الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
من سيدة النجاة إلى القديسين:من المستفيد من تفجير الأوضاع؟!
من سيدة النجاة إلى القديسين:من المستفيد من تفجير الأوضاع؟!
01-10-2011 03:35
من سيدة النجاة إلى القديسين:من المستفيد من تفجير الأوضاع؟!
د. عبدالله القفاري - جريدة الرياض

كل محاولة للفهم خارج آليات التفكير الذي يعصم العقل من الوقوع في الحكم الخطأ، تشتيت للجهد عن محاولة فهم اقرب لمنطق الأحداث في منطقة أصبحت بؤرة التوتر وهدف القلاقل واستهداف التأثيرات خلال العقد المنصرم بأكمله.

من العراق إلى مصر ومن اليمن إلى السودان ومن لبنان إلى ضفاف الخليج.. هناك ما يوحي بأن ثمة استهدافات كبيرة، تعمل بلا توقف على تفجير التنوع الطائفي والاثني والمذهبي والقومي عبر محاولة تفتيت بنى داخلية أصبحت أكثر عجزا وأضعف قدرة على مداواة جراحها واستعادة المبادرة لتصد هذه الهجمة الشرسة، ناهيك عن قدرتها على تحصين ذاتها. لا يمكن لعقل مؤسس على منطق صارم ومراقب لوقائع يمكن قراءتها وتسلسل أحداث يمكن تتبعها إلا ويدرك أن هناك مشروعا أوسع من إثارة فتنة نائمة، ناهيك أن إبقاء الفتنة نائمة بحد ذاته هو استسلام لمنطق الفتنة عوضا عن القضاء أصلا على بواعثها حتى لا تعود لها قائمة.

منذ التفجير المريع لكنيسة سيدة النجاة في بغداد، والبيانات التي صدرت عن جهات مجهولة عن استهداف الأقباط في مصر، وصولا إلى التفجير الخطير الذي طال كنيسة القديسين بالإسكندرية، كان من الواضح أن هناك تركيزا على مسار آخر يرمي إلى تهديد وتفجير فكرة التعايش الإسلامي المسيحي في المشرق العربي بعد أن أخذت السنوات المنصرمة مداها ومازالت في محاولة دائبة لتفجير فكرة التعايش الإسلامي الإسلامي من خلال إشعال الحرائق الطائفية. ولم يكن الأمر قصرا على العراق، إلا أنها كانت البيئة المناسبة بعد إسقاط النظام لإشعال الاحتراب عبر التلبيس الطائفي وإثارته واستثماره. وإلا فمن الواضح أن هناك محاولة لإشعال حرائق في نسيج الدولة العربية القطرية من خلال التناقضات الاثنية سواء كانت طائفية أو قومية أو دينية، مما يوحي أن ثمة مشروعا يكشف عن ملامحه من نوعية أدواته واستهدافاته واختراقاته.

في كل دولة عربية ثمة تناقضات يتم استثمارها في هذا المشروع بطريقة أو بأخرى، ففي لبنان تطل الفتنة التي يعمل على إيقاظها من يريد استعادة لبنان إلى عالم الصراع والاحتراب الداخلي. هناك من يدرك أبعاد الصراع اليوم، وهناك من يرمي نفسه في أتون صراع سيدفع ثمنه لا محالة عاجلا أم آجلا. وفي اليمن، وما أبقى اليمن، محاولات محمومة لصناعة أفغانستان جديدة في خاصرة العرب الجنوبية. من الحوثيين إلى حراك الجنوبيين إلى تنظيم القاعدة... وهو تنظيم بكل دمويته وإرهابيته وخطورته ربما لا يكون سوى وسيلة فاعلة وثمرة تجنيد وتوظيف لقوى أخرى تختفي خلف القاعدة لتنفيذ أجندتها في هذا المشروع الخطير. أما السودان فها هو يودع العشرية الأولى من القرن الجديد على وقائع الانفصال التي يغري بالمزيد من التجزئة والتقسيم. أما من يقف يدعم بشدة تقنين وقبول الانفصالات تحت حق تقرير المصير فهي الولايات المتحدة الأمريكية التي تلوح بالعصا والجزرة للنظام السوداني لإتمام علمية الانفصال، وهذا لا يلغي بطبيعة الحال مسئولية النظام السوداني الذي أسقطت حكومة إنقاذه اعتبارات السودان التاريخية والثقافية والاثنية لتغذي نزعة الانفصال. أما أكراد العراق فها هم يجسون النبض عبر إطلاق بالونات تقرير المصير، هل هذا المسلسل ماض إلى حدود قضم وقصم ظهر العراق حتى لا يعود العراق الذي نعرفه؟ يتجاوب الطائفيون في جنوبه مع فكرة الكيانات الصغرى، فهم لا يتورعون اليوم عن الدعوة لفيدرالية التقسيم تحسبا لوضع يمكنهم أيضا من وضع اليد على الثروة النفطية في الجنوب عبر ترويج خصوصية الجنوب العراقي مما يشكل لو تم حزاما خطيرا بلون طائفي واحد يمتد من إيران إلى جنوب العراق حتى يتماس مع ضفاف الخليج العربي.

في المغرب العربي تحضر المسألة الأمازيغية، التي يمكن تحريكها حالما تحين الفرصة. صوتها في باريس أقوى من صوتها بالمغرب. مشروع قابل للتوتير عبر إثارة تلك النزعات الانفصالية الداخلية عندما تحين الفرصة المناسبة على ملامح الدولة العربية الرخوة.

مصر ذلك النسيج الوطني المتجانس رغم تعدد الهوية الدينية، فالتعايش الإسلامي القبطي تاريخ بعيد وحضارة ممتدة وتداخل شديد. لا تكاد ترى في مصر أحياء قبطية خاصة بل مواطنين مصريين مسلمين وأقباط يتشاركون بكل شيء لونا وثقافة وحضورا وحياة. ماذا فعلت سنوات من إثارة الاضطرابات بين المسلمين والأقباط في صعيد مصر الذي يجمع بين شرائحه مصريتهم الصميمة وثقافة لا يمكن تمييز ألوانها الخاصة؟ تفجير كنسية القديسين عمل كبير وخطير يستهدف حالة تعايش تاريخية يستدعي ظهور أو بروز دعوات حماية الأقباط من قبل من قبل منظمات ومؤسسات مدنية ودينية في الغرب. ومن يراقب مسلسل الأحداث يدرك أن كثيرا منها تبلور في البدء في مثل هذه المنظمات حتى يتحول إلى مشروع سياسي ضاغط. رحم الله الزعيم الوفدي مكرم عبيد الذي كان يردد أنا مسلم وطنا قطبي دينا. هذا التجسيد الرائع لعلاقة الصليب بالهلال تحوطه اليوم كثير من الشكوك بعد تلك الهجمات. تنشط لوبيات قطبية خارج مصر وهي أكثر حضورا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي تذكي وتنفخ في نار الاستعداء على النظام المصري والتاريخ العربي والإسلامي في مصر.

ألا يوحي كل هذا بأن ثمة مخططا خطيرا يعمل على استغلال هذا التنوع الطائفي والاثني والعرقي في المنطقة لينفذ منها إلى تكوينات يستهدف إخضاعها والضغط عليها وإشغالها بنفسها. إنها ثقوب اليوم وربما أصبحت مستقبلا إذا استمر هذا التوتير رافعات لإعادة رسم دول الطوائف والمذهبيات والقوميات في المنطقة تحت غطاء سياسة حماية الأقليات.

لا يمكن فهم هذه القدرة العجيبة على البقاء والتأثير أو الإمكانات الكبيرة لتنظيم مثل القاعدة ليصل إلى تكوينات أمنية صلبة كما في الحالة المصرية. هناك تنظيم يدعى القاعدة وهناك حالة تطرف صنعتها عقود من التغذية الضارة وهي اليوم تنقلب على مرضعاتها.. إلا أن القاعدة قد تصبح أيضا ذراعا لقوى وأطراف خفية في هذا الصراع ربما تستغل القاعدة وعناصرها لاستدامة هذا التأثير المدمر من المغرب العربي حتى تخوم اندونيسيا. لقد قدم هذا التنظيم لتلك القوى الخفية صاحبة المصلحة الأولى في التفتيت والإشغال العربي والإسلامي الفرصة لتعمل بقدرات شيطانية مذهلة، وعندما يصبح هو الأداة فهذه قمة المأساة!!.

هل نحن أمام استخدامات لتنظيم القاعدة، قد يكون الضالعون فيها والمستفيدون الكبار منها يقفون خلف المشهد ويحركون دمي القاعدة وسواها لاستمرار هذا النزيف والانتحار المجاني والتدمير الممنهج لقوى الدولة العربية التي أصابت فشلا كبيرا منذ استقلالها وعجزت عن حماية حصونها من الداخل؟! يحمل تنظيم القاعدة أجندة متطرفة ضالعة في تطورات مأساوية عاشتها هذه المنطقة طيلة العقد المنصرم، ولكن هل يمكن لهذا التنظيم مهما بلغت قوته أن يقوى ويستمر عبر هذه الامتدادات الواسعة في المنطقة دون دعم أو عون خارجي توفره بطريقة أو بأخرى استخبارات دول نافذة تدرك كيف تستغل هذه التنظيم لذبح ما تبقى من القدرة العربية والإسلامية.

حقيقة الصراع في المنطقة تعني أن هناك مستفيدين كبارا يحملون أجندة إضعاف وإخضاع النظام العربي إذا لم يكن العمل على رسم ملامح دويلات الطوائف والاثنيات وعلى رأس هؤلاء الكيان الإسرائيلي التي يجب ألا تغيب عن مشهد الأحداث ومحاولة فهم مساراتها وبالتحالف مع قوى تعتبر هذه المنطقة مجال صراعاتها ومنبع طاقتها ومصدر قلقها. أما الطرف الثالث الذي يعطي لهذه المشروعات التدميرية الفرصة والقدرة على تحقيق أهدافها، فهو النظام العربي الذي مازال يعالج الوضع على الطريقة الأمنية فقط. فشل الدولة العربية عن تقديم مشروع يتجاوز فكرة الحفاظ على النظام عبر إخفاء التناقضات الداخلية بالقبضة الأمنية مكن لسنابل التطرف الضارة أن تنمو، ومكن للأعداء من استغلال علاقات النسيج الهشة وتوظيف عملاء الداخل والخارج واستغلال مشروع دموي متطرف لم يحقق خلال عشر سنوات سوى الجناية الكبرى على الإسلام والمسلمين.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 997


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.00/10 (4 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com