الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

04-26-2015 01:57

حجي بكر و”دير شبيغل” نموذج لتحولات العرب السنة من البعث لـ “تنظيم الدولة”
وائل عاصم

لا يمكن تفسير صعود «تنظيم الدولة» بمعزل عن فهم تحولات المجتمع السني في العراق وسوريا، من المرحلة القومية وصولًا لمرحلة التيارات الجهادية وفصيلها الأبرز «تنظيم الدولة».
وهي تحولات تؤكد وجود رابط تاريخي يجمع أفراد المجتمع السني حول «هوية عميقة» بغض النظر عن توجهاتهم السياسية، وهو ما كنت قد أطلقت عليه مجازًا «القبيلة السنية». الحاج بكر نموذج لحالة «القبيلة السنية» في العراق وسوريا، من حيث «الهوية الكامنة» الثابتة، ومن حيث التحول في الوجه السياسي للقبيلة السنية قوميًا كان أو إسلاميًا، وإن بدا مبررًا بانتماءات فكرية وأيديولوجية، تبدو كاختلافات فرعية ثانوية أمام هوية جامعة أكبر توحدهم أمام الآخر.
فالذين قاتلهم الحاج بكر عندما كان بعثيًا وضابطًا في جيش صدام ودولة البعث هم أنفسهم تمامًا الذين قاتلهم عندما أصبح قياديًا في الدولة الإسلامية، إنها الميليشيات نفسها، الشيعية والكردية، وإيران والأمريكيون والنظام البعثي السوري بنخبته العلوية. واللافت أيضًا أن الإخوان المسلمين في العراق كانوا خصومًا “للبعث الكافر” حسب وصفهم، وهم الآن أبرز الحلفاء السنة للأحزاب الشيعية السياسية وميليشياتها التي تهاجم المدن السنية في العراق.
ليس المقصود بالتحول السياسي أنه مظهري فقط؛ بل هو بلا شك مرتبط بتغييرات فكرية في فهم العلاقة بين العروبة والإسلام، وأولويات حددها الصراع، لتنعكس على تعريف الهوية، وتعريف الذات؛ فالعربي السني بدأ يشعر، خصوصًا بعد أحداث 1991 والتمرد الشيعي وصولًا لسقوط بغداد 2003، أن البعثية والقومية العربية لم تعد رابطة توافقية بين العراقيين، وتراجعت عن كونها معبرًا حقيقيًا عن مشروعه السياسي، فاتجه بعد مخاض طويل للإسلام السياسي، في تراجع عن التوافق مع الآخر لصالح الالتفات أكثر لهوية سنية صارخة.
وهذا ما حصل مع الحاج بكر؛ إذ إنه رغم انتمائه لعائلة بعثية عريقة، انقسمت عائلته في السنوات الأخيرة قبل احتلال بغداد، بين إسلامي وبعثي، كحال أبناء الكثير من العائلات ضمن «القبيلة السنية»، والحاج بكر نفسه تحول للإسلاموية وتحديدًا للسلفية، كالكثير من أبناء محافظة الأنبار التي ينتمي لها؛ لذلك فإن ما ورد بموضوع «دير شبيغل» عن أن الحاج بكر «كان وطنيًا وليس إسلاميًا»، وأنهم «لم يجدوا قرآنًا في بيته بعد مقتله»، هذه العبارات تؤكد أن الكاتب استقى معلوماته من مصدر من المعارضة السورية على خصومة معروفة مع تنطيم الدولة، خصوصًا بعد تلاشي معظم هذه الفصائل وانهيارها أمام تنامي قوة ونفوذ تنظيمي الدولة والنصرة، اللذين باتا يسيطران على أغلبية مناطق المعارضة السورية اليوم، بعد طرد أبرز الفصائل المرتبطة بالمنظومة الإقليمية العربية كفصيلي جمال معروف وحركة حزم.
أما المصدر الآخر الذي استقى منه الكاتب معلوماته، فهو مستشار في حكومة المالكي كان شيعيًا ثم تسنن، بينما كان من الممكن ببساطة معرفة سيرة الحاج بكر من المقربين إليه بالعمل أو منطقة سكنه، وهذه السيرة تؤكد أن الحاج بكر كان ذا توجهات سلفية في سنواته الأخيرة ما قبل الاحتلال، وأنه انضم للمجموعات الجهادية فور سقوط بغداد، مثله مثل ضباط آخرين كانوا مساعدين للزرقاوي كثامر الريشاوي، والمتتبع لسيرة معظم الضباط الذين انخرطوا في «تنظيم الدولة» يجد أنهم لم يكونوا بمستويات رفيعة بالحزب، ويجمعهم توصيف محدد هو أنهم ذوو ميول دينية معروفة داخل المؤسسة العسكرية العراقية، وكانوا ملاحقين ومراقبين من أجهزة الأمن في عهد صدام؛ بل وكثير منهم إما طرد من الجيش أو تم اعتقاله.
ولعل اكثر الاخطاء فداحة في تقرير دير شبيغل المعلومة التي اعتمد عليها في كل بناءه وهي ان الحاج بكري ضابط في ” المخابرات الجوية” العراقية !! والحقيقة ان الحج بكر لم يكن ابدا ضابطا في جهاز المخابرات العراقية ، بل كان طيارا فقط في المؤسسة العسكرية ، وهذا يؤكد ان معظم من انضموا للتنظيمات الجهادية لم يكونوا من الصف الاول ولا حتى الثاني او الثالث في اي جهاز حزبي بعثي او امني مخابراتي ، اي انهم نتاج مهني عسكري لموسسات النظام وليس نتاج عقائدي فكري .. كما يتضح اكثر هنا مدى تأثر الكاتب بتوصيفات فصيل معارض سوري لا يعرف ان المخابرات الجوية فقط في سوريا ولا يوجد هذا الجهاز في العراق !
وما يؤكد أن البعثية لم تترسخ ولم تحل بديلًا عن الانتماءات المذهبية والطائفية بالعراق، هو أن الحاج بكر وكثيرًا من ضباط المؤسسة العسكرية من السنة، الذين كانوا بعثيين انتموا لفصائل إسلاموية جهادية سنية، أما الضباط الشيعة الذين كانوا في جيش صدام وكانوا بعثيين فهم أيضا انتموا للأحزاب الشيعية؛ بل أصبحوا قادة أساسيين في الميليشيات الشيعية، خصوصًا العصائب، وتولوا أرفع المناصب العسكرية في قوات حكومة المالكي، كقنبر وعطا والغراوي وغيرهم الكثير من بعثيين سابقين. نائب الرئيس والقيادي بالمجلس الأعلى الشيعي عادل عبد المهدي نفسه كان بعثيًا. كان البعث يعني لهؤلاء حزب السلطة لا أكثر؛ لذلك فإن تكرار الحديث عن انتماءات «بعثية» لعناصر تنظيم الدولة والفصائل الجهادية ينم عن محدودية الفهم لواقع وتحولات المجتمع السني في العراق، وهو ترديد لأسطوانات لا يجوز لباحث رصين الخوض فيها حتى يبدو أنه يكرر دعايات الخصومة بين الفصائل في سوريا والعراق، ومن ضمنها ارتباط فصائل جهادية وتنظيم الدولة الإسلامية بالنظام السوري، التي لا تعدو كونها مناكفات وترهات كثيرًا ما يصدقها جمهور الطرفين من العوام.
وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ إذ إن أكثر من يردد هذه الدعاية هم خصوم «تنظيم الدولة» من الفصائل وبعض قيادات النصرة، الذين كانوا بالأصل قيادات في تنظيم الدولة.
وما يفعله خصوم «تنظيم الدولة» المتنازعون معه على السلطة والنفوذ وبالذات في سوريا، هو محاولة مخاطبة الجمهور السوري البسيط الكاره لحزب البعث السوري الأسدي، بالقول إن تنظيم الدولة هو من البعثيين العراقيين، وهنا تبدو المفارقة في أوجها؛ إذ إن نظام بعث العراق وجيشه ومؤسساته بنخبته السنية هو الأكثر عداوة للنظام الإيراني ونظام الأسد، وبعث العراق هو الأعرق والأسبق في مواجهة الحلف الإيراني الأسدي الذي يهاجم الثورة السورية اليوم؛ فإيران خاضت حربًا دموية ضد نظام البعث العراقي، وهي الآن تخوض حربًا دموية دفاعًا عن نظام الـسد البعثي. إذن فانتماء أي شخص إلى بعث العراق ومؤسسته العسكرية يفترض أن يطمئن السوريين الثائرين؛ فنظام بعث العراق هو الأشد عداوة لنظام الأسد. بينما يمكن لأي أحد اليوم القول على هذا القياس إن ضباط الجيش الحر السوري البعثيين كانوا أعضاء منذ عقود في جيش الأسد الذي يقتل ثورتهم اليوم؛ لذلك فإن الوقوع في حقل ألغام اتهامات الخصومة بين الفصائل تخرج أي بحث عن واقع الرصانة والعلمية.
ولعل أخطر ما في الأمر أن يتبنى أي باحث روايات طرف ما وإن كانت لا ترقى لمستوى الجدية، كاتهامات التنظيم أو بعض الفصائل بالعمالة للنظام، ولم تعد سوى أسطوانات من ترهات فيسبوكية لا يصدقها سوى أصحاب التفكير الرغبوي. ولعله من المفيد هنا التذكير بأن مهمة الحاج بكر الأساسية في سوريا كانت منذ البداية، تأسيس وتقوية جبهة النصرة، قبل النزاع مع تنظيمها الأم الدولة، التنظيم الذي هدف من وراء تأسيس النصرة بناء حلف سني عابر للحدود بين سوريا والعراق، قادر على مواجهة حلف إيران الشيعي العابر هو الآخر للحدود، وإن كانت بذور هذا المشروع بدأت مع الزرقاوي في العراق؛ إلا أن الثورة السورية منحت التنظيم فرصة كبيرة للتماهي مع مظلومية السنة هناك؛ إذ أرسل قياديه ليشكل ذراعه الشامية، النصرة التي تمكنت بفضل نفوذها ( قبل النزاع بينهم) من دعم التنظيم بالعراق بالقوة المالية واللوجستية، ليرتد ذلك إيجابًا للتنظيم بإنجاز عملية السيطرة على الموصل والمحافظات السنية بالعراق. وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التنظيم الذي شكل بالحقيقة تجمعًا لتحالفات محلية في مختلف المحافظات السنية بالعراق وسوريا، وليس العكس؛ إذ لا يمكن لتنظيم أو مجموعة مسلحة أن تفرض سلطتها على هذا المحيط الواسع من شرق العراق إلى سوريا، بدون بناء هذا التحالفات الفسيفسائية، وهو ما يعني نجاح فكرة الحلف السني الممتد بين سوريا والعراق، بالنسبة لأحد الذين عملوا لأجلها من زمنه القومي إلى زمنه الإسلاموي، الحاج بكر.
كثير من الباحثين الغربيين؛ بل حتى العرب البعيدين عن فهم حال المجتمعات المنقسمة طائفيًا في المشرق العربي، لا يستوعبون إلى الآن كيف يمكن لشخص أن يكون بعثيًا في العراق ثم يصبح إسلاميًا؛ لأن البعثية روج لها في بعض البلدان العربية (لأسباب سياسية) وكأنها دين بديل. صحيح أنها مذهب فكري لكنها كأحد تيارات القومية العربية لا تملك مضمونًا عقائديًا بديلًا للدين، وحتى اليسار الذي يملك تصورات عقائدية فشل كحال القومية العربية في الحلول مكان الانتماءات الدينية والمذهبية الأصيلة في المشرق العربي تحديدًا.
سألني مرة صديق سعودي، كيف يمكن لبعثي علماني ملحد أن يصبح إسلاميًا وربما جهاديًا؟ وأضاف أن كثيرًا من السعوديين يكرهون البعث ويعتبرونه حزبًا كافرًا معاديًا للإسلام. قلت له هل يحبون صدام حسين في السعودية؟ قال نعم يحبونه، لكن صدام تاب وأصبح مسلمًا. في الحقيقة لم نسمع أن صدام تاب عن بعثيته، لكنه ببساطة يمثل مثالًا على تحول طرأ في «القبيلة السنية» بالعراق وسوريا، ما بين فهم يساري للقومية العربية معاد للإسلام السياسي إلى عروبة أكثر تصالحًا وتقاربًا مع هويتها التاريخية، الإسلام، والدافع الأساسي لهذا التحول ليس مفاهيم دينية موجودة منذ تأسيس البعث، وإنما استجابة للصراع المستجد، خصوصًا بعد أحداث عام 1991 والتمرد الشيعي الذي أسقط كل محافظات الجنوب، بينما صمدت محافظات السنة موالية لصدام. وعندها قلت لصديقي السعودي: هل تعرف أنه حتى في البلدان غير المنقسمة طائفيًا وعرقيًا بحدة كمصر وتونس، حدث أيضا هذا التحول، فما بالك ببلدان تعيش تحديًا وجوديًا بالنسبة لمكوناتها؛ فالغنوشي أبرز قادة الإخوان المسلمين كان قوميًا ناصريًا، وسيد قطب نفسه كان ليبراليًا، كما تشير كتاباته الأولى وقربه من حزب الوفد.
في المشرق العربي، ردود الأفعال على إعدام صدام حسين كانت أبرز مظاهر «الهوية السنية الكامنة»، متجاوزة الأوجه السياسية بين علماني وقومي، وحتى يساري، في المقابل ظهر شبه إجماع شيعي على الابتهاج بذلك بمختلف انتماءات المجتمع الشيعي، الإسلاميين منهم واليساريين، وهو الصدام نفسه الذي حصل حول احتلال العراق، ومن ثم الموقف من المقاومة العراقية ومن ثم الثورة السورية، وبمثل أحداث كهذه يستحضر الصراع وتتحول المجتمعات لتستحضر «الانتماء الكامن»، وليس بسبب كتب دينية مركونة على رفوف المكتبات منذ مئات السنين، من دون فهم هذه المقاربة لن نفهم الحاج بكر والآلاف غيره من أبناء «القبيلة السنية» ممن تحولوا من القومية العلمانية للإسلاموية الجهادية.
نقلا عن صحيفة التقرير

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 502


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


وائل عاصم
وائل عاصم

تقييم
1.00/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com