الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مسلمون حول العالم
قوانين منع الحجاب في أوربا.. تسييس للمواقف وخرق للدستور/ نزار السهلي
قوانين منع الحجاب في أوربا.. تسييس للمواقف وخرق للدستور/ نزار السهلي
01-26-2011 09:44
الدين والسياسة - نزار السهلي*:
عندما أسدلت فرنسا الستار, عن القانون الذي أقرته بمنع ارتداء الحجاب والرموز الدينية الأخرى في المدارس تبعتها كل من بريطانيا وهولندة وبلجيكا والدانمرك وعدد ليس بقليل من الدول الأوربية، لتصبح سياسة منع الحجاب في دول الاتحاد الأوربي تشكل هاجسا, بعد أحداث 11 أيلول 2001. فالتشريع الذي مهدت له فرنسا، كان من أبرز القضايا التي جعلها الغرب بؤرة للجدل حول الإسلام، لتحتل فرنسا الصدارة على هذا الصعيد، رغم الجدل المثار بعيد أزمة الرسوم المسيئة.
منذ سنوات وقضية ارتداء الحجاب في بعض الدول الأوربية تأخذ حيزا في النقاش الدائر على المستوى السياسي والقانوني والشعبي، وارتداء الحجاب في بلد غربي مثل فرنسا وبلجيكا والدانمرك وهولندا لا تمارسه فقط مسلمات مهاجرات إنما أيضا مسلمات من جنسيات البلاد المذكورة أعلاه.
في السنوات والأشهر الأخيرة تصاعدت حدة النقاش حول هذه المسألة، فمنهم من بنى موقفا متشددا يعيد أزمة الرسوم المسيئة التي تفجرت في الدانمرك قبل سنوات قليلة ومنهم من تصاعدت مجادلته لمنع كلي للحجاب في أماكن العمل والدراسة في محاولة تقليد الموقف الفرنسي من ارتداء الحجاب في المدارس.
في هذا المقال نحاول التركيز على بعض الخلفيات الدستورية والسياسية للنقاش المتصاعد ووصوله إلى حد قيام سويسرا باستفتاء على عدم جواز بناء المآذن، رغم كل التدخلات الإعلامية والسياسية الضاغطة لإقرار قوانين منع الحجاب الذي يرده البعض إلى ردة فعل على انحدار مستوى النقاش حول تلك المسالة.
الحجاب والسياسة
من الضروري التذكير بأن الدساتير الأوربية في بلجيكا وهولندة والدانمرك على سبيل المثال، الذي يُحتفل به سنويا في يونيو، يمكنه أن يضع النقاط على الحروف إذا ما تمعنا في الفقرة الثالثة من هذا الدستور الذي يقسم السلطات الثلاثة على النحو التالي:
- السلطة التشريعية هي من صلاحية البرلمان.
- السلطة القضائية هي من صلاحية المحاكم.
- السلطة التنفيذية هي من صلاحية الحكومة الخاضعة للبرلمان.
من المعروف أن هولندة وبلجيكا الدانمرك والسويد ملكيات دستورية لا تملك فيها الملكة مارغريتا الثانية وبياترس الهولندية سوى سلطة معنوية وأخلاقية بروتوكولية تعطي مباركتها لرئيس أو رئيسة الوزراء الذي تشير إليه المشاورات الحزبية بعد كل انتخابات. وبناء على ذلك الفصل بين السلطات يجب أن يخضع النظام القضائي للتأثير أو التدخلات السياسية، والنظام القضائي في تلك الممالك بما فيها المحاكم تخضع وتقاد من قبل مجلس عدلي مستقل تمام الاستقلال.
في ديسمبر- كانون الثاني من العام 2007، وبعد الجدل المستمر حتى وقتنا الراهن حول مسألة الحجاب، أكد المجلس العدلي المستقل في الدانمرك على التالي «كل موظف/ موظفة في المحاكم الدانماركية يمكنه/ يمكنها ارتداء غطاء للرأس أو عمامة أو ما شابه من غطاء للرأس لأسباب دينية أو ثقافية طالما أن الوجه ظاهر».
التأكيد السابق يبدو وكأنه حسم المسألة التي ثارت سياسيا وإعلاميا على خلفية انتهاء مسلمة من دراستها للقانون وترفعها إلى درجة قاضية، فتدخل السياسة عكس نفسه على صعيد التباين بين موقف المجلس العدلي واتحاد القضاة في الدانمارك، وهو ما يجعل المسألة أكثر تعقيدا مما تبدو عليه نتيجة لتداخل الايدولوجيا بالتفسير السياسي والقانوني لمسائل تساوي المواطنين دون اعتبار للخلفية الدينية أو الإثنية لدولة المواطنة، التي ترصد ملايين الدولارات باسم "المبادرة العربية" لدمقرطة المجتمعات العربية، وهو مشروع لا يزال جاريا بالرغم من عدم وضوح أفقه أو المقصود منه، بينما يتم تجاوز المساواة بين المواطنين من قبل بعض الساسة اليمينيين.
من الواضح بأن الاستخلاص المهم في ذلك الاختلاف يكمن في تداخل السياسي بالقضائي، وبدا واضحا بأن المحاكم ليست في معزل عن التأثير السياسي رغم النصوص الدستورية التي تمنع هذا التأثير. فالبرلمان الهولندي والدانماركي والفرنسي هو الذي يقرر الأطر العامة لعمل المحاكم من الناحيتين اللوجستية والتشريعية.. ومن هذه النافذة يتم تسييس قضية الحجاب أو شكل اللباس الذي يفترض ارتداؤه في المحاكم.. فحتى في الدخول إلى البرلمان كمنتخب من الشعب، وهنا نأخذ قضية أسماء عبد الحميد التي نالت أصوات تؤهلها لكي تصبح العضو الاحتياط الأول عن حزب اللائحة الموحدة اليساري جرى الإعلان صراحة، بسبب حجابها، بأنه ليس هناك ما يمنع عضو البرلمان ارتداء ما يراه مناسبا طالما كان "محتشما" أي بمعنى آخر عدم الدخول إلى البرلمان بسروال قصير وما شابه. لكن وبالرغم من وضوح ما لا يمنعها من اعتلاء منصة الخطابة فقد أعلن بعض نواب اليمين من حزب الشعب الدانماركي بزعامة بيا كيرسغوورد عن رغبتهم "بمنعها بكل السبل بما فيها استخدام القوة"، وهو أمر لاقى الكثير من الاستهجان والاستغراب من عدد من أعضاء البرلمان من أحزاب اليسار ويسار الوسط ومن قبل رئيس البرلمان.
التسييس الواضح
الأحزاب اليسارية الدانماركية وتلك التي تتخذ وجها إنسانيا لسياساتها تجد نفسها في مواجهة مع مشروع تسييس القانون وفقرات الدستور المساوية بين المواطنين، ولكي نكون منصفين فإن الكثير من المثقفين إلى جانب الإعلاميين والصحفيين والكتاب الدانماركيين يعارضون معارضة كاملة السياسات القائمة على البعد الاثني والديني في الموقف من قضايا المسلمين في الدانمارك بما فيها قضية الحجاب التي هي اليوم من أكثر القضايا سخونة.
وبناءا عليه فإن الحكومة الدانماركية التي تتشكل من ائتلاف محافظ – ليبرالي مدعوم من اليمين تجد نفسها مضطرة اليوم للتدخل في سخونة النقاش، وإن كانت كل الدلائل تشير إلى أنها ترغب بالتخلص من الحجاب و مما تسميه "الرموز الدينية الأخرى".. مع محاذير كثيرة لتقليد الحالة الفرنسية التي يمكن أن تعيد إلى الضواحي الدانماركية ما شهدته من قلاقل وأعمال عنف احتجاجية في فبراير ومارس من العام 2008.
موقف الائتلاف الحكومي يستند على نظرية "عدم تحويل المحاكم إلى منابر سياسية" بناء على ما تقدم من فصل السلطات وذلك حسب ادعاءات أطراف التحالف اليميني.
لكن السؤال الأهم في هذه المواقف التي يُراد لها أن تظهر وكأنها تشمل الجميع: كيف يمكن أن يتجنب الشعور بالاستفزاز من المحيط ومن اللاعبين الأساسيين حين الدخول إلى قاعات المحاكم ومقابلة وجوه أكثر لطفا وحزما في الوقت الذي تعلق فيه صور كثيرة ويجلس الرجال بربطات العنق وإن كانت قاضية ترتدي الحجاب؟
تعتقد الحكومة الدانماركية مع تشديداتها في هذه الناحية وفي المقدمة وزارة العدل بأن المسألة تتعلق بالمبادئ لا بالمواقف المسبقة وتتعلق أيضا بسياسة دمج _تحديدا بالنسبة لهذا الائتلاف اليميني المحافظ_ فاشلة، وهو أمر ينسحب على الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة هيلي تورنينغ شميت التي ترى بأن الحجاب أضحى رمزا سياسيا وهي بذلك لا تعارض منعه من قاعات المحاكم الدانماركية.
حزب الشعب الدانماركي اليميني المتحالف مع حكومة المحافظين (وهو نقيض تام لحزب الشعب الاشتراكي اليساري المعارض) يعتبر قضية الحجاب أكبر من قاعات المحاكم وأماكن العمل المختلفة، بالنسبة له فإن الحجاب في الشكل المطلق يعني استفزازا ما وتعبيرا سياسيا مرفوضا. فقد عبرت زعيمته بيا كيرسغوورد في ابريل|نيسان الماضي عن موقفها على الشكل التالي: «المسلمات الشابات اللاتي يرتدين الحجاب يقمن بهذا التصرف لإظهار أنفسهن ولإرسال إشارات بأنهن مسلمات».
ولهذا فإنه من الطبيعي أن يشدد هذا الحزب اليمني على مواقفه ومطالبه: لا حجاب في سلك الشرطة والجيش والتعليم والتمريض ولا حتى للطبيبيات!
يقف هذا الحزب في مواقفه المتشددة من تعميم منع الحجاب في كل تلك القطاعات وحيدا، اللهم إلا إذا كان ناصر خضر ونتيجة تراجع شعبية حزبه يؤيد بيا كيرسغوورد التي تطالب حتى بمنع اللحم الحلال في روض الأطفال بما يعني ذلك من محاولات تنفير وليس إدماج كما تدعي زعيمة حزب الشعب الدانماركي اليميني والتي طالب أعضاء من حزبها في التسعينات برمي الصوماليين من الطائرات فوق الصومال بدون مظلات دون أن يجد هؤلاء محاسبة قانونية أو سياسية من الحزب أو البرلمان ذا الأكثرية اليمينية، بينما الحزبين الحاكمين (المحافظ والليبرالي) يقفان ضد الحجاب في قاعات المحاكم مع تأييد خجول من قبل الاشتراكي الديمقراطي نتيجة حسابات الربح والخسارة حين يجيء الدور على حصد أصوات الناخبين فمعظم الأحزاب الباقية تؤيد ارتداء الحجاب وإن كانت لا توافق عليه في قاعات المحاكم.
معارضة مواقف اليمين
تبدو المسألة من بعيد وكأن إجماعا أو شبه إجماع في الدانمارك على منع الحجاب في قاعات المحاكم أو في قطاعات أخرى، والقضية بالطبع ليست كذلك.
حزب الشعب الاشتراكي بزعامة فيلي سوندال، الذي ثارت حول تصريح له عاصفة من المواقف، عقد في ابريل الماضي مؤتمرا وطنيا رفض من خلاله اتخاذ مواقف مسبقة من البشر على أساس الخلفية الاثنية والدينية وحين سأل سوندال عن موقفه من دخول أسماء عبد الحميد البرلمان وهي ترتدي الحجاب، أجاب الرجل بكل وضوح: المسلمون هنا هم مواطنون متساوون مع الآخرين ولا نحكم على الآخرين من خلال خلفياتهم الاثنية والدينية ولا مما يرتدون ويحق لمن تريد أن ترتدي الحجاب أن تعمل ليس فقط في البرلمان إنما في أي مكان آخر.
كذلك هو موقف حزب اللائحة الموحدة اليساري المعارض، الذي رشح أسماء على لائحته في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر الماضي، فهو يرفض رفضا قاطعا منع المتحجبة من اعتلاء أي منصب في الدانمارك، وهو ما ذهب إليه حزب الراديكال (يسار وسط) حين صدر عنه موقف يعارض تدخل السياسيين في برنامج شبابي حول ملكة جمال الحجاب في 2008 ولا يمانع الحزب في اعتلاء المتحجبة لأي منصب في الدولة والقطاع الخاص.
نضيف إلى تلك المواقف مواقف كتاب ومثقفين دانماركيين يطرحون سؤالا كبيرا: ما هي بالضبط الرموز الدينية؟ فهل لبس سلسلة معلق فيها صليب وإن كان غير ظاهر يُعتبر رمزا دينيا عند أي قاض أو أي من المحلفين في المحاكم أو قاعة البرلمان؟
الفرق كبير بين أن ترسل إشارات سياسية كحزب أو ممثل للشعب في البرلمان مبنية على أساس اثني وديني وبين أن تطالب بسياسة دمج ترفع من الظلم الواقع بفعل سياسات التمييز التي يعترف سوندال واللائحة الموحدة والراديكال وقسم كبير من الاشتراكي الديمقراطي بوقوعها، الفرق كبير بين هذه المواقف وتلك التي ترفض من حيث المبدأ الاعتراف أصلا بوجود هؤلاء في الدانمارك على أساس اثني وديني يذكرنا في بحث الصهيونية عن جعل إسرائيل دولة نقية لليهود فقط.
المسلمون في الدانمارك، 250 ألف إنسان، كتلة انتخابية لا يُستهان بها إذا لم تستهن هي نفسها تائهة بين المشاركة السياسية من عدمها وتضارب الفتاوى بشأن ذلك.. وهم لا يعيشون بشكل منعزل عن بقية المهاجرين في دول أوربية أخرى كفرنسا وألمانيا أو السويد، لكن المشكلة التي يعاني منها هؤلاء إلى جانب وجود أحزاب يمينية في كل دول الاتحاد هي الافتقاد إلى قراءة متروية والدخول في العملية السياسية مع وجود أحزاب وقوى سياسية محلية أوربية تحمل من المبادئ ما يتيح إبراز الحجم والتأثير.
عنصرية متجذرة
من الخطأ تفسير موجة العداء، للحجاب والإسلام،بضغوط أحزاب اليمين فقط، فالمعزوفة العنصرية التي يؤديها، كل من جان ماري لوبين, ورسام الكاريكاتير الدانمركي فسترغاد، والهولندي فيلدز، ليست وليدة اليوم لكنها موغلة في الذاكرة الأوربية, كما أن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ليست بداية لها, وإنما تم إخراجها بشكل متفاعل وحي.
تقول الكاتبة الأمريكية، جون ولاش سكوت، في كتابها "سياسة الحجاب", إن جذور العنصرية الفرنسية تمتد إلى بداية القرن التاسع عشر أي إلى المراحل الأولى لغزو الجزائر في العام 1830
فقد وسم العرب والمسلمون, على أنهم شعوب منحطة وغير قادرة على مواكبة التقدم, ولا سبيل لدمجهم ضمن أسلوب الحياة الغربية، لذلك لا يمكن فهم السجال الحاصل على الحجاب دون الرجوع للخلفيات التاريخية, التي شكل الحجاب فيها الاختلاف الصارخ، الذي لا يسمح بفهم واستيعاب الإسلام..
فإذا كانت الدولة العلمانية "التي تمثلها" فرنسا نموذجا في أوربة، قد وجدت نفسها في مأزق مضاعف, فهذا ينسحب بالطبع على بقية البلدان، التي وجدت نفسها في مواجهة مع الحجاب للحفاظ على الهويات الوطنية في تلك البلدان من "إرهاب الحجاب", فقد أصبحت العلمانية أداة أيديولوجية في حملة معاداة الإسلام والحجاب.
تضيف الكاتبة: بأن فرنسا ترسم خطا فاصلا بينها وبين الإسلام باسم العلمانية، وهو ما يعتبر تحريفا للتاريخ الخاص بالدولة.
تصاعد شعبية أحزاب اليمين العنصري، في المجتمعات الأوربية، هي نتيجة لثقافة عنصرية متجذرة في مجتمعاتها التي ترى في الحجاب تهديد قوي لهويتها الثقافية, بحيث بات شعار "الحجابوفوبيا" يسيطر على المجتمعات الغربية, لتعود نظرية صدام الحضارات التي نادى بها "صموئيل هنتغتون" تتفاعل وتتسيد المواقف لأحزاب اليمين، لتحصد مقاعدها الانتخابية في البرلمانات الأوربية.
الإجراءات الأخيرة التي اتخذتها كل من فرنسا وهولندا وسويسرا والنمسا من رفض للعادات والتقاليد الإسلامية، نجحت في تفخيخ العيش المشترك بين المهاجرين والوافدين من الشرق، مع ما تملك الأوربيين من عقدة "الإسلاموفوبيا" التي ساهمت في انتشارها بروباغندا غربية كما وصفها نعوم تشومسكي مطولا في كتابه "البرباغندا وصناعة القبول".
نعي التعددية الثقافية في المجتمعات الغربية، من خلال بث المخاطر والتنديد بوجود ملايين المهاجرين المسلمين الذين يشكلون "خطرا" على مستقبل تلك المجتمعات وتفشي ظاهرة العداء للحجاب، تمثل فيروسا ينتقل بين دول الاتحاد التي تتشدق، بالحرية والديمقراطية والمساواة، بين كل الديانات والأعراق المختلفة، فوصف هيومن رايتس ووتش، «هذه القوانين تستهدف الحجاب بما لا يدع مجالاً للشك، وتجبر النساء اللاتي يرتدين الحجاب على الاختيار بين وظائفهن ومعتقداتهن الدينية». وأضافت: «هذا تمييز ضد المرأة والمعتقد الديني وينتهك الحقوق الإنسانية لهؤلاء النساء».
وقالت هولي كارتنر، مديرة قسم أوروبا وأسيا الوسطى في هيومن رايتس ووتش: «الزعم بأن هذه القيود غير تمييزية هو زعم واهٍ لا سند له». وأضافت: «ومن حيث الممارسة، فالإنسانة الوحيدة المتأثرة بالقانون هي المرأة المسلمة التي ترتدي الحجاب».
فوبيا الحجاب بعد فوبيا الإسلام
هناك ظاهرة لافتة للنظر في السنوات الأخيرة، تتمثل في توجيه الإهانة العنصرية، للأجانب المنحدرين من دول إسلامية في المجتمعات الغربية، فتدرج تلك الإهانات, من "العربي القذر" إلى "المسلم القذر"، تعني فيما تعنيه أسلمة الإهانة وهذا شكل من أشكال "الإسلاموفوبيا", أما فيما يتعلق بالحجاب فان ظاهرة إشاعة الخوف من إرهاب الحجاب الذي يمثل "أصولية" تمثل إسلاماً زائدا عن اللزوم، وهو ما يستوجب الخوف والتمييز العنصري بسن القوانين التي تنسف مبدأ الحريات
إن الإسلاموفوبيا, وفوبيا الحجاب, وان كانت تدخل في نطاق المسكوت عنه من حيث أنها تتداخل مع أشكال أخرى من العنصرية والتمييز ضد الأجانب, فان الإشارات الكثيرة الصادرة عمن يقفون وراءها تجعل من السهل تعريتها, ففي سبعينيات وثمانينات القرن الماضي, كانت السلوكيات العدوانية تنحصر في معاقل المهاجرين, والجمعيات المدافعة عن حقوق الأجانب, بما يدفع للقول بان رموز الهجرة والمهاجرين هي التي كانت مستهدفة من مختلف أشكال التمييز, أما اليوم وبنفس المنطق الذي يجعلنا نقول إن الحضور الإسلامي هو المستهدف على خلفية مهاجمة المساجد والنساء المحجبات, وتمثل حادثة "مروة الشربيني" في قاعة محكمة ألمانية نموذجا لتفشي ظاهرة "الحجابوفوبيا".
ففي فرنسا على سبيل المثال، عندما يهاجم وزراء في حكومة ساركوزي، الحجاب ووصفه "بالتابوت المرعب" ورمز من رموز "الإهانة", ونقل المعركة من دوائر التشريع القانوني, للشارع بإرسال رسالة واضحة للمجتمع الذي يحوي أكثر من ستة ملايين مسلم ينحدرون من 53 دولة ويتحدثون 21 لغة بالإضافة للفرنسية ويمثلون 10% من السكان وبقدرة تصويتية في الانتخابات تتجاوز 1,1 مليون صوت ويدركون موقعهم في لنسيج الاجتماعي الفرنسي، تحويل المسالة "لخبراء الرعب" من أكاديميين ومثقفين لتبني الطرح القائل: بأن خطر الحجاب لا يقل عن خطر الإرهاب الذي تواجهه المجتمعات الأوربية، وخبراء لرعب الذين يحتلون بشكل مبالغ فيه مختلف وسائل الإعلام كلما تعلق الأمر بالإسلام والمسلمين، ويقدمون أنفسهم خبراء ومتخصصين في الشأن الإسلامي، ولا يتعاملون مع الدين الإسلامي باعتباره دينا كباقي الأديان, وإنما كحضارة ينبغي أن تدرس وفق نظرية "صموئيل هنتغتون" صدام الحضارات, لإشاعة أجواء الرعب والريبة والكراهية, تجاه كل ما له علاقة بالدين الإسلامي.
إنه الإسلام إذن ديانة المهاجرين المستوردة والغريبة على الثقافة الفرنسية كما تؤطرها أطروحات الإسلاموفوبيين التي تجد من الفضاء الإعلامي الفرنسي مجالا شاسعا لترسيخ رؤيتها الضيقة للإسلام والمسلمين والتي لا تمل من تكرار نفس الصور النمطية لأناس يرون من ظهورهم وهم يصلون في العراء, تجمعات حاشدة تصرخ وتهدد, نساء محجبات, وجوه ملتحية, أفواه مفتوحة وعيون محملقة...
تلك الصورة، النمطية المستندة "لنزعة استعمارية واستعلائية" التي ترى في المسلمين مجرد "بلهاء" و"رعاع"، حيث تبرز مسؤولية ودو وسائل الإعلام المشبوهة في حمل تلك الصورة ونقلها للشارع هذه الكراهية تتغذى على أحكام مسبقة وقوالب جاهزة سلبية تمارس غالبا خلطا بين مفاهيم متعددة:- إسلام, عرب, مسلم, إسلاموي, إرهابي, أصولي- من جهة وبين ثقافة ودين من جهة أخرى.
إذا كان هذا هو توجه النخب وصناع الرأي، في دول الاتحاد الأوربي، فماذا سيكون رأي المواطن العادي الذي تستفزه أزمات البطالة والسكن، التي تخلق إرباكا على مستوى حياته اليومية.
لقد ساهمت وسائل الإعلام من وجهة نظرVincent Geisser «في خلق مناخ إسلاموفوبي من خلال تداوله الممجوج لصورة الإسلاموي الملتحي والإرهابي, حتى مقالات الصحف التي قد تكون في كثير من الأحيان موضوعية فإنها ترفق بهذه الصور النمطية التي من شأنها تكريس الرؤية المرسومة سلفا التي تسهم أيضا في تحسين مبيعات الصحف الأسبوعية الفرنسية في وقت تعاني فيه من أزمة قراء لأن الخوف من الإسلام يسوق بشكل جيد في فرنسا على حد تعبيرVincent Geisser كل هده العوامل تتطلب من المسلمين الفرنسيين ممثلين في جمعياتهم وتنظيماتهم فتح نقاش واسع مع باقي أطياف المجتمع الفرنسي لإعادة الاعتبار لصورتهم التي لا ينبغي أن تخرج عن إطار كونهم مواطنين كبقية المواطنين الفرنسيين ولعل من المفارقات التي يسجلها Geisser أنه وبالرغم من وجود مفكرين في العالم العربي والإسلامي (البلدان الأصلية لأغلب مسلمي فرنسا) فإن ظروف النقاش العام واحترام حرية التفكير ليست موافقة لما هو متوفر في بعض البلدان الغربية وهو ما يؤدي إلى نتيجة هي أن أوربا أصبحت أرضا للتفكير الإسلامي.
البحث عن المسؤولية والرد المطلوب
الأشياء لا تأتي اعتباطا، دون تخطيط له أهدافه وفي سياق الوصول إليها، ينبغي العمل على جبهات عدة، على رأسها، تحديد مفهوم تغيير الصورة النمطية لصورة الإسلام والمسلمين، وهي مسؤولية جماعية وفردية، يتحملها دول وحكومات وأفراد تنتمي لتلك الدول، وفك عرى التحالف بين اليمين المتطرف وبعض الأقلام الغربية والعربية، التي قدمت تشويها للعقل الذي أصيب بتشتت الانتماء وعجز القراءة للحاضر والمستقبل إلا من خلال النافذة الأمريكية والغربية، وبعض المتطرفين في الدول الأوربية الغربية، التي تم التعامل مع أطروحاتهم العنصرية بمزيد من فتح وفرد منصات إعلامية وبرلمانية لتتسيد المشهد في تلك المجتمعات، وعلى أساسها تم صناعة وصياغة قوانين عنصرية، بعيدة عن دساتير تلك الدول المنادية بحرية الرأي والمعتقد، والنفاق والاستهزاء المتعالي كلما تعلق الأمر بالمسلمين والإسلام.
في أيلول الماضي أثارت تصريحات, تيري جونز، راعي كنيسة دوف وورلد أوتريتش في فلوريدا، عن عزمه حرق نسخ من القران الكريم، ومن ثم تراجعه، غضبا دوليا، أوقف العالم على قدم واحدة برغم كل التوسلات التي قدمت له للعدول عن خطوته، كوفئ جونز عن تراجعه, وقدمت له سيارة فاخرة بعد قرار العدول عن حرق المصحف، واظهر الجدل المرافق لقرار راعي الكنيسة الإنجيلية, المغمور جونس, عن عمق المأساة للنفاق الأمريكي والغربي, لحرية الرأي والتعبير، وفي وجهي عملتها الحقوق الدستورية وحرية التعبير, اليوم نقرأ ونسمع لتلك النماذج وهي تتصدر الصحف والمواقع الالكترونية التي تكتب بلسان عربي وغربي، وتبصق جملا ملغومة يتلقفها الغربي، لتنفث سمومها في الجسد العربي، والمطلوب تحسين صورة الجاليات والمجتمعات المسلمة في الغرب أمام سيل القوانين العنصرية الجارفة والناسفة لقيم التعايش المشترك, الذي أوجدت صيغته الدساتير الأوربية التي يتم انتهاكها، من لوبيات عنصرية ضاغطة باتجاه تعميق الشرخ بين تلك المجتمعات، وهي مسؤولية تقع على عاتق المسلم أولا، لأنه وحده يستطيع إبراز الصورة الحقيقة للإسلام، كذلك النظر إلى صورة الإسلام المضللة والمنتشرة في وسائل الإعلام الغربية المختلفة، فتضافر الجهود، لوضع إستراتيجية إعلامية طويلة المدى، لتصحيح الصورة المشوهة فالمتأمل في حال أغلب المجتمعات الغربية الآن، من مسيرات تندد بالإسلام ومسيرات مضادة لإنشاء المساجد (كالحادث حول إنشاء مجمع إسلامي في مكان قريب من منطقة أحداث الحادي عشر من سبتمبر) المتأمل في ذلك من المسلمين يعلم أن الإسلام في الخارج في مأزق كبير وأنه لابد من تضافر جهود الشعوب الإسلامية لإنقاذ صورة الإسلام أمام العالم والتصدي الأبرز لمحاولة تهميش التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية عبر إطلاق الشعارات الاستعلائية والديماغوجية، التي تشكل خطرا يتهدد المجتمعات الديمقراطية لان استمرارها ديمقراطية يتأتى من الحوار المطول وتقريب المسافات بين الشعوب.
خرق فاضح للدساتير
ازدياد ظاهرة العداء للمسلمين ولرموزهم الدينية، ازدادت في الآونة الأخيرة ومثل العقد الأول من الألفية الجديدة منعطفا هاما على هذا الصعيد عقب هجمات 11 أيلول 2001 والأزمة الاقتصادية العالمية، التي استغلت من قبل أحزاب اليمين العنصري، وتهافت الساسة الأوربيون ونخبهم، لاستغلال تلك لظاهرة والمخاوف المرتبطة بها، محطمين في طريقهم محرمات، ما بعد "الحرب على الإرهاب" والنتيجة هي أن التسامح لم يعد له المكانة الرفيعة نفسها كقيمة أوربية حتى في الدول التي كانت تفخر بأنها منفتحة وليبرالية، مرد ذلك بالطبع انه بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، والارتياح الذي شعر به السكان يتعرض لخطر محدق نتيجة ازدياد عدد المهاجرين نحو الشمال الأوربي، مما شكل تهديدا للنسيج الاجتماعي والديني.
هذا الخطاب الذي يعتمد، على نظرة استعلائية، يفضح صورة النفاق الغربي من الحريات التي اقرها معظم الدساتير الغربية، وتبني الفقرة 19 لحقوق الإنسان، كحق العيش والتنقل والعمل والإقامة. هناك فقد للثقة, وافتقاد للمعايير المتعلقة بالأجانب والمسلمين في المجتمعات الأوربية، وفي أحزابها فراغ لا تملاه إلا أحزاب متطرفة تحمل خطاب عنصري يفضح ادعاءاتها المتكررة عن حقوق الإنسان وحريته، التي يتم انتهاكها فوق أراضيها.
تجدر الإشارة إلى أن الخرق المتعمد للدساتير التي لا تنص صراحة على انتهاك حرية العبادة ومنع الحجاب هي بالأساس قفز على القانون الدولي وعلى معاييره المفترضة بحماية كل شخص في حريته في الرأي والتعبير واعتناق الآراء من غير تدخل.

* المصدر: موقع مسلم أون لاين

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 2819


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.07/10 (27 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com