الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
خُسران الرهان على الخارج:هل البراجماتية هي الحلّ؟ !
خُسران الرهان على الخارج:هل البراجماتية هي الحلّ؟ !
04-19-2011 10:25
الدين والسياسة - بقلم : أ.د أحمد محمّد الدَّغَشِي *:
لا تأخذني الدهشة حين أقرأ أو اسمع أن مسئولاً رسمياً عربياً يمنياً أو غير يمني قد صانع الأمريكان أو أيّاً من دول الاتحاد الأوروبي أو هم جميعاً، إذ غسلت الشعوب أيديها من أولئك الساسة، وما يجري اليوم في أكثر من منطقة ليس بأكثر من الحصاد المرّ لسياساتهم في الفساد والتبعية العمياء للآخر الغربي -والأمريكي منه على وجه الخصوص-، بيد أن ما لفت انتباهي بشدّة هو تبرئة سياسي يمني معارض (بارز) للإدارة الأمريكية من جرائم السلطة في اليمن تجاه المتظاهرين والمعتصمين، في مباركتها لدعوة الحوار التي تتخذ منها السلطة في اليمن ذريعة للمضي في سياسة الغطرسة والمغالطة المكشوفة، بل وصف دعوة الإدارة الأمريكية للحوار مع السلطة " بأنها نابعة من حرص صادق " وعلى حدّ قوله فإن الأمريكيين لم يعطوا "ضوءًا أخضر باستخدام العنف (في اليمن) "، بل ذهب في كيل المديح لأوباما وأنه حريص على سمعة الولايات المتحدة، ودلّل على ذلك بموقف الإدارة الأمريكية من أحداث تونس ومصر وليبيا واليمن. وقلّل من شأن الاتهامات الشديدة لشباب الثورة في اليمن للإدارة الأمريكية، وكذا إعلان عزم منظمة هود مقاضاة الإدارة الأمريكية نظراً لقيامها بدور السماح للسلطة في اليمن بقمع المتظاهرين، عادّاً لذلك الموقف الشبابي مجرّد تعبير عن الغضب على السلاح الأمريكي المستخدم تجاه المتظاهرين( راجع: حوار محمّد قحطان مع صحيفة الناس في العدد(539)، 16/4/1432هـ-21/3/2011م، حاوره: عبد العزيز الويز)، وكأنّ ذلك الغضب لامدلول له على الأرض، ولا مشاعر منطقية من ورائه، ولا أبعاد سلوكية ينضوي عليها مستقبلاً!. كما لست أدري هل يقصد صاحبنا أن الأمريكان (لم يعطوا ضوءً أخضر) للسلطة في اليمن، على نحو ما تحمله الجملة من مدلول ظاهري، حتى يضطر للتكلّف في إجابته؟أم ماذا؟ وهل بلغت الذهنية الاختزالية للساسة اليمنيين سلطة أو معارضة هذا التسطيح للقضايا الكليّة؟ هذا مع أننا لم نفرغ بعدُ من استعراض فضائح وثائق (ويكي ليكس) التي حظيت فيها اليمن بنصيب وافر( ولافخر)، وهو ماكشف-بالمقابل- حقيقة الموقف الأمريكي من قضايانا الحضارية عبر أدواتهم، ولاسيما في اليمن. لنمضي في القصة من بداياتها إذاً.
المتدثّر بهم عريان:
الحق أنه يمعن في الخطأ من لايزال يعتقد – سلطة أم معارضة- أن الخارج (الغربي) يمكن أن يوفّر له حماية، أو يجلب لمجتمعه رخاء، أويمثِّل لمن يلوذ به أو يسعى لاستعارة أنموذجه في التحديث والتغيير على نحو من النقل المطلق منعة أو حصانة، فقد أثبتت الثورات السلمية في منطقتنا أن ( المتدثِّر بهم عريان)! وإليك البيان:
الخارج وفزَّاعة الأصولية:
لقد كان الغرب ينفخ في النموذج التونسي، بوصفه النموذج الوحيد في المنطقة الذي استطاع القضاء على الأصولية، والخالي مجتمعه من جماعات العنف و(الإسلام السياسي)، وهو الأمر ذاته الذي دأبت الولايات المتحدة – بوجه خاص- على انتهاجه في مصر ضدّ أكبر فصائل المعارضة السلمية وهم (جماعة الإخوان المسلمين)، ولذلك كان مبارك كلما أحاطت به ثورة المتظاهرين، وبدأ يشعر بتراخي الغرب والإدارة الأمريكية –تحديداً- في دعمه ونظامه، حين يضطرون إلى الحديث -ولو عابراً- عن ضرورة احترام حقوق الإنسان في مصر، يعمد إلى (فزّاعة) (الإخوان المسلمين) ليرفعها في وجوه أمريكا وأوروبا، كي يفزعهم بأن (الإخوان) قادمون لحكم مصر، إن هم فكّروا بالتخلّي عنه! وحتى اللحظات الأخيرة، ومبارك لا يفتأ يردّد بأن وراء ثورة الشعب المصري (الإخوان المسلمين)، أي أنّهم بديله، وذلك لعلّه أن يثني الأمريكيين والأوروبيين الذين يضطرون للتصريح أحياناً بضرورة التعامل الحكيم مع المتظاهرين، بعد أن تمرّغت دبلوماسيتهم أخلاقياً وسياسياً إزاء التعاطي مع ثورة تونس، بيد أن نفاق الإدارة الأمريكية، وقد ازداد اعتقادها بزوال حكم مبارك لامحالة، دعت إلى أهمية إدماج (الإخوان) في العملية السياسية!! وذلك منتهى النفاق والتراجع – لا التوبة والمراجعة- إذ ليس ثمّة جديد سوى المعادلة على الأرض. ثم لماذا هذا التغيّر في مصر- ونأمل أن يكون موقفاً ثابتاً لا تكتيكاً براجماتياً مؤقتاً- في الوقت الذي لم يُسمع للإدارة الأمريكية أو دول الاتحاد الأوروبي في أوقات متفاوتة، سوى الإشادة بالنظام البائد في تونس لقضائه على (الأصولية) تماماً تصريحأ أو تلميحاً . وبدلاً من أن يحاسب الجلاّد (ابن علي) على جرائم الإبادة التي ارتكبها بحق أكبر فصيل مدني في المعارضة وهو الاتجاه الإسلامي أو ما غدا يُعرف بـ(حزب النهضة)، ناهيك عمَّا يمارسه من أبشع جرائم التعذيب في سجونه ضدّ المعارضين السياسيين كآفة، والإسلاميين منهم بوجه خاص، وقد بلغ الظلم منتهاه بأحد كبار المناضلين السلميين وهو (الصادق شورو) الرئيس الأسبق لحزب النهضة، إذ بعد أن قبع في جحيم السجون التونسية بضع عشرة سنة، ثم يطلق سراحه بعد ذلك في وضع صحي متهالك، غير أنّه قال كلمة لم ترق للنظام التونسي البائد على هامش برنامج حواري في قناة الحوار (اللندنية) فأعيد إلى السجن توّاً! بدلاّ من أن تسلّط الولايات المتحدة الأمريكية عبر تقاريرها السنوية لأحوال الحقوق والحرّيات في العالم وتصريح مسئوليها ولاسيما وزارة الخارجية وسفاراتها التي تمثّل مكاتب وصاية في بلداننا الأضواء على جرائم النظام التونسي وفظائعه؛ إذا بها تغض الطرف عن ذلك كثيراً، لكنها ترفع عقيرتها لأدنى سلوك تعدّه مخالفاً لقواعد حقوق الإنسان- وفق معاييرها الذاتية بطبيعة الحال- في البلدان التي تصنّفها ضمن محور الشرّ كإيران مثلاً، حين تسلّط آلتها الإعلامية وأبواقها المنتشرة في منطقتنا، بوصف ذلك أمراً لايجوز السكوت عليه، وتربط ذلك بالحكم (الديني) للملالي ورجال الدّين، ولا تعدم سمّاعين لهم لدينا، دون أن يعني ذلك تبرئة مطلقة للنظام الإيراني أو سواه، ولكن المقصود أخذ العبرة ممن يعدّهم بعضنا ملاذاً آمناً لحقوق الإنسان، وهذه حقيقة موقفهم التي لو قدّر لها أن تنطق لقالت: ( الولايات المتحدة وسياساتها مركب النجاة لكل من أراد السلامة واللحاق بركب الحضارة والتمدّن وليفعل بعد ذلك ما يشاء، أمّا من أبى إلا العناد والرفض والحفاظ على الهوية والولاء لوطنه وأمّته فليستعد لحرب أولها التشويه عبر التقارير والإعلام وآخرها النار والسلاح على نحو مباشر أو عبر أنظمة الولاء المطلق لنا والتبعية العمياء لتوجيهاتنا) !
صندوق النقد وبنكه:
لقد بلغ الإفك بالولايات المتحدة وأدواتها الاستعمارية الكبرى وفي مقدّمتها صندوق النقد والبنك الدوليين أن تزيّف أرقاماً وتختلق بيانات لمن يعلن الولاء المطلق لها، وتغض الطرف عن جرائم الفساد المالي لعائلة بن علي وحاشيته، فتتحدث – على سبيل المثال- عن ارتفاع معدّلات النمو على نحو مبالغ فيه، وكذا تراجع معدّلات التضخم في تونس، وما ذاك إلا لتعزز اتجاهها في ضرب قوى المجتمعات ببعضها عبر سياسة (الفوضى الخلّاقة) التي أعلنت عنها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ( كونداليزا رايس)، أي أن سرّ ذلك هو عدم وجود عائق الأصولية أو الإسلام السياسي هناك، وهو ما ينبغي – كرسالة ضمنية أو شبه صريحة- أن تحذو حذوها جميع الأنظمة السياسية في المنطقة، ولا سيما تلك التي تسعى أو لاتمتلك حيلة للحيلولة دون حضور الاتجاهات الإسلامية الأصيلة فيها بقوّة متفاوتة، ولكن كيف يستقيم ذلك مع الحقائق التي تتحدث على الأرض عن الفساد المالي العريض لعائلة بن علي، وعن استئثار فئة مصنّفة على النظام الحاكم بمقدّرات الأمة وثروتها، على حين يعاني السواد الأعظم من الشعب التونسي من أبسط توافر الضرورات الحياتية، كما كشفت عنها ثورة تونس المباركة، وما مدينة (سيدي بو زيد)، ومما أظهرته عدسات التلفاز الحرّ- وفي مقدّمته شبكة الجزيرة) أن ثمة مناطق عديدة في تونس تعيش محرومة من أدنى الخدمات الأساسية، أمّا البطالة والفقر المدقع فحدّث ولا حرج، ثم يأتيك الغرب المنافق – وفي مقدّمته الولايات المتحدة وأدواتها الاستعمارية الكبرى- ليحدّثوك عن تنمية (خرافية)، وأوضاع رفاه واستقرار!! تُرى هل يتحدّث هؤلاء عن تونس (أخرى) ؟! وأرجو – فقط- من بعض رموز المعارضة السياسية في مجتمعاتنا أن لا تأخذهم العزة بالإثم ليسقطوا في شطط المبالغة عن عظمة التنمية في تونس إذا قورنت بمجتمعاتهم، وحصر جوهر المشكلة في جانب الحرّيات المدنية فقط، فهذه المقولة إن صحّت من بعض الوجوه- كما سلف القول- فهي غير صحيحة بالمطلق من جانب تضخيم (عبقرية) النظام البائد في تونس، وتصويره – كما وقع الغرب المنافق- نموذجاً للتنمية والتحديث- بل الحق أن فساد النظام التونسي كان مركّباً، ويتعذّر –في تقدير كاتب هذه السطور على الأقل- فصل حالة الحرّيات المدنية عن الوضع الاقتصادي البائس لأغلبية الشعب التونسي!
ومع أن سياسات صندوق النقد والبنك الدوليين قد تعرّت بما فيه الكفاية –كعقاب إلهي ربما- عبر ما وصفت بـ( الأزمة المالية العالمية) التي لاتزال آثارها الجسيمة قائمة حتى اليوم، حيث جرّت بلدانها بالدرجة الأساس إلى تلك الكارثة التي استعصت على التحليل المقنع في ضوء الخطط والاستراتيجيات النظرية (المهولة)؛ غير أنّه ينبغي بعد الآن أن يدرك الأحرار والواعون مدى التضليل في أرقام صندوق النقد والبنك الدوليين، وأن يتنبّهوا أنّه بقدر رضوخ الأنظمة المستبدة لإملااءته وشروطه الجائرة فإن كيل المديح ( ولو في صورة أرقام وبيانات مضلّلة) تدبّج، وقد تلجأ مثل هذه المؤسسات الاستعمارية إلى التبرؤ من نتائج سياساتها الكارثية حين ينكشف الحقائق، كما حدث في تونس – على سبيل المثال- حين تعالت أصوات بعض النخب التونسية، بأن صندوق النقد يتحمل الوزر الأكبر من فساد نظام (ابن علي) كما قد تلجأ مثل هذه المؤسسات إلى اتهام الأنظمة الفاسدة بمزيد من كشف سوءاتها بحجّة أنها لم تلتزم بتطبيق برامج الصندوق أو البنك الدوليين وخططه، وقد يكون ذلك صحيحاً إلى حدّ ما أحياناً، ولكن الأصح من ذلك هو أن مثل تك التهديدات تهدف إلى مزيد من ابتزاز تلك الأنظمة ورضوخها لإملاءات جديدة، تورّث ثروات البلاد على مدى أجيال للمؤسسات النقدية الأجنبية.
البراجماتية في النموذج المصري:
أمّا في النموذج المصري فإن نفاق الغرب الرسمي – والولايات المتحدة بوجه خاص- وازدواجية معاييره تكشّفت أبشع مايكون سواء في تصريحات نائب الرئيس الأمريكي (جون بايدن) قبل يومين فقط من اندلاع ثورة الشعب المصري في 25/1/2011م عن علاقته الحميمة بمصر ومدحه لنظام الطاغية مبارك، أم في غطرسة سياسة الإدارة عبر رئيسها، ومبعوثيه الدبلوماسيين، فلقد تبيّن بالقطع أن سياسة الولايات المتحدة بوجه خاص والغرب عموماً ليست مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، إلا حين تكون الأنظمة السياسية في بلداننا مصنفة في قائمة أعدائهم، أمّا من يدينون لهم بالولاء والطاعة العمياء فليس ثمّة حرص على نيل تلك الشعوب حقوقها؛ إلا في حالة رجحان الكفّة لصالح الشعوب، وتلك أبشع صور البراجماتية (الفجّة)، التي تتدثّر بالمصلحة، بعيداً عن الأخلاق والقيم الحضاري، في الوقت الذي لايزال بعض المفتونين في مجتمعاتنا يحدّثنا عن أن سرّ النجاح ومركب النجاة لتخليصنا من أوضاع التخلّف والفقر والأزمات إنما يكمن في استعارة نموذج التحديث الغربي الليبرالي أو العلماني (اللائكي)، حيث القيم الإنسانية المطلقة، ويتجاهل – أو قد لايدرك- أن نلك القيم ليست إنسانية، بل قيم أمريكية أو غربية (خاصة)، وعموميتها إنما تكمن في تمكين سياسة الولايات المتحدة والغرب عموماً بما يحقّق مصالحه في بلداننا، ولو على حساب حقوقنا المدنية، وثرواتنا الطبيعية، وارتكاب أفظع الجرائم في حق أجيالنا، حين يجعل منها مرهونة لعقود متطاولة أو ربما لقرون، لقروضه المصحوبة بأجندته السياسية والثقافية، حيث هو المعيار المطلق في التحضّر والتمدّن، وما على الآخرين إلا أن يتبعوا قيمه السياسية والاجتماعية وسواها، إن أرادوا دعمه وبعض إمكاناته. ومرة أخرى أعجب لبعض المثقفين حين يبرّون للولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي أن تتناقض في سياساتها ومواقفها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار بدعوى أنّ ذلك ما يحقّق مصالحها، ولست أدري هل يجهلون أم يتجاهلون مصالحنا الكليّة والجزئية نحن الضحايا؟ هل نسوا أم تناسوا أن ذلك لاينسجم مطلقاً مع إعجابهم المفرِط بنموذج القيم فيها؟ إذ يأتي تحقيق مصالحهم على حسابنا من نواحٍ عديدة، ويكفي أن نتذكّر أن أيّاً من تلك الدول الاستعمارية لم يعتذر لشعوب مستعمراتها السابقة التي نهبت ثرواتها وأفسدت بيئاتها وهتكت كرامة الإنسان المقاوم لاستكبارها واحتلالها لأرضه، فهل من يأبى إلا أن يفرض عليك نموذجه في التنمية والتحضّر وله كل تلك السوابق وليس آخرها تحويل بقاع من عالمنا العربي والإسلامي إلى (مكبات) لنفاياته السامّة ومخلفات مصانعه وآلاته يمكنك أن تثق به أو تبحث عن خلاصك في منهجه؟!!!
وماذا عن اليمن؟
وفي اليمن ورغم أن بعض أقطاب السلطة والمعارضة معاً لايزال يسعى حثيثاً لالتقاط تصريح من هذا المسئول الأمريكي أو الأوروبي أو ذك، ليدبِّجه ضدّ خصمه، لكن كم تكون الصدمة حين يكتشف أن ذاك التصريح أو العبارة العابرة ماتلبث أن تنسخ بعد ساعات وربما دقائق بتفسير ما، أو ببيان أو تصريح جديد مناقض؟!
برز ذلك الاضطراب في الموقف الغربي والأمريكي –بوجه خاص- منذ بداية الاحتجاجات السلمية في مختلف محافظات الجمهورية، حيث لم يعلن موقفاً منحازاً لخيار الشعب في أغلبيته، كما يزاود كثيراً على حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومن ذلك تصريح وزيرة الخارجية الأمريكية (هيلاري كلنتون) يوم 11/4/2011م بُعيد اعتقال رئيس ساحل العاج المنتهية ولايته بمساعدة قوات فرنسية (لوران باغبو) مؤكّدة أن ذلك مصير كل مستبد لايستمع إلى مطالب شعبه. وتعمد الإدارة الأمريكية في مواقفها المضطربة بل (المنافقة) أحياناً، تارة تحت ذريعة خشيتها من انفراط عقد النظام، مما يتيح لـ(القاعدة) إمكان التمدّد وتهديد المصالح الأمريكية، وتارة بدعوى رغبتها في انتقال للسلطة، يؤدي إلى رحيل الرئيس صالح في نهاية المطاف. ولم يعلن البيت الأبيض ووزارة الخارجية ألأمريكية ضرورة تنحي الرئيس صالح صراحة إلا بعد أن بلغ السيل الزبى، وبدا من المؤكّد أن خيار الشعب في التنحّي حتمي لارجعة عنه. ومع بروز المبادرة الخليجية في 3/2/2011م الداعية إلى انتقال صلاحيات الرئيس لنائبه وتشكيل حكومة وحدة وطنية ترأسها المعارضة؛ جاءت المباركة الأمريكية لها، مع ما يلفها من غموض ولاسيما في نسختها الثانية المعبّرة عن (انتقال) صلاحيات الرئيس وليس (تنحّيه)، وذلك كلّه لايمكن الجزم بأنّه نهائي وغير قابل للتراجع، فيما لو – لاقدّر الله- حدث تراجع في قوّة المطالب الشعبية التي تمثّل المحك الحقيقي والمؤثّر الفعلي لكل متغيّر يجري على الأرض ويفرض- من ثمّ- الخيار الحقيقي والوحيد لأطراف الداخل والخارج في آن.
لقد شكّل كل ذلك موقفاً سلبياً صادماً لشباب الثورة فدفعها لإصدار بيان شديد النقد للموقف الأمريكي من أحداث اليمن وثورتها، حيث وصفه بـ(المخجل)، واستغرب تصريحات وزير الدفاع الأمريكي (روبرت جيتس ) المتحدّث عن القاعدة و(الإرهاب) وخشية البيت الأبيض من تمكنهما من معاودة نشاطهما في ظل غياب حكم (صالح) ودعى فيه الإدارة الأمريكية إلى اتخاذ موقف داعم وصريح للتغيير وتنحي صالح فوراً.
ذلك كلّه يقود إلى نتيجة كلية واحدة هي أن الآخر الغربي أو سواه لايلتفت سوى إلى مصالحه على نحو (دوغمائي) مغلق غير أخلاقي، كمخرج لتربيته البراجماتية المتطرّفة، ولذلك فإن مايتم على الأرض هو الذي يفرض عليه تحديد موقفه الحقيقي في ضوء فلسفته التربوية البراجماتية ، دونما التفات إلى قيم إنسانية أو مثل عليا، أو نحو ذلك مما لايجد له سوقاً للصرف و(بورصة) للمزايدة.


* أستاذ أصول التربية وفلسفتها- كلية التربية – جامعة صنعاء

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1152


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.01/10 (12 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com