الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
سقوط سحيق للمثقّف السلطوي
سقوط سحيق للمثقّف السلطوي
أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي
04-13-2011 01:22
سقوط سحيق للمثقّف السلطوي
أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي * - خاص لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"


1-2
ثمّة ظاهرة قديمة حديثة تتمثل في ذاك الفرد الذي يحمل من المعرفة والخبرة وربما أعلى الشهادات العلمية، ما يجعله يتصوّر أنّه وحده من يمكنه أن يعيش على المتناقضات، بحيث بوسعه أن يلبس لكل وضع وحاكم لبوسه، وأن يتكيّف مع كل متغيّر، وليس لديه ما يحول دون أن ينتقل من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار والعكس، وأن يردّ على موقفه بالأمس بنفسه، وذلك ليس نابعاً – بطبيعة الحال- عن بحث ودراسة، ومن ثمّ تشكّلت لديه قناعات جديدة قامت على أساس علمي أو خبرة جديدة نزيهة، بل لأنّه درج على هذا المسلك في حياته العامة والخاصة، بحيث يطبّق بلسان حاله (وربما مقاله) شعار (عبيد لمن غلب)، أو وفق مقولة يمنية مؤسفة تقول: ( من تزوّج أمّنا فهو عمّنا)، وقد يكون في جزء من حياته على غير ذلك المسلك، أي أنّه بدأ كأي شخصية حرّة نظيفة، بيد أنّه تعب في منتصف الطريق، واستنتج أن حياة الحرّية والنبل والشرف طويل مكلّف، وأن أقرب الطرق إلى المجد السريع، أو الثراء، أو المنصب، أو الوجاهة هو مسح الجوخ وحرق البخور، والتعلّق بـ( أرباب) النعم وسادة الزمان والمكان.
صنفان من المثقفين:
غير أن الإشارة جديرة هنا إلى ضرورة التمييز بين صنفين من المثقفين أحدهما: ذاك الذي يتسابق مع كل انتهازي من أبناء النظام أو حاشيته وخدّامه وعياله؛ ليقدّم ما يبرهن على صدق ولائه وجاهزيته المطلقة في الطاعة العمياء، وهذا لم يعد يحتاج إلى تعليق أو وصف. والآخر: صنف لايؤمن بشيء من ذلك ولكنه غير قادر – لحسابات معيّنة قد تكون مقبولة ويعذر صاحبها عليها- أن يجاهر برأيه، أو أن ينضم إلى صفوف الأحرار علانية، لكنه – بالمقابل- لم ينبس ببنت شفة تأييداً للطاغية في هذا البلد أو ذاك ونظامه، كما لم ينزلق إلى موقف إساءة إلى الأحرار ودعاة الإصلاح والتغيير، أو يقع في أشخاصهم أو يسيء إلى نواياهم، وإن اختلف جزئياً – بعد ذلك- مع بعض أساليبهم وطرائقهم في التغيير، عبر جلساته الخاصة أو الأحاديث الثنائية، وهذا إن بدا منه غير مقبول أو مقنع- في نظر البعض- مادام أنّه قد آثر الصمت والنأي بنفسه عن التصنيف منذ البداية، لكنه لايعني –بحال- وقوعاً أو تقارباً مع الصنف الأول، ولكن ما أحسن مقولة القائل:" إن لم أستطع أن أصدع بكلمة الحق؛ فلا أُعذر إن أنا نطقت بكلمة الباطل".

ومثقّف سلطوي باسم السماء:
ولا يجوز أن يغيب عن حديثنا الإشارة العجلى هنا إلى أن أسوأ صنوف مثقفي السلطة بإطلاق هو ذاك الذي يقدّم شخصه ورأيه باسم السماء – على نحو أو آخر- فهؤلاء بلاء مضاعف على الأمة منذ القديم؛ حيث كان يُطلق عليهم ( علماء السلطة، وعملاء الشرطة)، وهم المنافقون من المصنّفين في عداد علماء الشريعة وفقهائها، ولكنهم موظّفون لدى الحاكم لإصدار الفتوى ومباركة المواقف التي يتخذها وفق طلبه ومزاجه. يحشد جنوده وحاشيته- وفي مقدّمتهم فقهاؤه هؤلاء- في كل موقف يبغي مشايعتهم له، أو يسعى إلى الانتقام من خصومه باسم (السماء). ومع أن ذلك أمر محزن مؤسف؛ إلا أن من بركات مثل هذه الأحداث أن نزعت ورقة التوت التي كان يحاول بعضهم مواراة سوءته بها، فإذا بها تصفّي الجيّد من الرديء من كل صنف؛ فتنزع المصداقية على نحو أكبر عن هؤلاء، لأن هذه- في الأصل- ساحتهم، وهذا – قبل دور أيّ طرف- دورهم، ولئن عجز بعضهم– وعَجْز الكبار منهم قد لا يبرّر وقت ضرورة البيان- فلا أقلّ من عدم النطق بكلمة الباطل، أو القيام بالإدلاء بتصريحات متذبذبة، على نحو ما يقع بعضهم فيه ( والله وحده المثبِّت والمسدِّد).
استدراك هام:
ولكن ثمّة فرق بين سقطة مهما رأيناها كبيرة، لعالم أو فقيه أو مفكّر أو داعية أو مثقّف على نحو حالة عارضة أو عابرة، وبين مسلك عام أو منهج مشتهر عن آخر، بحيث يضع نفسه دائماً أو غالباً في خانة مواقف السلطان المشتهر بالظلم والعسف وسوء السمعة، فالأول اجتهاد مهما بدا استهجانه قد يٌغتفر في بحر حسناته، وعموم مواقفه المشرِّفة (وكل بني آدم خطّأ)( أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه، عن أنس بن مالك، انظر: محمّد ناصر الدِّين ألألباني، صحيح الجامع الصغير وزيادته، جـ 4، ص 171، حديث رقم( 4391)، 1402هـ- 1982م، ط الثالثة، بيروت ودمشق: المكتب الإسلامي). ، أمّا الثاني فنفاق صريح، وانحراف صارخ- ولا كرامة-، لأنّ من أبى إلا أن يدور مع السلطان الجائر الفاسد حيث دار، وقد تتقلب مواقفه – كالسياسيين البراجماتيين أو الانتهازيين النفعيين- مائة وثمانين درجة، وتجده قد تبنى بالأمس فتوى ويتبنى نقيضها اليوم، مع أنّ العلة واحدة مشتركة، وكل ما في الأمر أن مطلب هذا الحاكم، أو مسار السياسة العامة اليوم تختلف عنها بالأمس. وقد يحمل هذا الصنف – أعني الزاعم نطقه باسم السماء- من المعرفة والعلم الغزير، ويتميّز عن غيره بسمات في بعض الجوانب لايضاهيه غيره في بعضها، وهنا يجاهد الباحث عن الحقيقة ذاته في سبيل الإفادة من ذلك الجانب المشرق لدى هذا الصنف، مهما بدا ذلك شاقاً من الناحية النفسية والوجدانية، ولكن (الحق أحق أن يتبّع) بصرف النظر عن مصدره، أو الوعاء الذي خرج منه، فـ(الحكمة ضالة المؤمن أنّى وجدها فهو أحق النّاس بها). وإلى هؤلاء جاء التحذير النبوي الكريم :" إنّما أخاف على أمتي الأئمة المضلين"( أخرجه الترمذي عن ثوبان، وقد صحّحه الألباني، انظر: محمّد ناصر الدِّين ألألباني، المرجع السابق، جـ 1، ص 276، حديث رقم( 2312)). ومع أن بعضهم ليس (إماماً) ولاشأن له بهذه القضايا من الأساس؛ إلا أن وقع الثورة نزل على سلاطين الظلم والفساد كالصاعقة، فراحوا لاستجداء كل ذي لسان باسم (السماء) -بوجه خاص- كما تشاهد بعضهم اليوم على القنوات الفضائية اليمنية و(الدينية) اليتيمة منها، وقد قال – عليه الصلاة والسلام:" أخوف ما أحاف على أمتي كل منافق عليم اللسان" (أخرجه ابن عدي في الكامل عن عمر، وقد صحّحه الألباني، انظر المرجع السابق، جـ 1، ص 127، حديث رقم(237) ).وسيتم إفراد حديث خاص بالمثقف السلطوي في اليمن لاحقاً. وعودة إلى تفصيل درس الثورة، فإليك هذه النماذج التي كشفت عنها الثورات الثلاث المباركة في تونس ومصر واليمن، وذلك على النحو التالي:
أولاً: نموذجان من السقوط الثقافي في الدرس التونسي:
يبدو أن الثورة التونسية ابتداءً كشفت هذا الصنف من المثقفين وعرّتهم أبرز ما يكون. وكشاهد محدود على ذلك – وما أكثر الشواهد- لعل أكثرنا تابع ذلك المثقف التونسي البئيس المدعو (برهان بسيس)، الذي ظهر على شاشة الجزيرة الفضائية قبل أقل من ثلاثة أيام من سقوط نظام سيّده (ابن علي) أي في 11/1/2011م، حيث سقط سيّده ونظامه في 14/1/2011م، منافحاً ومسفّهاً لكل حديث عن فساد النظام التونسي وقرب سقوط الطاغية هنالك، واصفاً لذلك بالوهم، واستمات في الدفاع عن الوضع القائم، ووصفه بشتى سمات العظمة والتحديث والتمدّن( راجع: نص الحوار على موقع الجزيرة الفضائية
http://www.aljazeera.net/NR/exeres/C...47AE3B99CB.htm)
وعبثاً حاول محاوره الحرّ السفير الجزائري الأسبق محمّد العربي زيتوت الذي يؤثر وصفه حالياً بـ(الخبّاز)، لأنه آثر الحرّية في العمل الحرّ ولو كان (خبّازاً) على العمل الدبلوماسي مادام تبعية واستعباداً، وبعد أن سقط النظام التونسي ورمز طغيانه، على ذلك النحو الدراماتيكي المثير الذي فاجأ الجميع -من هذه الزاوية- صرنا لاندري أنشفق على المثقف البائس هذا لعلّه – وأمثال- يتذكّر أو يخشى؟ أم نتفكّه بموقفه ليكون عبرة لمن قد يفكّر من الجيل الناشئ أن يسلك مثل هذه الدروب المخزية؟
وأبأس من ذاك وأكثر شناعة ذلك (الحرباء) التونسي( أعتذر عن ذكر اسمه خلافاً للسابق وللمنهج العلمي معاً الذي يقضي باضطراد المنهح، لأن الأوصاف الواردة في حقّه من التشخيص والوضوح معاً ما يجعله مُدركاً لكل متابع)، الذي فتح وعائلته – حسب تصريحه نفسه- قناة له في أوروبا، بعد أن بارت صحيفته- فيما يظهر- فلم يجد بدّا من أن يستبدلها بقناة فضائية متلفزة، تحمل اسم الصحيفة، لأنها أكثر ربحاً وتسويقاً، وأقل عناء وكلفة – فيما يبدو- ولا مشكلة في ذلك من هذه الزاوية لو وقف الأمر عند حدودها، غير أن قاصمة الظهر أنّه اتخذ من القناة أداة في الدعاية والتسويق لأنظمة سياسية شمولية مهترئة، وقد يبتزها إذا لزم الأمر، كما كان يسلك أثناء الصحيفة أحياناً، كما أصبحت تلك القناة معول هدم فتاكّ للوحدة الإسلامية، بدعوى مناقشة قضايا الخلاف العقدي، وجمع فِرق الأمة على (مذهب كلّي واحد)، وكأن خلافات الأمّة الكبرى نشأت بالأمس القريب، أو في العام الفائت، لا أن جذورها ترجع إلى منتصف القرن الهجري الأول، أي بعد وفاة النبي الأعظم محمّد – صلى الله عليه وسلّم- وذلك غير البحث عن سبل التقارب، والتركيز على القواسم المشتركة، كما تفعل حوارات التقريب- على سبيل المثال- . يتقمّص ثوباً ليس له، فيقدِّم ذاته مفكّراً كونياً تارة، وداعية عالمياً للدفاع عن حقوق الإنسان أخرى، وإماماً للوحدة الإسلامية ثالثة، ولكنه سرعان ما ينكشف حين يسقط في الترويج لأنظمة مشتهرة بالقمع والفساد وانتهاك حقوق الإنسان، أولها نظام (ابن علي)، بدءاً من أطروحته للدكتوراة عام 1996م، التي لفّق فيها جملة من الأكاذيب والافتراءات والمغالطات على مدرسته الفكرية التي كان ينتمي إليها، وتركها – لأسباب تخصّه- عام 1992م ، حسبما ورد في سيرته الذاتية، وضدّ رموزها وفي مقدّمتهم شيخه الأسبق الشيخ (راشد الغنوشي)، ليصفها بـ(العنف)، لعلّه يكفِّر بذلك عن انتمائه السابق إليها، ويقنع نظام الطاغية (ابن علي) بتوبته النصوح، فتغدو هذه الأطروحة (الزائفة) عربون ولاء جديد للنظام الذي كان قد حكم عليه يوماً ضدّ كل من ثبت انتماؤه إلى حركة النهضة.
تأمّل في نموذج المثقف السلطوي حين يسعى لتضليل الرأي العام بأن قناته حرّة مفتوحة لكل الأصوات، وأنها منبر للدفاع عن حرّية الرأي والتعبير، ثم تأتي الكارثة الفاضحة وهي أحداث تونس الأخيرة، أي الانتفاضة التي أفضت إلى سقوط النظام التونسي ورمز طغيانه في 14/1/2011م، ويشاء الله أن تنطلق من محافظته نفسها ( سيدي بو زيد)، لكن القناة تقف لأكثر من أسبوعين متجاهلة تماماً كل الذي يجري في تونس، وصاحبها هو الذي ما إن يسمع بحادثة تستأهل الذكر أو لا تستأهل التركيز أحياناً هنا أو هناك إلا ويفتح لها الملفات التي قد تأخذ أياماً وأسابيع أحياناً، على حين أن أبناء بلده بل محافظته التي ولد فيها ( سيدي بو زيد) يقتلون في الشوارع كل يوم، ويتعرّضون لأبشع أنواع القهر والتعذيب بعد الاعتقال، على يد نظام (بوليسي) سيئ السمعة، وما ذلك إلا ظناً منه أنّه سيتمكن النظام القمعي هناك من القضاء عليها في ظرف يوم أو يومين، أو أسبوع إن طال الأمد، لكنه صعق حين مر أكثر من أسبوعين والمسيرات تمتد وتتواصل حتى بلغت العاصمة، والنقابيون وكل أطياف المجتمع يعلنون تضامنهم مع مطالب أبناء ( سيدي بو زيد)، ووكالات الأنباء والقنوات الفضائية تنقل الأحداث منذ بدايتها، وبعضها بدأ في النقل المباشر كذلك، وحين وجد نفسه محرجاً ومحاصراً، وقناته تبحث – في العادة- بـ(الفانوس) عن أي حدث لتغطي فراغ بثها خاصة، وأنها تنقسم أحياناً إلى قناتين بعنوانين مختلفين، ( ويشير في سيرته الذاتية إلى أنّه أسس قناتين عربيتين) ما تلبث إحداهما أن تختفي بعد ظهورها لساعات كل يوم (ولله في خلقه شئون) !!. حين وجد الأمر على ذلك النحو، وبعد مرور أكثر من أسبوعين بدأ بالحديث الخجول عن أحداث بلاده، ولكن أتدرون مع من؟ ليس مع أبناء بلده أو محافظته المظلومين، وليس حتى مع ممثل للسلطة وآخر من المتظاهرين أو دعاة التغيير في بلده، من قبيل الرأي والرأي الآخر – مع أنّه لامجال هنا لرأي يقف مع القهر والعسف على ذلك النحو- أتدرون مع من؟ إنه – ويا للفضيحة- مع وزير التنمية في نظام (ابن علي) ومع أمين عام حزبه( التجمع الدستوري) وهكذا!! ليصل الأمر ذروته قبيل سقوط الطاغية بيومين حيث يبدأ في تبشير جماهير المشاهدين بأن يترقّبوا بعد ساعات الحوار الهام والتاريخي الذي خصّ به (الرئيس زين العابدين بن علي) قناة (...)، ويأتي الحديث (الخاص) للقناة (موضع الثقة) وسواء اجتباها الطاغية من بين سائر القنوات(المحلية) والعربية و(الأجنبية)، أم سارع إلى ذلك مثقفه (المخلص الوفي) ليأتي حديثه كالعادة استخفافاً بالمتظاهرين، وتوعّداً بسحقهم إن لم يعودوا إلى (الرشد)، ووعوداً (زائفة) بتفهم المطالب (المعقولة). ثمّ يأتي دور المثقف السلطوي (مدير القناة)، ليشعرك بمدى الافتخار الذي يعتليه لحصوله على هذه الثقة، ويستطرد في الثناء المباشر وغير المباشر، ثم يفتح خطوط الهاتف للتعليق ولكن (في اتجاه واحد)، على حوار (السيد رئيس الجمهورية). ومما يؤكّد أنها اتصالات موجّهة ماصرّح به مدير القناة ذاته، حيث قال بأنّه قد حصر الاتصالات الواردة فوجدها بلغت عشرين اتصالاً، منها ثمانية عشر (هكذا) كلّها تؤيد بقاء الوضع مع إصلاحات محدودة، على حين اختلف مع هذا الاتجاه اتصالان فقط!!! وأبعد من ذلك وأغرب ما ورد على لسان المدير (المفكّر الكوني والمنافح الأكبر عن حقوق الإنسان ضد الأنظمة البوليسية خارج بلده وبعض البلدان ذات الخصوصية)، تعليقاً على حديث بعض المشاهدين فيما لم يورده ضمن نص الحوار، إذ قد ورد في الاتصال الشخصي بينه وبين (الرئيس) - كما قال وفي سياق إيراد مناقب بن علي وفضائله- أن (الرئيس) لم يكد يصدّق، حين علم بأن رجاله الذين يتفقّدون أحوال الرعيّة اكتشفوا أن (عائلة) تونسية ما، في مكان ما من أرض تونس، لا تأكل اللحم منذ زمن، ليعرب (الرئيس ابن علي)عن ألمه العميق، ويعلن تضامنه الفوري معها، فامتنع عن اللحم من لحظة سماعه الخبر!!!!! هكذا ومعذرة لمشاعرك – قارئي العزيز- ولو كان المدير (المثقّف) أميناً وواثقاً لأودع ذلك الحوار وتعليقه والمشاهدين بنصّه على موقع القناة الإلكتروني، كما يباهي بتميّز قناته وموقعها عادة.
ثم يسقط الطاغية ويتهاوى نظامه، على نحو فاجأ الجميع، وفي مقدّمتهم رجاله داخل تونس وخارجها، ومنهم صاحبنا (المثقف الكبير والمفكّر الكوني) فهل واصل الرجل موقفه في الدعم والتأييد، أم تنبّه لخطيئته فاعتذر على التو وتاب، كلّا بل ركب الموجة الجديدة، وراح يقدّم نفسه أول مقاوم لنظام ابن علي المستبد البائد، وذهب لينتقي على مدى أيام شذرات من حوارات متناثرة في فترة معيّنة، وكأنه أدرك مدى سخط التونسيين خاصة والمشاهدين عامة، عليه وعلى قناته ، فيأتي بعدد جدّ محدود من أصدقائه (الشخصيين)، وغالباً ما يستضيفهم في قناته – وكفى بذلك قدحاً في موضوعية شهادتهم، مع أنّ أغلبهم غير تونسيين حسب متابعة صاحب هذه السطور- ليدرأوا عنه وقناته تهمة الوقوف مع الطاغية ونظامه حتى اللحظات الأخيرة و(كاد المريب أن يقول خذوني).
إن ذلك الموقف يذكِّرنا بالموقف الذي أشار إليه الأستاذ فهمي هويدي - بمقالة له في الشروق (المصرية)- عن رئيس تحرير مصري لصحيفة قومية اشتهر بلعق نعال الرئيس المخلوع، غير أنّه بعد انتصار الثورة كان من أوائل من كتب (انتصرنا)!!
ولكن كيف يمكن أن ينطلي ذلك على أحد (بالنسبة للمثقف السلطوي)التونسي خاصة، إذا ما تذكّرنا الشواهد التالية:
- منذ أيام صحيفته وهو لايزال يروّج للنظام التونسي ورأس النظام هنالك، مع التركيز على حرمه المصون، وهي رأس البلاء، والسبب الرئيس في الشقاء للحكم والبلاد والعباد، كما تواترت بذلك الأخبار ولاسيما، أخبار أطنان الذهب التي سحبتها من البنك المركزي التونسي، ناهيك عن سيطرة عائلتها على جزء مقدّر من مقاليد البلاد، ولا يزال يتذكّر صاحب هذه السطور بشدّة أن مما قرأه في صحيفة صاحب القناة (قبل ظهور القناة) مدحه المفرط للسيّدة (حرم رئيس الجمهورية) التي شرف بإهدائها الشخصي مصحفاً كريماً من يدها (الطاهرة)! ثمّ اطلع بعد ذلك على تعليق لأحد القرّاء يشير فيه إلى أن الذي أهداه المصحف هو صاحب الفخامة ذاته، أمّا السيّدة حرمه فاكتفى (المثقف السلطوي) بالتأمل في يدها التي لمس الطهارة تنضح من بين أناملها، وقد أعجب – حسب القارئ- بحسن تربيتها أولادها!!!
- لقد اختار النظام التونسي أو اختار هذا (المثقف) لنفسه أن ينبري مدافعاً عن نظام بن علي في برنامج شهير من برامج (الاتجاه المعاكس) بقناة الجزيرة أمام شيخه الأسبق ( راشد الغنوشي)، ولوحظ أن شيخه لم يلتفت إليه أو يتوجّه إلى مخاطبته، طيلة زمن البرنامج،بل كان يفنّد مزاعم النظام التونسي التي جاء (تلميذه) ليزيّنها، ويعمل على تسويقها.
- كيف يمكن تفسير حرص صاحبنا (المثقّف) على نقل قناته الفضائية وقائع افتتاحيات حزب التجمّع الدستوري الحاكم في تونس- وهذا ما شاهدته شخصياً عبر قناته- لو كان بعيداً عن الولاء المطلق للنظام البائد وحزبه (المنحل)؟!
- وأخيراً كلنا يعلم أن قناة الجزيرة كانت ممنوعة في تونس منذ سنوات، أو أنّه لم يسمح لها بمباشرة بثها من الأساس هناك – ربما- ، وكان عويل السلطات التونسية من بث الجزيرة ونقلها الأمين لثورة الشعب التونسي معروفاً إلى حدّ تصريح كبار المسئولين حينذاك بذلك، على نحو فاق في (مرارته) شكوى السلطات المصرية بعد اندلاع الثورة فيها، فلِمَ لم تتبرع قناة صاحبنا المثقف بنقل بث قناة الجزيرة وتغطيتها لثورة تونس منذ أيامها الأولى، على نحو تبرّعها بنقل تغطية الجزيرة للثورة الشعبية في مصر، منذ أيامها الأولى، بعد أن منعت السلطات المصرية قناة الجزيرة ومراسليها ومكتبها من العمل في الأراضي المصرية؟! هل يمكننا تخيّل هذه الصورة بعد أن ظل صاحبنا وقناته لأكثر من أسبوعين مضربين عن الحديث أو التعليق أو حتى الإشارة للذي يجري على أرض تونس وفي محافظته (سيدي بوزيد) بوجه خاص، وحين نطق بعد أكثر من أسبوعين لم يجد سوى وزير التنمية وأمين عام حزب التجمع الدستوري الحاكم في تونس ليقدّما صورة عن حقيقة الوضع في تونس؟! ثم يسارع ليستضيف طاغية تونس بعد ذلك، أو يقبل باجتبائه لقناته!
معذرة عزيزي القارئ إن رأيت في حديثي قدراً من التفخيم الذي قد لايستأهله مثل ذاك (المثقف السلطوي)، أو أن في حديثي إيلاء أكبر لفرد أقل شأناً، لولا أن هذا نموذج بلغ في السفه والفجاجة مبلغاً لا أظن غيره سيصل إليه بتفاصيله. ولا تنس أن صاحبنا يقدّم نفسه في ذلك كله باسم المثقف أو (المفكِّر) المسلم، بوصفه – كما يتحدّث عن نفسه- (متخصّصاً) في الدراسات الإسلامية، وكاتباً في بعض فروعها- ومن أهمها التوحيد - ومهموماً بقضايا الفكر والثقافة ووحدة الأمة!! وهذا ما ينطلي على كثيرين حتى من مثقفي الوسطية والاعتدال – مع الأسف- بسبب استفحال الداء الطائفي في الأمة اليوم، قبل أي دافع آخر، والله المستعان.

سقوط سحيق للمثقّف السلطوي
2-2

تمت الإشارة في العدد الماضي إلى ظاهرة سقوط مثقف السلطة وأقسامه ونموذجين تونسيين، وفي هذا العدد نختتم توصيف هذه الظاهرة بذكر نماذج لها من مصر واليمن، على خلفية الثورتين المباركتين في البلدين، وذلك على النحو التالي:
ثانياً: نماذج مجملة عن المثقف السلطوي في مصر:
وإذا كان ذلك في تونس فإن الأمر في مصر أكثر وضوحاً بحكم الحراك الثقافي الأكبر في هذا البلد. والمثقفون السلطويون هناك أكثر من أن يحصروا لكن لهم رموزاً من الإعلاميين والفنانين – بوجه خاص- ولو أراد كاتب أن يستقصي كل واحد منهم بحديث مستقل لما انتهى الأمر إلا ببحث خاص لكل فرد منهم، أو مجلّد كامل لعجائب بعضهم ومغامراته، ، ولكن حسب المرء الإشارة المجملة إلى جانب من تلك المواقف، ولعل من أبرزها: الموقف الذي استقبل به نقيب الصحافيين المصريين مكرم محمّد أحمد من قبل جمهرة الصافيين الذين ضروا في عزاء زميلهم : أحمد محمود الذي قضى في تغطيته لأحداث الثورة،. لقد استقبل النقيب بهتافات الطرد والشتائم لم خان مهنته، وانحاز بالمطلق نحو السلطة (الغاشمة)، وهو ما دفع بالنقيب للمغادرة، وإعلانه إجازة مفتوحة على خلفية ذلك. وثمّة أسماء من مثقفي السلطة الذين اشتهروا بالإسفاف في الدّفاع عن كل ممارساتها، واتهام شباب الثورة والقوى الحيّة في المجتمع بالتآمر والتخريب، ولعل من أشهرهم –واللهم لاشماتة- وزير الثقافة أنس الفقي وأسامة سرايا رئيس تحرير صحيفة الأهرام ومجدي الدّقاق رئيس تحرير مجلة أكتوبر وعبد الله كمال رئيس تحرير روزا اليوسف، وحسن راتب صاحب قناة المحور التي انحازت لنظام مبارك بالمطلق، وسواهم كثير كثير، وقد نشر شباب الثورة قائمة بأسماء شخصيات وصفوها بالوقوف ضدّ الثورة، ويمكن مراجعتها على الرابط التالي: http://www.alwafd.org/index.php?opti...D8%A7%D9%84)%(.
ولعلّ أبأس الجميع: الإعلاميون في الجهاز المرئي (التلفاز) الذين تورّط بعضهم في الدّفاع الفج عن السلطة وسياساتها وممارساتها القمعية ضدّ المتظاهرين الثائرين، فهؤلاء قد استفزّوا الضمير الجمعي للمشاهد المصري تحديداً، حيث كانوا يقلبون الحقائق، ويزوّرون الأحداث، وينالون من الشرفاء، والشعب يعرف الحقيقة من خلال المعايشة، والمعاناة ساعة بساعة ويوماً بيوم، وبذلك دخلوا في مواجهات مباشرة بعضها أثناء الأحداث، حين كانوا يحاولون أن يستدركوا –على استحياء- في الأيام الأخيرة لانتصار الثورة بعضاً من المسالك السابقة في التعتيم، فيسعون لفتح خطوط الهاتف لعامة المشاهدين، وليس كل من يتصل بهم من فصيلتهم بالضرورة، فيتلقّون أحياناً عبارات قاسية، وتهكماً مباشراً، من قبل بعض المشاهدين، لكن ذلك زاد بعد النصر على نحو مضاعف، ووصل الأمر حدّ تظاهرات من عامة العاملين بقطاع التلفاز المصري ضدّ مسئوليهم، ولاسيما المسئولون عن السياسة الإعلامية والإخبارية- بوجه خاص- . وهكذا تظل ظاهرة (المثقف السلطوي) مستمرة، لكن ثورتي تونس مصر كانتا كفيلتين بإسقاطهم جماهيرياً، مهما ظن بعضهم أنّه يتذاكى على الجميع، وسيظل يلعب لعبته (المكشوفة) حين يركب موجة الأحداث ليقدّم نفسه رائداً لها، أو معتذراً اعتذاراً مفضوحاً غير مبرّر، و صدق النبي – صلى الله عليه وسلّم- حين قال:" إذا لم تستح فاصنع ما شئت"!
وتقوم اليوم في مصر معركة باسم (إنقاذ الثورة وتطهيرها من فلول النظام البائد لاسيما في المؤسسات الثقافية والإعلامية) ضدّ هذه الرموز وغيرها ممن خرج بعضها من الباب ليعود إليه من النافذة!
ثالثاً: نماذج مجملة عن المثقف السلطوي في اليمن:
ليست اليمن في منأى عن ذلك المسلك الشائن لاسيما مع قيام القنوات الرسمية – والدينية منها على وجه الخصوص- بدور غاية في الكشف عن شخصيات كثيرة لم يكن يعلم كثيرون أنها بذاك المستوى من السقوط والانحدار في القيم، وتجسيد وصف (مثقف السلطة)، سواء كان هذا المثقف مدّعياً الانتساب إلى السلك الأكاديمي والتعليمي أم القانوني والقضائي أم العسكري والأمني، أم السياسي والديبلوماسي، وسواء أكان فناناً أم إعلامياً أم منتمياً إلى الإطار (الديني)؛ فإنه يجمعهم ذلك الموقف الأعمى المغلق، حيث الولاء (الدوغمائي) المطلق للسلطة ورمزها الذي يمثل رأس الحربة في المعركة القائمة اليوم. ومرة أخرى لاضير -بعد الاتفاق على رأس المشكلة وجوهرها المتمثل في ضرورة السعي الحقيقي نحو التغيير الشامل للفساد ورموزه ولا سيما في المستويات العليا للسلطة، والاتفاق كذاك على فساد أولئك الرموز بأعيانهم وأشخاصهم وضرورة استبدالهم- لاضير بعد ذلك في ذلك الخلاف البيني الذي قد ينشأ أحياناً حتى في الإطار الواحد، في تقدير الأولويات ووسائل التغيير السلمي، وتحقيق أكثر المصالح، ودرء أكثر المفاسد، في هذا الأسلوب أو ذاك، ونحو ذلك من التفاصيل، إذ إن ذلك محك الخلاف الأدبي والعلمي والأخلاقي المسئول، بيد أن الخلاف غير المبرّر ولا المقبول علمياً ولا أدبياً أو أخلاقياً – كما سلفت الإشارة- إنما يكمن في ذلك الموقف التبريري الأرعن الذي قد يجمع بين الشيء ونقيضه في آن، بما في ذلك القول بضرورة التغيير وتحقيق الإصلاح، لكنا نجد أن ذلك أحياناً لدى كثير ممن يردّد هذه المقولة ويقف عندها من قبيل ذرّ الرماد في العيون، مجاراة للتيار الشعبي الكاسح، إذ إن الحديث العائم عن الفساد ليس جديداً، بل يذكّرك بلعن رأس النظام للفساد والفاسدين والمطالبة بمحاكمتهم طيلة السنوات الماضية، بل قام قبل سنوات بتشكيل لجنة لمشايعة الفساد – معذرة لمكافحته- وكأن الفساد كائن هلامي غير مقدور على ضبطه ومحاكمته، بدليل أنّه لم يقدّم أحد من رموز الفساد حتى يوم الناس هذا، مع أنّه متجسّد – قبل هذا وذاك- في سلوك الحاكم وعائلته والمقرّبين منه أبرز مايكون، ولذلك فأيّما حديث عن الفساد وضروة الإصلاح على ذلك النحو؛ فإنه ليس بأكثر من مشايعة له ليدوم حتى تهدأ موجة الاحتجاجات، فتعود الأمور إلى وضعها السابق، ولا غرابة، كما عهدنا ذلك طيلة العقود السابقة.
خذ مثال صاحب مقولة (قلع ) العداد الرئاسي من الأساس، -لاتصفيره فحسب- مع حماسة وشطط واتهام عريض لكل من يقول بضرورة تحديد فترة رئيس الجمهورية بكل عيب ونقيصة، أليس هو ذاته من يستميت اليوم لإقناعنا بأنه لايقبل بالتمديد – ناهيك عن التوريث –؟! ولم نعد نسمع كلمة (التصفير) أو (القلع) تأتي على لسانه مطلقاً، بل غدا كل همّه إقناع الشعب بـ(منْح) الرئيس مدّة معقولة لضمان تسليم موقعه لـ( يد أمينة)! وقس على ذلك الموقف من القائمة النسبية والنظام البرلماني وفكرة الأقاليم والحكم الموسّع التي يستميتون اليوم كذلك في سبيل إقناعنا بها، بعد أن كانت بالأمس القريب دليل التآمر والخيانة والجهل بالدستور والقانون وما يدور في العالم (المتقدِّم)، لأنها بعض مطالب المعارضة ولجنة الحوار الوطني !!!
وأمّا فئة مثقفي السلطة الإعلاميين العاملين في الأجهزة والقنوات الرسمية فإن القائمة تطول، ومع التقدير لأولئك الأحرار الذين عبّروا عن مواقفهم علانية مما عرّضهم لصنوف مختلفة من الأذى المادي والنفسي، ومع الإعذار لمن يؤمن بالحقيقة في أعماقه، ويعرف مدى التضليل والتدجيل الذي يمارسه الإعلام الرسمي ولاسيما المرئي منه غير أنّه -لأسباب مختلفة- لم يستطع أن يعبِّر عن ذلك جهاراً وعلانية، مع عدم انزلاقه إلى مسلكيات في مهنته تدل على خلاف ذلك؛ فإن ثمّة فئة من هؤلاء الإعلاميين(السلطويين) بلغت في الإسفاف منتهاه في مسألة الانحياز الأعمى لموقف السلطة ورموزها، وبعضهم- مع الأسف- يتزيّا بزي (المثقف الديني)، وقد يتولّى إدارة قناة أو برنامج فيغدو كائناً من فصيلة ماسحي الجوخ وحاملي المباخر بل بعضهم غدا يتبارى مع (لاعقي النعال) – إياهم- ولكن (على الطريقة الإسلامية). وبطبيعة الحال ليسوا كلهم في ذلك سواء، وإن كانت النتيجة في الجملة واحدة. وما يميّز هذا الفصيل البائس أكثر من غيره أن حديثه يبعث على الغثيان والقرف أكثر من سواه–بوصفه ينصّب نفسه ناطقاً باسم السماء-. وكم تضحك عليه وتبكي في آن (فشرّ البلية ما يضحك) حين يأس أن يقنع بعض من كان يستند إلى آرائهم وفتاواهم، بعد أن نفضوا من حول (قناته) أو (برنامجه) بعد أن كان يزاود بأسمائهم ويضعهم ضمن قائمة الممنوحين (صك غفرانه)، فيصفهم بأكبر أوصاف أهل العلم والتقى، لكنه بعد انفضاضهم -لسبب أو لآخر- لايجد من يستغيث به إلا بعض حدثاء الأسنان سفهاء الأحلام، ولكن ليس من مكفّرة الحكّام بل ممن يصدق فيهم وصف( الخوارج مع الدعاة المرجئة مع الحكام)، أو بعض الوعاظ (الشعبويين)،الذين لايحسنون تركيب جملة سليمة مطوّلة وفق قواعدها، ولكن وصف ( عضو جمعية علماء اليمن)- مثلاً- يسبق أسماءهم، وقد لايخلو بعض من يستجدي بهم من صفة علم ومعرفة، ولكن مع ضعف بيّن في التقوى، أو قلّة في الوعي، أو هما معاً، كما قد لايخلو بعضهم – وهم قلّة نادرة- من علم وتقوى وربما وعي نسبي ولكن اختلطت عليه الأمور بسبب الّلدد وفساد ذات البين -غالباً- بينه وبين أقرانه في العمل الدعوي، خاصة إن كان قد بلغ به الأمر تحديد موقف علني منهم، فانتقل إلى موقع آخر خارجهم، أو غدا مستقل الانتماء الحزبي أو المذهبي الشعوري، فإذا به – من حيث يدري أو لايدري- يغدو واحداً ممن يدفعون باتجاه تعزيز ظاهرة السقوط المدويّ لمثقف السلطة، وذلك حين يقدّم نفسه كغيره من (علماء السلطان)!
مراجعة أم تراجع؟
والحق أن قائمة أعداء الثورة من فئة (المثقفين) في اليمن طويلة جدّاً، بيد أن أبرز ما يجعل من الحالة اليمنية ذات خصوصية في هذه المسألة هي سرعة تراجع أو مراجعة كثيرين لمواقفهم من الحزب الحاكم وسياساته، بعضهم منذ وقت مبكّر، فيما لحق بعضهم الآخر متأخّراً، ومجيئها حتى في الأيام الأخيرة ربما خير من عدم مجيئها من الأساس-كما تقول الحكمة الشهيرة-.
وبطبيعة الحال فثمّة فرق بين موقف المراجعة وبين موقف التراجع، فليس المراجعون كالمتراجعين، إذ لايخفى أن شخصيات (محترمة) ذات سمعة طيبة، ومسلك أخلاقي نظيف، ولكن لسبب أو لآخر وضعت نفسها ضمن (مربع) الحزب الحاكم أو كانت مقرّبة منه في وقت من الأوقات، لكنها كفّرت عن ذلك بـ(إعلان) براءة صريحة من مسلك الحاكم ورموزه في وقت مناسب ،ولاسيما مع تزايد مسلكه الجهنمي في مواجهة المتظاهرين والمعتصمين في مختلف المحافظات وأبرزها في صنعاء يوم الجمعة الدامية 18/3/2011م، وفي تعز يوم السبت 2/4/2011م وأولئك هم (المراجعون). أمّا المتراجعون فهم ذوو السجل (العفن) في الفساد والإفساد، ومسلك التبرير- وإن شئت فقل مسح الجوخ ولعق النعال لرمز النظام ورأسه بوجه خاص- كما أنهم من أكثر الأصوات ارتفاعا في الدفاع عن سياسات الحاكم وممارساته السيئة عبر السنوات وربما العقود الماضية، وسجلهم في ذلك حافل بالتردّي والانتهازية الرخيصة، وهم لايختلفون إلا في الدرجة لا في النوع عن أقرانهم الذين لايزالون( مشدودين) إلى مواقفهم و(قابعين) في مواقعهم حتى اليوم ! ومع ذلك فإن ساحة التغيير في كل محافظات اليمن لم تصدّهم، وصدر الثورة كان أوسع مما يظنون، بناء على قاعدة (الثورة تجبّ ماقبلها)!
ومع التشديد على هذه الحقيقة فلا مناص من الإشارة إلى ضرورة إدراك أن الانخداع بحديثهم (المعسول) اليوم، حين يقدِّمون أنفسهم ضمن (صنّاع) الثورة وربما (روادها)، وانخداع إعلام الثورة أحياناً بذلك حتى كاد أن يضفى عليه مسحة من الدّين أحياناً؛ يعدّ من أبرز المخاوف المشروعة التي تتردد عن السرقة (المحتملة) للثورة وجهود الثوار الحقيقيين .
لقد مضى بعض هؤلاء في سياسة النفاق (الفجّ) حتى أدركهم الغرق أو كاد، ولاسيما بعد إعلان قيادات علياء في الجيش يوم الإثنين 21/3/2011م انضمامهم إلى الثورة ومطالبها، وحينها شعر كثير من هؤلاء أنه اليوم الأخير للنظام فبادر إلى إعلان البراءة والالتحاق بالركب الجديد، ولو استقبل من أمره ما استدبر ما أقدم على غلطته –ربما-، أو أن بعضهم كان موعوداً بقسط وافر من غنيمة السلطة في هذا الوقت الحرج، حيث فرّ كثيرون من مواقعهم، وتخلّى بعض أقرب الناس إلى النظام عنه، غير أن بعض المقرّبين الآخرين إلى رأس النظام وحاشيته (الخاصة) كان أسرع من بعض أولئك فسبقوه، فلم يجد خيراً من الانتقام من السلطة بإعلانه الانضمام إلى خصومهم الثوّار، نكاية بحلفاء الأمس، أو ابتزازاً لهم، وليس حبّاً في الثورة والثوار، كيف يكون ذلك وقد كان إلى الأمس القريب من أكثر الناس ذوداً عن الحاكم، وأشدّ على المعارضة في الخصومة إلى الحدّ الذي أمعن في إسفافه حتى يظن المرء أن لالقاء بعد اليوم؟! ولذلك فمن غير المستبعد أن بعض هؤلاء كان سيرجع إلى سابق عهده من النفاق و(لعق النعال) لو اطمأن إلى صمود النظام طويلاً، أو ضمن ثمناً يستأهل التضحية بالموقف الجديد، وتحمّل تبعات ذلك من غضب الشعب ولعناته، وقد فعل بعضهم ذلك، ولابأس بعد ذلك أن يكيّف ذاته مع أي وضع، فتلك (صنعته) على الدوام. وإذا كان ذلك قد صدر عن بعض أولئك (المتراجعين) فيبدو أن كثرة المتخلين عن النظام من أقرب حلفائه جعله يضطرب ولا يدري إلى من يعتذر وبمن يبدأ المقايضة والعودة إلى سياسته في المساومة بأي ثمن، مما جعل بعض (المتراجعين) (يثبتون) على موقفهم الجديد، ولو – لاقدّر الله- تراجعت الثورة أو فشلت في تحقيق مطلبها الرئيس لرأيت منهم عجباً !
قائمة مثقفي السلطة:
لقد سمعنا بقائمة لرموز مثقفي السلطة أو أعداء الثورة في اليمن قد تخرجها الثورة على غرار ما قامت به الثورة في مصر، ولكنها لم تخرج بعد ويبدو أنها لن تخرج إلا بعد أن تعلن الثورة نهاية مشهدها الرئيس الأول المتمثل بإسقاط رأس النظم أو تنحيته، وإلى ذلك الحين فإن الإشارة جديرة بالتأكيد على حقيقتين إحداهما: إن الكشف عن قائمة أعداء الثورة من مثقفي السلطة بيقين لا يقتضي أكثر من تذكيرهم والشعب والتاريخ بمواقفهم ذات الخزي والعار، بحيث لايجوز أن تنسى، وبذلك يغدون عبرة لغيرهم في أي زمان أو مكان، غير أن ذلك لايعني انتقاماً مادياً منهم، أو التعرّض لهم بأي أذىً، بأي معنىً من المعاني خارج القانون. الحقيقة الأخرى: لابدّ من وضع معايير موضوعية دقيقة لمن ينطبق عليه هذا الوصف ( مثقف السلطة)، إذ إن التسرّع في ذلك لمجرّد خلاف جزئي، أو تباين مشروع في تقدير الأولويات ونحو ذلك مما سبقت الإشارة إليه مما يعدّ عذراً متفهماً؛ يغدو افتراء مجرّماً، وفق قانون السماء والأرض، ويحق لكل من أحسّ بظلم أو تشويه لسمعته أن يقاضي متهميه، ويحصل على حقوقه القانونية والأدبية، وفي مقدّمتها ردّ الاعتبار الكامل لشخصيته، إذ لايودّ مخلص للثورة أن تغدو كبعض الثورات العسكرية انتقاماً وتصفية خصومات .
للعبرة فقط:
ومع أن ذكر الأسماء ليس أمراً محبّذاً على الدوام لكن بلوغ بعضهم درجة التباهي بذلك يخوّل الإشارة إليهم استناداً إلى الأثر النبوي الصحيح القائل :" كل أمتى معافىً إلا المجاهرين"(أخرجه البخاري ومسلم، عن ابن عمر، انظر الألباني، مرجع سابق، جـ4 ص 170، حديث رقم( 4388) )، ويجعل – من ثمّ- من المشروع، بل ربما المحتّم الإشارة إلى طرف منهم، فهؤلاء يتبجحون بل يحمل بعضهم كبر قيادة الفساد و التبرير لكل سلوكه أمس واليوم على نحو قلّ نظيره، وبعضهم ربما اختفى بعد الثورة على نحو ظاهر بارز لكنه مشتهر بعلاقته (الخاصة) برموز النظام وهو اليوم يقود المسلك السيئ له في الغرف المظلمة، ولذلك فإنّه يُعرف بأنّه من منظري الفساد ورموزه، على مدى حقبة النظام السياسي الحالي، ولاسيما أولئك الذين يمسكون بزمام المؤسسة الإعلامية على مدى الحقبة المديدة . ولعل من أشهر هؤلاء- على سبيل المثال ليس أكثر- وزير الإعلام: حسن اللوزي، ونائبه الجديد: عبده الجندي، ورئيس الكتلة البرلمانية في حزب للمؤتمر الشعبي الحاكم: سلطان البركاني، وأحمد بن دغر الأمين العام المساعد للحزب، ووزير الشباب والرياضة الأسبق والأوقاف حالياً: حمود عباد، وحمود الصوفي محافظ تعز، وعبد الكريم شائف الأمين العام للمجلس المحلي بمحافظة عدن، ورئيس وكالة سبأ للأنباء الجديد رئيس الدائرة الإعلامية في الحزب الحاكم: طارق الشامي ونائبه في الدائرة الإعلامية: عبد الحفيظ النهاري، وأحمد الصوفي المستشار الإعلامي لرئيس الجمهورية، وبعض رؤساء التحرير والكتّاب الرسميين، وبعض الإعلاميين (البائسين) في القنوات الإعلامية المرئية ولاسيما في القناة (الدينية)، وكذا في الإذاعات الرسمية . وإلى أن تصدر قائمة أعداء الثورة من المثقفين والإعلاميين خصوصاً نسأل الله أن لا يحين موعد صدورها إلا وقد راجع أو تراجع الجميع عن مواقفهم، وهدوا إلى الرشد وإلى طريق مستقيم.

* أستاذ أصول التربية وفلسفتها- كلية التربية – جامعة صنعاء

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1239


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.14/10 (26 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com