمية محتملة؛ فإعلان الخلافة هو السلسلة الأخيرة من حلقات استراتيجية الجهادية العالمية، وهي الغاية النهائية لتحقق الرسالة الجهادية في التاريخ المشخص، وإذا كان تنظيم القاعدة يقوم على بناء شوكة النكاية من خلال تنظيم عسكري طليعي نخبوي لا مركزي عبر سياسات دفع الصائل استنادًا إلى مفهود الجهاد الدفاعي، فإن تنظيم الدولة الإسلامية يقوم على تبني شوكة التمكين من خلال فرض السيطرة المكانية من خلال تنظيم مركزي، بجيشٍ هجينٍ تقليدي حداثي مركبٍ عبر سياسات إدارة التوحش استنادًا إلى مفهوم الجهاد الهجومي.
لقد نجح تنظيم الدولة الإسلامية في فرض جاذبيته من خلال الحفاظ على منظمة بيروقراطية مركزية ممتدة، واستثمر نجاحه الميداني في بناء تحالف سني مع قوى وفعاليات وحركات عراقية على أسس هوياتية دينية، وتمكن من الظهور كدرع فعّال في حماية وصيانة الهوية السنيّة الممتهنة بفعل سياسات المالكي الطائفية، فعلى مدى ثلاث سنوات من الاحتجاجات السنية السلمية في العراق والحراكات الاحتجاجية السنية المسلحة في سوريا، برع التنظيم في البرهنة على خواء العملية السياسية وعدم جدوى المطالبات السلمية، وتصوير الصراع مذهبيًا طائفيًا بين السنة والشيعة، والتأكيد على غياب رؤية واضحة للدول السنية في المنطقة في التعامل مع ائتلاف شيعي متحد تقوده إيران، كما برهن تنظيم الدولة الإسلامية على فشل سياسات النخب السنية العراقية في توفير الحد الأدنى من العدالة ومواجهة فساد العملية السياسية التي بنيت منذ الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 على أسس هوياتية مكّنت المكونات الشيعية من الهيمنة تحت غطاء حكم الأغلبية؛ وبهذا تحققت رؤية التنظيم بأن المسألة الهوياتية والسياسات الطائفية هي المحرك الأساس للتحركات المحلية والإقليمية، وقد بلغت مقولة المحركات الطائفية أوجها مع دخول الثورة السورية عامها الرابع مع التدخل الإيراني الصريح في دعم نظام الأسد العلوي، ومن خلال الدفع بالميليشيات الشيعية العراقية وحزب الله اللبناني بصورة فجّة؛ الأمر الذي أقنع قوى سنيّة فاعلة بمبايعة تنظيم الدولة الإسلامية والعمل تحت قيادته، وفي مقدمتها المجالس العسكرية المكونة من بعض أفراد الجيش العراقي السابق، والعناصر العشائرية المسلحة ومعظم جماعات المقاومة العراقية، أمثال: “الجيش الإسلامي”، و”حماس العراق”، و”كتائب ثورة العشرين”، و”جيش المجاهدين”، و”أنصار السنّة” و”جيش الطريقة النقشبندية”.
لا جدال بأن جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية برزت مع تدفق المقاتلين من كافة أنحاء العالم والتحاق معظمهم في صفوفه؛ إذ تشير أعداد المقاتلين العرب والأجانب في العراق وسوريا إلى حدود (22) ألف مقاتل من أكثر من (100) دولة، ويبلغ نصيب الدول الأوروبية وأمريكا الشمالية منهم حوالي (5) آلاف مقاتل، بينما يشكل العالم العربي الإسلامي الخزان الرئيس للمقاتلين، وبذلك فإن “جبهة” العراق وسوريا تعتبر الأكثر جذبًا للمقاتلين العرب والأجانب تاريخيًا، فالجبهة الأفغانية استقطبت بين أعوام 1979-1992، حوالي 5000 مقاتل عربي وأجنبي، أما الجبهة العراقية فقد استقطبت في الفترة بين 2003-2007، حوالي 4000 مقاتل.
وإذا كان المقاتلون في التجارب السابقة موزعين بين فصائل جهادية عديدة، فإن الجبهة العراقية السورية تشهد تفوقًا كاسحًا لمصلحة تنظيم الدولة الإسلامية، الذي تمكن من اجتذاب العدد الأكبر، بينما حافظت قلة منهم على وجودها في جبهة النصرة، وفي فصائل جهادية مستقلة أمثال: جيش المجاهدين والأنصار، وهي مجموعة تشكلت في مارس/آذار 2013 من وحدات جهادية عديدة، وتضم المئات من المقاتلين الأجانب، أغلبهم من شمال القوقاز، وفي كانون الثاني 2014 أعلن “تحالف المهاجرين والأنصار” الذي يضم إلى جانب جند الأقصى لواء الأمة ولواء الحق في إدلب ولواء عمر، ومن أبرز المجموعات الكتيبة الخضراء، وصقور العز، وشام الإسلام، ولواء الأمة، وتعتبر “جبهة أنصار الدين” التي أعلن عن تأسيسها في 25 تموز/ يوليو 2014 من أكبر الفصائل الجهادية للمقاتلين العرب والجانب وتتكون من ائتلاف يضم أربعة فصائل وهي: حركة شام الإسلام، جيش المهاجرين و الأنصار، حركة فجر الشام الإسلامية، الكتيبة الخضراء.
تتلخص جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية بتوافرها على أيديولوجية دينية تتعلق بتمثيل الإسلام السني وحرصه على بناء دولة تقوم على مفهوم الخلافة وتطبيق الشريعة، وتقديم نفسه كمدافع عن الهوية السنية في مواجهة التمدد الإيراني والنفوذ الشيعي، وكقوة مقاومة لمواجهة الهيمنة الغربية باعتبارها تقود حملة صليبية، وهي تستثمر شبكة الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وتمتلك خبرات فنية رفيعة في بث دعايتها الأيديولوجية الجهادية، وساهم في جاذبية التنظيم وتدفق المقاتلين جملة من العوامل الموضوعية، ومنها: سهولة السفر عن طريق تركيا كونها وجهة سياحية مفضلة، ووجود شبكات دعم وإسناد محلية لديها خبرات واسعة، وسهولة التجنيد عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والصدع والانقسام السني الشيعي والتعاطف والتلاحم الهوياتي الديني، وجاذبية الجهاد الشامي بحكم الجغرافية الخلابة والمدهشة، وعامل الجذب الديني – التاريخي وارتباط الشام بالملاحم والفتن آخر الزمان، وهاجس فكرة الخلافة الإسلامية ومقرها التاريخي في دمشق.
خلاصة القول، إن جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية تستند إلى أسباب موضوعية تتعلق بالسياسات الخاطئة للأنظمة العربية الاستبدادية التي حولت المنطقة إلى ثكنة عسكرية وفشلت في تحقيق الاستقلال والتنمية والحرية والعدالة والكرامة، والدول الإقليمية وفي مقدمتها إيران التي كشفت عن نزعة براغماتية إمبريالية توسعية، والنظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية ونهجها الإمبريالي المتحالف مع الدكتاتوريات المحلية، والتي اتخذت من موضوعة مكافحة الإرهاب ذريعة لديمومة الإخضاع والتحكم والسيطرة، فقد تكشفت سياساتها عن رطانات بلاغية جوفاء تستخدم للتعمية على أهدافها الحقيقية؛ فالولايات المتحدة تتحرك في المنطقة على أساس ضمان مصالحها الحيوية ممثلة بالنفط وحماية أمن وتفوق المستعمرة الاستيطانية إسرائيل، ولم تحفل بثورات الربيع العربي ومبادئها المؤسسة على الحرية والعدالة والكرامة والديمقراطية؛ بل كانت الركن الأساس في الثورة المضادة وعملت مع حلفائها من الدكتاتوريين في المنطقة على وأدها والتخلص منها؛ وبهذا فإن جاذبية تنظيم الدولة الإسلامية سوف تتضاعف مع بؤس الواقع المحلي والإقليمي والدولي.

نقلا عن موقع التقرير

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 450


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


حسن أبو هنية
حسن أبو هنية

تقييم
1.00/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com