الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

01-04-2011 06:56

هل نفذت القاعدة مذبحة القديسين؟
مصطفى عاشور - إسلام أون لاين


عندما تقع جريمة وتعثر الشرطة على جثة، فإن أول ما يتبادر إلى ذهن المحقق مقولة "فتش عن المرأة"، وعندما تقع مذبحة يسقط فيها عشرات القتلى يتبادر إلى ذهن الجميع "فتش عن القاعدة"، خاصة إذا كان الضحايا يختلفون عن تنظيم القاعدة دينا أو مذهبا أو حتى فكرا، فالقاعدة أصبحت مخرجا للكثير من الدول والأجهزة الأمنية لتعليق الاتهامات عليها، خاصة وأن القاعديين يملؤون العالم ضجيجا بتهديداتهم، ويتبنون الكثير من العمليات التفجيرية.

وبعيدا عن الاتهام التقليدي للقاعدة بأنها وراء تفجير كنيسة القديسين في الإسكندرية الذي حصد أرواح أكثر من عشرين مصريا من الأبرياء غالبيتهم من الأقباط أثناء خروجهم من الاحتفال ببدء العام الجديد، نجد أن القاعدة ليست الجهة الوحيدة التي أشارت إليها أصابع الاتهام في مذبحة الإسكندرية، فهناك أربع جهات اتهمت بأنها وراء هذا الاعتداء.
فمنذ اللحظة الأولى للمذبحة أعلنت الأجهزة الرسمية المصرية ممثلة في القيادة السياسية والجهاز الأمني بأن جهات خارجية وراء الحدث، وأن تلك الجهات هي التي تخطط لتخريب العلاقة بين المسلمين والمسيحيين؛ لكن لم يتم تحديد تلك الجهة الخارجية؛ ثم جاءت نتائج التحقيق الأولية بأن المتفجرات التي نفذت بها المذبحة هي محلية الصنع؛ وقد نشرت بعض المواقع القريبة من القاعدة بأن القاعدة ليست لها أدنى علاقة بتلك المذبحة، على الرغم من تهديد القاعدة للأقباط في نوفمبر الماضي.
أما الجهة الثانية فكانت الموساد الإسرائيلي؛ وقد ردد الاتهام محامون في تظاهرة لهم بعد الحادث، كما اتهم المفكر الإسلامي محمد سليم العوا الموساد بأنه نفذ هذه العملية كنوع من رد الفعل الاستخباراتي على كشف مصر شبكة تجسس للموساد.
وكان العوا قد صرح قبل أكثر من شهر بأنه تم ضبط شحنة أسلحة في بورسعيد قادمة من إسرائيل عبر شخص قبطي، وسبقهم اتهام للموساد من الدكتور مصطفى الفقي- المثقف المصري القريب من النظام ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى- بعد المصادمات التي وقعت بين الشرطة المصرية وأقباط على خلفية بناء كنيسة، حيث اتهم الفقي الموساد بأن أصابعه وراء تفجير وتأزيم الملف الطائفي في مصر، من أجل إضعاف مصر من داخلها بتهديد نسيج وحدتها الوطنية التي طالما فاخرت به.
أما المتهم الثالث فقد نسب موقع "المصريون" لجهات أمنية بأن هناك شكوكا في وجود تنظيم قبطي له علاقة ببعض أقباط المهجر، والموساد يقف وراء هذا التفجير بقصد خلق احتقان وعنف بين المسيحيين والمسلمين يسمح بتدويل الملف القبطي، ويضغط على النظام المصري ليحقق الأقباط أقصى قدر من المكاسب.
أما المتهم الرابع فكان النظام المصري، وجاء هذا الاتهام على لسان الدكتور محمد البرادعي المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية ورئيس الجبهة الوطنية للتغيير بأن عجز النظام المصري وعدم قدرته على حماية شعبه أوجد حالة من التفكك في المجتمع المصري وجعله على حافة الانفجار؛ وهو ما اعترض عليه الحزب الوطني متهما البرادعي بـأنه يتاجر بآلام المصريين.
هل نفذت؟
والواقع أن القاعدة أطلقت تهديدها لأقباط مصر من العراق في نوفمبر الماضي، على وقع مذبحة كنيسة سيدة النجاة، لكن السؤال: هل نفذت القاعدة تهديدها؟ في ظل المؤشرات والتأكيدات السياسية والأمنية بأن القاعدة ليس لها حضور على أرض مصر، وأن ما تقوم به القاعدة في بعض الأحيان هو نوع من القفز على الأحداث والأزمات بغرض الحضور الإعلامي وخلق حالة من النقاش حولها تكفل تكثيف الأضواء عليها، وأن "القاعديين والجهاديين المصريين" – إن جاز التعبير- هجروا مصر إلى مناطق أخرى من العالم ليمارسوا تشددهم وتفجيرهم.
أما الجماعة الإسلامية المسلحة فأعلنت مراجعاتها بطريقة نهائية ومبدئية وقطعت صلاتها بالعنف؛ بل واست الأقباط والمصريين في تلك المذبحة؛ وهو ما يجعل القاعدة ليست الوحيدة المشار إليها بالاتهام؛ بل ربما قد تكون خارج دائرة الاتهام ذاتها، خاصة في ظل صمتها عما جرى حتى الآن، باستثناء البيان الذي صدر عن موقف قريب منها ينفي العلاقة بالمذبحة.
مناخ الإرهاب
استعراض بعض الأحداث التي أعقبت مذبحة الإسكندرية، يبعث الكثير من القلق على نسيج الوحدة الوطنية والتعايش بين المصريين من المسلمين والأقباط؛ ومن تلك الأحداث ما وقع لرموز المؤسسة الدينية الرسمية المصرية الثلاثة، شيخ الأزهر والمفتي ووزير الأوقاف الذين تعرضوا لمحاولة اعتداء في الكاتدرائية من قبل بعض الأقباط عقب تقديم واجب العزاء للبابا شنودة.
وهذه سابقة جديدة في العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لم يعرفها تاريخ العلاقات بينهم، فهذه المحاولة تكشف عن تأزم عميق وعمليات شحن يتم فيها تحميل المسلمين تبعات شكوك وظنون بأنهم وراء ما يقع للأقباط من أحداث، ويكشف-أيضا- أن الأقباط يشعرون بأنهم يعانون من "مظلومية" وأن الوقت في صالحهم للتصدي لها، بيد أن محاولة الاعتداء تلك تنذر بخطر تجاوز الخطوط الحمراء في العلاقة بين المسيحيين والمسلمين.
ويلاحظ في هذا الشأن أن المؤسسة الرسمية الدينية المصرية وكثير من القوى الإسلامية كالإخوان المسلمين أو السلفيين أو حتى جهاز الدولة المصرية تحركوا بعد المذبحة- وكأن على رؤوسهم جرحا- وكأنهم يريدون أن يعلنوا براءتهم من الحادث وبراءتهم من دم الضحايا؛ على الرغم من أن التحقيقات لم تشر إلى أي منفذ للحادث سواء كان فردا أو جهة ما.
ويبدو أن المناخ الدولي الذي يتهم الإسلام والمسلمين بالإرهاب خلق حالة من ضرورة التأكيد على البراءة من تلك الدماء والإصرار على توصيل الرسالة والبراءة للطرف الآخر بكل السبل، وربما يأتي هذا الإصرار على البراءة بنتائج غير تلك المستهدفة منه. والغريب أنه عقب الاعتداء طلب وزير الأوقاف بأن تركز الخطب في أيام الجمع القادمة على الوحدة الوطنية وتدعم خطاب الوسطية والاعتدال، وطالب مجلس الإسكندرية المحلي بإغلاق كافة الزوايا والمساجد الصغيرة التي تقام فيها صلاة الجمعة بحيث تكون صلاة الجمعة في المساجد الكبيرة لتحقيق قدر من الضبط على الخطاب الإسلامي الوعظي.
وقد سعى البعض لإقامة صلاة جامعة بين المسلمين والمسيحيين يوم عيد الميلاد للتأكيد على الوحدة الوطنية، وهو ما رفضه شيخ الأزهر داعيا إلى عدم تحميل الأمور صخب الإعلام.
لكن أخطر ما في تداعيات تلك المذبحة هو خروج آلاف المسيحيين في مناطق عدة موزعة على كافة أرجاء الخريطة المصرية للتنديد بما جرى، كما أن بعض المسيحيين حاول الاعتداء على مساجد، وبعضهم حاول الاعتداء على وزراء، وسعى الأقباط لإقامة نصب تذكاري لضحايا المذبحة تخليدا لذكرى الغدر بهم، وهو ما رفضه الجهاز الأمني حتى لا يكون هذا النصب معلما على الاحتقان الطائفي وشاهدا على الأزمة بين مكونات المجتمع المصري.
لكن أشد ما يقلق في تداعيات مذبحة الإسكندرية هو أنها تأتي في إطار إرهاصات ببناء هوية مستقلة للأقباط المصريين، من خلال خلق حالة من الخوف والتخويف تجعل الكنيسة- لا الدولة المصرية- الملاذ الآمن، وتجعل الخارج ظهيرهم ونصيرهم وليس ما يستندون إليه من قيم تعايشٍ خلقتها أجيالهم عبر عشرات القرون..وأشد ما يؤلم هو وصف كبار رجال الكنيسة للأقباط بـأنهم "شعب" الكنيسة أو"الشعب" القبطي، فخلق الهوية القبطية في الحالة المصرية - خلال هذه الفترة - ربما لا ينقصه إلا قطعة من الأرض لتكتمل مكوناته.. وهو ما يسترعي الانتباه.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1074


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


مصطفى عاشور
مصطفى عاشور

تقييم
1.26/10 (29 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com