الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

04-26-2015 02:09

القاعدة في اليمن وإعادة الأمل
حسن أبو هنية

عملية عسكرية جوية سعودية خاطفة في اليمن انطلقت فجر الخميس 26 آذار/ مارس 2015 باسم “عاصفة الحزم”، وانتهت مساء الثلاثاء 21 نيسان/ أبريل 2015 لتبدأ مع منتصف الليل عملية “إعادة الأمل”، استجابة لطلب الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، كما أعلن المتحدث العسكري باسم قوات تحالف “العاصفة” العميد أحمد العسيري، والذي وصف عملية “إعادة الأمل” بمزيج من العمل السياسي الدبلوماسي والعمل العسكري، وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية عن حصيلة أولية للعاصفة تمثلت بمقتل 944 شخصًا، وإصابة نحو 3500 بجروح.
في سياق عاصفة الحزم، تبنى مجلس الأمن الدولي في 14 نيسان/ أبريل، مشروع القرار العربي بشأن اليمن تحت الفصل السابع والذي ينص على توسيع العقوبات ضد الحوثيين وفرض الحظر على تزويدهم بالأسلحة والمعدات الحربية، وقد أيد 14 من أعضاء المجلس القرار الذي حمل رقم 2216، فيما امتنعت روسيا عن التصويت، لكن تلك الضربات والإجراءات كانت مغلفة بحالة من القلق من استثمار تنظيم القاعدة في جزيرة العرب من توسيع نفوذه وسيطرته المكانية في ظل الانشغال بمواجهة جماعة أنصار الله الحوثية المتحالفة مع قوات الرئيس المعزول علي صالح، فقد اعتبر وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، أن تنظيم القاعدة في اليمن استفاد من الصراع الدائر في تحقيق مكاسب على الأرض.
لا شك بأن السعودية اكتشفت خلال عملية “عاصفة الحزم” خرافة التضامن العربي الإسلامي وخواء حرب الأنصار بالاعتماد على اللجان الشعبية والمجاميع القبلية؛ إذ سرعان ما بدأ التحالف العربي الإسلامي السني لكبح جماح النفوذ الإيراني الشيعي بالتفكك والانهيار تحت ذرائع مركبة ومتنوعة، بدءًا من الدول الصغيرة كالإمارات والأردن، والمتوسطة كمصر، والكبرى كباكستان وتركيا؛ فالإمارات لا تزال تعرف الإخوان المسلمين كخطر رئيس، والأردن مسكون بتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة النصرة، ومصر تخشى من الطليعة المقاتلة للإخوان وتحول الأولويات وانقطاع المساعدات، أما الباكستان فالهند تتربص ولا طاقة بها لمواجهة إيران، وتركيا تنتظر تحولًا في المنطقة عبر رؤية إقليمية متوازنة تعيد الاستقرار، وقد ذهب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، الأربعاء 8 أبريل/ نيسان إلى إسلام آباد، وفي إطار جهود البحث عن مخرجات سياسية للأزمة في اليمن، وخرج بقرار من البرلمان الباكستاني بعدم التدخل وإرسال قوات إلى جانب السعودية؛ حيث دعا رئيس وزراء باكستان، نواز شريف، إيران إلى الانخراط في حوار بشأن أمن اليمن، كما أعلن الرئيس الإيراني، حسن روحاني، بعد محادثاته مع نظيره التركي رجب طيب أردوغان، أن إيران وتركيا متفقتان على ضرورة إنهاء الحرب في اليمن وتشجيع عملية سياسية لإيجاد حل للأزمة في البلاد.
عبر سردية أفول التضامن العربي الإسلامي السني وفتور الصداقة السعودية الغربية، توقفت “عاصفة الحزم”؛ إذ إن سردية “الحرب على الإرهاب” لا تزال تهيمن على كافة السرديات الدولية والإقليمية والمحلية، وجماعة “أنصار الله” الحوثية لا تنطبق عليها منظورات حرب الإرهاب المعولمة؛ فهي لا تنتمي إلى المكون الإسلامي السني، وما يحدث في اليمن يقع في سياق الحرب الباردة الإقليمية بين إيران “الشيعية” وحلفائها، والسعودية “السنية” وشركائها، ولا عجب أن أفضت مسارات الربيع العربي عن تمدد إيران في المنطقة بعد أن تماهت مع سياسات “الحرب على الإرهاب” الأمريكية المستنسخة عربيًا؛ إذ أصبح “الإرهاب” مادة سنيّة خالصة باعتراف وإقرار النظام العربي الذي خاض حروبه الداخلية للتخلص من نتائج الربيع العربي باسم “حرب الإرهاب”.
مع تصاعد قوة تنظيم الدولة الإسلامية وسيطرته على مساحات واسعة في العراق وسوريا وتمدده عربيًا، شكل التنظيم جاذبية استثنائية بسبب تقديم نفسه ممثلًا للهوية السنية الممتهنة في مواجهة هوية شيعية مظفرة تتمتع بدعم وإسناد إمبريالية إيرانية، في ظل غياب رؤية عربية إسلامية قادرة على توفير مرجعية ومظلة لتحقيق العدالة والإنصاف للمكونات السنية التي تتعرض للظلم والإقصاء في دول عديدة، في نهاية المطاف أسفرت سياسات “حرب الإرهاب” عن الإقرار بالهوية السنية الإرهابوية، ولم تجد الدول العربية التي خاضت حروبها ضد الحركات السنية “الإرهابية” بدًّا من الانخراط في التحالف الدولي المناهض للإرهاب بقيادة الولايات المتحدة والتي عملت على توسيع تحالفها ضد “الإرهاب” ليشمل إيران وأذرعها من المليشيات الشيعية؛ إذ استبعد تقرير التقييم الأمني السنوي، الذي قدمه إلى مجلس الشيوخ الأمريكي مدير جهاز الاستخبارات الوطنية، جيمس كلابر، إيران و”حزب الله” اللبناني من قائمة التهديدات الإرهابية لمصالح الولايات المتحدة، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لإنجاز صفقة تاريخية مع إيران حول البرنامج النووي؛ وبهذا تضمن إيران نفوذها وترسخ هيمنتها وتوسعها كقوة نووية في المنطقة.
لا يبدو أن عمليات كعاصفة الحزم وإعادة الأمل في اليمن يمكن أن تؤدي إلى نتائج حاسمة في لجم التمدد الإيراني دون تبني استراتيجية متكاملة تعيد النظر في مسألة “الحرب على الإرهاب”؛ فعلى مدى سنوات اعتمدت الولايات المتحدة والسعودية في حربها على تنظيم القاعدة في اليمن على حليفهما الأبرز الرئيس علي عبد الله صالح الذي حوّل حرب الإرهاب إلى استثمار اقتصادي عائلي، وبعد تنحيته بسبب عجزه عن القيام بمتطلبات حرب الإرهاب تعهد خليفته عبد ربه منصور هادي بالخضوع المطلق لسياسات حرب الإرهاب الأمريكية، وعندما عجز عن القيام بواجباته تبرع الزعيم الجديد لليمن عبد الملك الحوثي زعيم حركة “أنصار الله” بتقديم أوراق اعتماده للولايات المتحدة كشريك موثوق في بورصة محاربة الإرهاب الدولية.
مقاربة حرب الإرهاب للولايات المتحدة وحلفائها من العرب كانت كارثية، ومقارباتها العسكرية الأمنية فاشلة؛ فكما حدث في بلدان عديدة أدت سياساتها إلى تفكك وانهيار الدولة وتفتت وتشظي المجتمع في اليمن، فمنذ سيطرة جماعة أنصار الله الحوثية على صنعاء في 21 أيلول/ سبتمبر الماضي، تحولت أسس المعركة في اليمن وباتت هوياتية مذهبية، فما حدث في اليمن من اختطاف جماعة “أنصار الله” الحوثية لمؤسسات الدولة يشير إلى انهيار كامل لبنية الدولة ويلخص النتائج الكارثية لقطع مسار الثورات في العالم العربي، ويبرهن على بؤس سياسات “حرب الإرهاب” الأمريكية العربية، والتي أصبحت مطية لكل طامح بالسلطة في المنطقة؛ فالتحايل على فعاليات الثورة اليمنية السلمية التي خرجت في 11 فبراير/ شباط 2011 بهدف التخلص من منظومة الحكم السياسية والاقتصادية والاجتماعية البائسة التي قادت البلاد إلى حافة الهاوية وأدخلتها في حدود الفشل التام، عبر المبادرة الخليجية في 3 نيسان/ أبريل 2011 المدعومة أمميًا عن طريق ترتيب انتقال سلطات رئاسة علي صالح قانونًا إلى نائبه عبد ربه منصور هادي مقابل منح صالح وأسرته الحصانة من الملاحقة القضائية، أسفرت عن قيام إمارتين في اليمن؛ واحدة لأنصار الله في الشمال، وثانية لأنصار الشريعة في الجنوب.
جماعة أنصار الله تماهت تمامًا مع سياسات حرب الإرهاب الأمريكية على القاعدة والجهادية العالمية، وخاضت حروبها عقب ثورة 11 فبراير تحت عنوان مكافحة الإرهاب، التي اتسعت حدودها في عقل سدنة الثورة المضادة إقليميًا لتشمل جماعة الإخوان المسلمين، فقد اتهم زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي “حزب التجمع اليمني للإصلاح” بدعم ومساندة “القاعدة”، كما اتهم الرئيس هادي بدعم ومساندة “القاعدة”؛ ولذلك غابت السياسة عن اليمن وبرزت العسكرة؛ إذ لم يمتلك الفرقاء برنامجًا سوى التأكيد على محاربة الإرهاب للدخول في كنف ورعاية الولايات المتحدة التي يقتصر اهتمامها باليمن كونه معقلًا لتنظيم “القاعدة في جزيرة العرب”، والذي تعتبره واشنطن الفرع الأخطر لــ”القاعدة”.
لقد كان التحرك العسكري السعودي في اليمن من بدايته هشًا؛ فهو يعتمد أساسًا على الضربات الجوية، وهي لا تحسم حربًا ولا تتجاوز كونها عملية صد واحتواء لتقدم قوات أنصار الله المتحالفة مع قوات الرئيس المخلوع علي صالح إلى عدن، فالسعودية لا تزال تعتبر تنظيم الدولة الإسلامية والقاعدة في جزيرة العرب، وجماعة الإخوان المسلمين التهديد الإرهابي الأكبر للمملكة على الرغم من تأييد إخوان اليمن لعاصفة الحزم؛ الأمر الذي يضع مقاربتها في استعادة تمثيل السنة في تناقض صريح، فهي لا تتوافر على أذرع سنية مسلحة كما هو حال إيران، ويبدو أن دورها يقتصر على توفير الدعم المالي والعسكري للحكومة الشرعية في اليمن، وهي حكومة تفتقر إلى القدرة والقوة اللازمة لتأمين الاستقرار وشن الحرب على الجهادية الشيعية والسنية الإرهابوية.
في هذا السياق، تأكدت المخاوف الدولية من استثمار تنظيم القاعدة لحالة الفوضى وعدم الاستقرار لتمكين سيطرته وتثبيت نفوذه؛ فقد عمدت القاعدة على إعادة التموضع وبناء خطة للتمدد والانتشار؛ ففي 2 نيسان/ أيريل دخل التنظيم مدينة المكلا وسيطر بسهولة فائقة ودون مقاومة على الأحياء الرئيسة، و تمكن من تحرير 300 معتقل نصفهم من التنظيم وفي مقدمتهم القيادي خالد باطرفي. وبهذا فإن حديث الرئيس الأميركي باراك أوباما عن اليمن، باعتباره نموذجًا إرشاديًا للعمليات التي يمكن أن تستخدم في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية بات في مهب الريح، فتفكيك الدولة في اليمن سوف يعمل على بروز القاعدة والجهادية كما حدث في العراق وليبيا، الأمر الذي يكشف قصور استراتيجية أوباما في التعامل مع “الإرهاب”.
بؤس المقاربة الأمريكية المستنسخة عربيًا في محاربة الإرهاب لا تحتاج إلى برهان ساطع، ويبدو أن تسمية العملية السعودية الجديدة في اليمن باسم “إعادة الأمل”، هي محاولة لاستدراك المقاربة بالتركيز على الأسباب والشروط والظروف العميقة لظاهرة “الإرهاب”، ولكن على صعيد التسمية دون الانخراط في تفكيكها موضوعيًا؛ إذ لا تعدو العملية عن كونها تجميلية؛ فاليمن يواجه خطر التفكك، وفق منظور هوياتي ظاهر؛ فالتمرد الحوثي المسند إيرانيًا يقوم على أسس هوياتية مذهبية طائفية يهدف إلى اختطاف شمال اليمن، في الوقت الذي تتوسع فيه قوات القاعدة في جنوب اليمن، وقد عزز التدخل الأمريكي الانتقائي بدعم أحد الأطراف (الحوثيين) موضوعيًا أحيانًا وعمليًا أحيانًا أخرى باعتباره شريكًا في حرب الإرهاب، في تأجيج الصراع الطائفي وتفكيك الدولة؛ فالولايات المتحدة قامت بسلسلة من العمليات العسكرية المكثفة في اليمن، ولكنها تركزت في المعظم على شن غارات جوية باستخدام طائرات “درون” ضد تنظيم القاعدة هناك، وإرسال الخبراء الأمريكيين لتدريب وحدات مكافحة الإرهاب اليمنية دون المساهمة في بناء جيش وطني ومؤسسة عسكرية فاعلة، ودون تقديم مساعدة كافية لبناء مؤسسات الدولة اليمنية السياسية، كمؤسسة القضاء ومؤسسات المجتمع المدني.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه جماعة أنصار الله الحوثية سيطرتها على شمال واليمن وتمددها في سائر الأرجاء، يواصل تنظيم القاعدة توسعه في أجزاء من جنوب اليمن؛ فقد أحكم تنظيم القاعدة من سيطرته على عاصمة محافظة حضرموت المكلا الساحلية على بحر العرب جنوب شرق اليمن، ويسعى إلى التمدد في مناطق أخرى؛ حيث عمل على استغلال العمليات العسكرية ضد الحوثيين المتحالفين مع قوات علي صالح بالتمدد البطيء والسيطرة على معسكرات ومعدات عسكرية كبيرة تابعة للجيش اليمني تحتوي على أسلحة ثقيلة، كما عملت على السيطرة على بعض الموانئ والمدن التابعة لمحافظة حضرموت، وهي من أكبر محافظات اليمن مساحة إلى جهتي الساحل والداخل بامتداد الوادي والصحراء؛ ففي 17 نيسان/ أبريل سيطر تنظيم القاعدة على مقر اللواء 27 ميكا بمدينة المكلا بمحافظة حضرموت، وهو يعد من أهم وأكبر المعسكرات بمحافظة حضرموت حيث يحتوي على أكثر من 70 دبابة وعدة عربات عسكرية ومخازن أسلحة، كما قام المجلس الأهلي لمدينة المكلا بوساطة بين القاعدة وقيادة اللواء 27 ميكا، قضت بخروج منتسبي اللواء بأسلحتهم الشخصية، ويقوم عناصر القاعدة بالدخول إلى مقر المعسكر، وكانت القاعدة قد سيطرت على قيادة المنطقة العسكرية الثانية الواقعة في منطقة خلف شرق مدينة المكلا عاصمة حضرموت في 3 نيسان/ أبريل، بعد أن أحكم سيطرته على المدينة، كما قام التنظيم باقتحام مقر الاستخبارات “الأمن القومي” بالمدينة.
لعل نهاية عاصفة الحزم وبداية إعادة الأمل جاءت عقب الضغوطات الأمريكية تحت وطأة تمدد تنظيم القاعدة، فبعد أن توقفت لأيام عمليات مكافحة الإرهاب الأمريكية بسبب العاصفة، عادت طائرات الدرونز مرة أخرى بعد سيطرة التنظيم على مناطق واسعة في حضرموت وشبوة وأبين؛ حيث اعتبر وزير الدفاع الأمريكي، أشتون كارتر، 8 نيسان/ أبريل، أن تنظيم القاعدة في اليمن استفاد من الصراع الدائر في تحقيق مكاسب على الأرض، وقال إن الوضع في اليمن غير مستقر في الوقت الراهن، وهو ما ساعد الأطراف المتقاتلة كجماعة الحوثيين وتنظيم القاعدة، لاستغلال فرصة الاضطرابات وانهيار الحكومة المركزية؛ ففي الوقت الذي كانت طائرات عاصفة الحزم تستهدف الحوثيين، كانت القاعدة تتمدد وتنتشر دون أمل في تحقيق نصر يذكر.
نقلا عن صحيفة التقرير

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 539


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


حسن أبو هنية
حسن أبو هنية

تقييم
1.00/10 (6 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com