الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

12-21-2010 09:03

عصر المعلومات غيّر وجه الإرهاب إلى الأبد
Andreas Smith - The Independent

يوجد منظمون 'مجهولون' ولكنهم عرضة للتغير في أي لحظة، فبينما يقيم قادة 'القاعدة' في دول ضعيفة مثل أفغانستان وباكستان واليمن والصومال، تشكل غرف الدردشة الآمنة على الإنترنت مواقع الأعضاء 'المجهولين'، وبالتالي يمكن تغيير موقع العمل بشكل دائم لتجنب تعقبهم.

يوجد تشابه صادم بين الطريقة التي ينظم فيها قراصنة الكمبيوتر أنفسهم ويدافعون عن موقع «ويكيليكس» من جهة وتنظيم «القاعدة» من جهة أخرى، ولا يعني ذلك أن التنظيم الأول يحمل النوايا القاتِلة عينها التي يحملها التنظيم الثاني، فالواقع ليس كذلك، بل توجد اختلافات أخرى بين الجهتين.

ورد وصف دقيق للخلفية التي يسعى بحسبها كل طرف إلى تحقيق أهدافه التخريبية على لسان فيليب بوبيت في كتابه السابق لعصره «الإرهاب والإجماع» (Terror and Consent) الذي نُشر في عام 2008. فقد توقع الكاتب أن تأتي «دولة السوق المعلوماتية»، كما سماها، لتخلف الدولة القومية الصناعية التي سادت في القرن العشرين. لقد أصبح هذا البلد دولة سوق معلوماتية بالفعل. بغض النظر عما قصده بوبيت بكلمة «معلوماتية»، من المؤكد أنه فكر في الدولة التي توفر الحد الأدنى من الإمدادات حين تكلم عن «دولة السوق»، وقد اعتبر أنها وُجدت لزيادة الفرص المتاحة أمام المواطنين إلى حدها الأقصى، بدل أن تؤدي دور الأداة التي تخدم راحة الناس، كما كانت تفعل الدولة القومية.

إنه وصف عادل جداً لسياسة التحالف، ويمكن إدراج مفاهيم «المجتمع الكبير» ضمنها بسهولة، لكن ماذا عن معنى كلمة «معلوماتية»؟ لم يشعر بوبيت بالحاجة إلى تفسير تلك الكلمة، لكن تشير تسريبات موقع «ويكيليكس» لوثائق وزارة الخارجية الأميركية وما يتبعها من حرب إلكترونية مزعومة إلى ما أراد التعبير عنه. أصبحت الجهة التي تسيطر على المعلومات مسألة محورية اليوم.

لكن المعنى الأوسع الذي أراد بوبيت إيصاله هو أن الإرهاب الذي يطبع هذا العصر يعكس دوماً التدابير الدستورية القائمة، فعلى سبيل المثال، يعكس انتشار موجة من الاغتيالات الفوضوية في العقود الأخيرة من القرن التاسع عشر، مع مقتل قيصرٍ في عام 1881، ورئيس إسباني في عام 1897، وامبراطورة نمساوية في عام 1898، وملك إيطالي في عام 1900، وملك صربي في عام 1903، وملك يوناني في عام 1913، الطبيعة الاستبدادية للحكومات التي سادت في تلك الحقبة. مع نشوء دول قومية ديمقراطية على الساحة العالمية، غداة الحرب العالمية الأولى، تغير وجه الإرهاب أيضاً.

فلم يعد الأسلوب الإرهابي المُختار يقضي باغتيال القادة بل بترهيب الشعوب، وخير مثال على ذلك هو نشاطات جماعة «إيتا» الانفصالية في إقليم «الباسك»، وحركة «نمور التاميل» السريلانكية الانفصالية والجيش الجمهوري الإيرلندي (منها الحركات الرسمية ومنها غير الرسمية). كذلك، تعكس حركات الاحتجاج السلمية في العصر الراهن بنية آليات الحكومة التي تعارضها. في هذه الأيام، تملك الشرطة أجهزة إرسال ويملك المحتجون هواتف خليوية، وتلتقط الشرطة الصور تماماً كما يفعل الطلاب.

ما خصائص الإرهاب إذن في عصر دول السوق المعلوماتية؟ الإرهاب له بعد عالمي ولامركزي ويتصل عبر شبكات عدة، كما أنه قابل للتناقل ولا يعتمد على رعاية الدولة. سيكون الإرهابيون في «دولة السوق» حلفاء سريين بدل أن يكونوا مجرد عملاء. تتوافر جميع هذه الخصائص في تنظيم «القاعدة». لننتقل الآن إلى مجموعة «المجهولين»، كما تسمي نفسها جماعة قراصنة الكمبيوتر التي تشن هجمات انتقامية باسم موقع «ويكيليكس». كان هدفها الأساسي يقضي بردع الناشرين عن منع الناس من الحصول على الموسيقى والأفلام التي يريدونها من خلال تبادل الملفات، وبالتالي تفادي الدفع مقابل هذه الخدمات، لكن ها هي الآن، تماماً مثل «القاعدة»، تهاجم الحكومة الأميركية وعملاءها. تُعتبر جماعة «المجهولين» أيضاً عالمية ولامركزية وتتصل عبر شبكات عدة، كما أنها غير رسمية بأي شكل.

يبدو أن جماعة «المجهولين» تفتقر إلى بنية قيادية (بينما يملك تنظيم القاعدة «المركزية»، كما هي معروفة، بنية مماثلة طبعاً). يوجد منظمون «مجهولون» ولكنهم عرضة للتغير في أي لحظة، وبينما يقيم قادة «القاعدة» في دول ضعيفة مثل أفغانستان وباكستان واليمن والصومال، تشكل غرف الدردشة الآمنة على الإنترنت مواقع الأعضاء «المجهولين»، وبالتالي يمكن تغيير موقع العمل بشكل دائم لتجنب تعقبهم. في حال كانت جماعة «المجهولين» تملك نظاماً لعملها، فيمكن تسميته بالفوضى المنظمة. يعرض الأعضاء أفكارهم بشأن الحواسيب التي تستحق مهاجمتها، ثم ينتظرون موافقة الآخرين.

توجد نقاط مشتركة أخرى، أقله للوهلة الأولى. يرى الجميع أن «القاعدة» تخوض حرباً إرهابية، ويُقال إن «المجهولين» يخوضون حرباً إلكترونية، لابد هنا من التشديد على كلمة «حرب»، ففي حال استعمالها، ستتغير المواقف في المعركة التي تصفها. يرى المؤرخ العسكري الكبير سير مايكل هاورد مثلاً أن استعمال تلك الكلمة لوصف معركة معينة ضد الإرهاب تكلف الكثير، فهي تعطي المقاتلين الأعداء الإرهابيين شرعية لن يحصلوا عليها بطريقة أخرى. وقال في كلامه عن «القاعدة»: «نحن لا نخوض حرباً بمعنى الكلمة، ويجب أن نحذر من ادعاء عكس ذلك خوفاً من استدراج الأبعاد السلبية الكثيرة التي ترافق أي حرب». تكمن الفكرة الأساسية هنا في أن الدول هي وحدها مخوّلة خوض الحروب. لكني أوافق بوبيت في هذا المجال حين يقول إن القاعدة تشكل دولة عملية بحد ذاتها كونها تتمتع بجميع خصائص الدولة باستثناء وجود أراضٍ مجاورة لها، ما يجعلها في حالة حرب مع الغرب.

لكن ماذا عن الحروب الإلكترونية؟ بحسب التحليل الوارد أعلاه، لا تشابه بين الحربين، فلا شيء يشير إلى وجود دولة فعلية في ما يخص جماعة «المجهولين»، مهما اتسع نطاق كلمة الدولة «العمليّة». ما يعتبره الناس حرباً إلكترونية لا يستحق حتى وصف «الانتفاضة» أو «التمرد». على صعيد آخر، تشكل قدرة «المجهولين» على اختراق مواقع الكمبيوتر الخاصة بالشركات التي سحبت خدماتها من «ويكيليكس» عملاً أقوى من التظاهرات التي نظمها المتظاهرون احتجاجاً على رسوم التعليم خارج البرلمان، في الأسبوع الماضي، حتى لو أقدم أحدهم على مهاجمة العلم المرفوع على أحد النصب التذكارية. يمكن تسمية ذلك النشاط بالانتفاضة.

إن النقاط المشتركة بين التظاهرات والانتفاضات والجماعات الإرهابية، إلى درجة معينة، هو طبيعتها العفوية، ومن المرجح أن يكون الانتحاري الإرهابي السويدي الذي فجر نفسه في استوكهولم، في الأسبوع الماضي، قد تصرف بمحض إرادته، أما المحتجون على رسوم التعليم، فهم ينشطون بناءً على تعليمات مئات المنظمين المنفصلين، وهو عدد أكبر من الذي يستعين به «المجهولون». حين تظاهر مليون شخص في لندن احتجاجاً على قرار غزو العراق في فبراير 2003، كانت تلك التظاهرة أكبر حركة احتجاجية تشهدها البلاد على الإطلاق، لكن لا شك في وجود أشخاص نظموا ذلك الحدث، لكني لم أعرف هويتهم حينها ومازلت لا أعرفها حتى الآن. كان الأمر شبه عفوي، وبالتالي لا أهمية لهوية المنظمين.

بين نشاطات «القاعدة» واحتجاجٍ طلابي في مدينة ليستر مثلاً، تتعدد الحركات الاحتجاجية: بعضها يترافق مع خطط فتاكة، وبعضها الآخر يتصف بالعنف، بينما تحافظ خطط أخرى على طابعها السلمي... لكنها جميعاً تتشارك بعض الأمور: فهي لامركزية وتتصل عبر شبكات عدة، ونادراً ما يديرها قادة جذابون، إنها تعبير خالص عن قوة الشعب، وهي تنمو بشكل عفوي، ومعظمها يخمد بسرعة، لكن «القاعدة» وُلدت لتبقى، وقد ينطبق الأمر نفسه على «المجهولين» أيضاً، أقله في الفترة المقبلة.


الجريدة الكويتية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 927


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


Andreas Smith
Andreas Smith

تقييم
1.26/10 (34 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com