الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الثقافة والفكر الإسلامي
المفكر (عبد الحميد أبو سليمان): التربية والعودة للقيم الإسلامية هي سبيلنا للتغيير .. والحدود هي سقف العقوبة وليست كل الشريعة
المفكر (عبد الحميد أبو سليمان): التربية والعودة للقيم الإسلامية هي سبيلنا للتغيير .. والحدود هي سقف العقوبة وليست كل الشريعة
قال إن الغرب لا يدين بغير الليبرالية
05-15-2011 02:41
الدين والسياسة - نقلا عن موقع (أون إسلام):
في محاولة لإزالة الالتباس حول قضايا حرية الاعتقاد، وحرية التعبير وانعكاس ذلك على المشهد الغربي، ولإستبيان صورة الأنا المسلم تجاه الآخر الغربي، وإيمانا منا بأن التعرف على هذه الأبعاد قد يؤدي إلى ترشيد القراءة، ومن ثم ترشيد المعالجة بشكل أو بآخر. حاورت مدارك الأستاذ الدكتور "عبد الحميد أبو سليمان " المفكر الإسلامي المعروف، ورئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي حيث دار الحوار حول محورين أساسيين طرحنا حولهما عدد من الأسئلة.


-أهم المقولات-
*من الخطأ محاولة ترجمة ما يجري لدى الآخر من خلال ثقافتنا ومفاهيمنا.

*العودة للدين في الغرب ليست أكثر من تجييش للمعركة وليست رجوعا للدين على الإطلاق.

*الغربي أغفل الثنائية في طبيعته وانتصر للجانب المادي والحيواني فيه.

*القومية ظاهرة أوروبية حديثة لم تكن معروفة في تاريخ العلاقات الدولية.

*القانون الأول في السياسة الإسلامية "العدل أساس الملك"، وعند الغربي" البقاء للأقوى".


تعلق المحور الأول برؤيته لإمكانية استبدال التغيير الاجتماعي بالتغيير السياسي، وهي رؤية لها امتداد في مشروعه الفكري الخاص، أما المحور الثاني، وهو يرتبط نوعا بالمحور الأول فيعتبر فيه الأسرة مصدرا لتغيير ناجع مقارنة بالآفاق المسدودة للتغيير السياسي، كان هذان المحوران الأساسيان اللذان دار حولهما موضوع الحوار. وإن إمتد بنا الحديث ليشمل جوانب فرعية أخرى مثل الحديث عن تزامن العودة للدين في المشهد الغربي مع تزايد الإساءة للمقدس، وعن انتصار أدعياء حرية التعبير على المقدس والمؤمنون به، وبمعنى آخر عن العلاقة بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير، والتي يرجح مجموعة من المراقبين أنها حسمت في نظرية القيم الغربية لصالح حرية التعبير، وليس حرية الاعتقاد.

كانت هذه هي محاور الحوار الذي أجرته مدارك مع الدكتور عبد الحميد أبو سليمان فإلى نص الحوار.

- عناية د. عبد الحميد أبو سليمان: كيف تنظر إلى الارتباط الوثيق ما بين الحضارة الغربية والدين المسيحي؟؛ فبعض الكتابات تذهب إلى أن العلمانية ثقافة مجتمعية عامة وسطحية إلى حد ما وليست متغلغلة في عمق ثقافة المجتمع الأوروبي، وأن هذا ليس فقط في الحضارة الغربية فحتى المجتمعات غير الغربية شهدت حضورا مكثفا للكنائس والأديان في بنيتها، وأن ذلك انعكس في أحزاب ومؤسسات اجتماعية وما إلى آخره، كما تحدث ماكس فيبر أيضًا عن البروتستانتية وروح الرأسمالية، فما تأثير هذا على طبيعة العلمانية الغربية؟ نريد أن نتبين تأثير هذا على تعريف العلمانية التي هي بمثابة اقتراب لتوضيح العلاقة ما بين حرية الاعتقاد وحرية التعبير. فكيف تفسر هذا الارتباط الوثيق؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: اعتقد أنه من الأخطاء التي نقع فيها أننا نحاول أن نترجم ما يجري لدى الآخر من خلال ثقافتنا ومفاهيمنا، وبالتالي يحدث عدم فهم حقيقي للظواهر هناك، وفي تصوري أن أي نوع من الحديث عن الدين في الغرب قضية وهمية، فتاريخ المسيحية وما انتهت إليه من نوع من الاستبداد الديني، وتحكم الكنيسة معروف للجميع، ومعاناة الأوروبي بالدرجة الأولى كانت في مواجهة المد الإسلامي، خصوصًا أن المد العثماني كان الجانب العسكري فيه أكثر من الجانب الفكري والثقافي.

فكان أن تخلي الغربي عن الدين، لذلك يحلو له أن يصف نفسه بأنه "أجنوستك Agnostic" وليس ملحد، فهو لا ينكر أن هناك شيء فيما وراء الطبيعة، لكنه في الوقت نفسه لا يؤمن بالمسيحية، فهو الآن إنسان مادي وليس له مرجعية على الإطلاق، فوسيلتك لأن تفهم الفكر الغربي أو التاريخ الغربي الآن هو أن تعرف قانون الغاب.

لذلك فنحن نؤكد على أن ظاهرة التدين هذه ليست سوى تجييش للمعركة لاسيما بعد انتهاء صعود الاتحاد السوفيتي، فأصبح السؤال كيف يمكن تقسيم العالم الإسلامي؟، فإذا أردنا أن نعرف ما يحدث في العالم الإسلامي فعلينا أن نفهم أهداف السياسة الإسرائيلية، وليس السياسة الأمريكية ، فنحن والأمريكان لسنا أكثر من دُمى في أيدي اليهود.

فنحن نفسر ظاهرة العودة للدين لديهم، قياسا على ما يحدث عندنا وهذا ليس صوابا فإذا كنا نحن قررنا العودة حين أدركنا أن خلاصنا في أن نلتزم بقيم الإسلام وأهدافه ومقاصده، فإن ما نراه من ظاهرة العودة للدين لديهم في تصوري ليس أكثر من تجييش للمعركة وليس رجوعا للدين على الإطلاق.

- هل أصبح الصراع جزء من طبيعة الغربي أم أنها في اعتقادك طبيعة إنسانية قد يلعب الدين دورا مهما في إخمادها أو بروزها؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: أذكر أنني عندما كنت في ماليزيا كان عندنا أمام البيت حديقة صغيرة نقوم فيها بتربية الأرنب، وهو حيوان لطيف لا تسمع له صوت، لكن حين يهاجمه قط يصرخ صرخة شديدة فكنت أتساءل: ما الحكمة في أن هذا لا يحيا إلا إذا مزق هذا وأكله؟

الجواب المبدئي كان هو جواب أظن أن ابن القيم الجوزية ذهب إلى قول يشبهه؛ وهو أن الكون معقد، فإن استطعت أن تفهم فعليك أن تحمد الله، وإن لم تستطع فاعلم أن لك سقفا وحدود، وهي ليست قضية كفر وإيمان.

ففي اعتقادي أن عالم الإنسان فيه ثلاث أسماء، اسميهم (لاعبين) إذا جازت التسمية، الله وهو الروح المطلق، والحيوان وهو طين منحط، والإنسان اتحدت فيه الطبيعتين، لذلك حين يشرح القرآن لك نظرية الخلق يقول أنه سبحانه (خَلْقَ الإِنسَانِ مِن طِينٍ) (ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلالَةٍ مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ) حيوانات عليا بالتزاوج، وليس الانقسام الأميبي، (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ) ففيه الطين والروح.

وقد أدرك إبليس هذه الحقيقة فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)،( أأسجد لمن خلقت طين)، ولما رأت الملائكة هذا الحيوان الشرس قالت: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء قال إني أعلم ما لا تعلمون)، ولكي تفهم الإنسان عليك أن تدرك هذا التداخل في طبيعته بين الروح وهي العدل المطلق، والحيوانية وهي التظالم.

فوجود الحيوان بالنسبة للإنسان يجعله يدرك معنى الظلم والانحطاط مجسدا أمامه، أما الوحي فهو لا يحمل لك شيء،ليس موجود في فطرتك السليمة ولكن يدعمها بجعلها واعية وملتزمة.

فالأوروبي أغفل تلك الثنائية في طبيعته وانتصر للجانب المادي والحيواني فيه على الجانب الروحي، لذلك عندما حاول الاتحاد الأوروبي جعل الديانة المسيحية رافدا من روافد الثقافة الأوروبية رفض الأوروبيون هذا الأمر وطالبوا بثقافة أوروبية وليس مسيحية.

وهو ما انعكس في علوم السياسة وفي تصورهم للعلاقات الدولية، فالقومية ظاهرة أوروبية حديثة غير معروفة في تاريخ العلاقات الدولية أن يقوم النظام الدولي على أساس أن الفرنسي يحكمه فرنسي، والإيطالي يحكمه إيطالي، والتركي يحكمه تركي، والمصري يحكمه مصري، هذه أمور لم تكن معروفة، وإنما كانت إمبراطوريات تحكم شعوب مختلفة.

ما معنى هذا؟ فلكي تفرق بين الفرنسي والعربي تنظر إلى المشترك والمختلف؟ كي تتضح الفروق بين الاثنين ولا يمكن أن يقوم الصراع إلا بين مختلفين، أما إذا اعتبرت الخلاف بينك وبين نفسك فلن تتصارع معها،..

بالإضافة إلى أن القومية هي تكاتف السلالة ضد الآخر، قامت بينهم صراعات مُرة، وحروب عالمية وأهدرت دماء، انظر ماذا فعلوا في أمريكا الشمالية التي دمروا شعبها، وفي أمريكا الجنوبية دمروا شعوب "الإنكا"،وإلى حرب الأفيون في الصين، وإلى ما حدث وما يحدث في إفريقيا من جراء سياساتهم، وإلى ما نراه في العالم الإسلامي، وهي كلها تصرفات حيوانية محضة.

بين القيم الإسلامية ونظيرتها الغربية

- كيف نفرق ونميز إذا بين مبادىء السياسة الإسلامية ونظيرتها الغربية؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: إذا أردت أن تتكلم عن السياسة في الإسلام فالقانون الأول هو "العدل أساس الملك"، والغربي بالطبع ينكر عليك ذلك ويقول" البقاء للأقوى"، أما في الجانب الأخلاقي والمجتمعي فلو أخذت التاريخ الإسلامي والمنطلقات الإسلامية مقارنة بالتاريخ الغربي والمنطلقات الغربية، تجد أنها متوازية ومتقابلة دائما؛ لأن المنطلق الإسلامي منطلق روحي، وحوفظ على الإسلام بالمحافظة على القرآن الكريم، أما الغرب ففقد هذا الجانب الروحي، وأصبح مادي حيواني لذلك أقول أن شرعتهم هي قانون الغاب.

ففي الجانب الأخلاقي حدث ولا حرج عن الأوضاع الشاذة التي تتبناها الثقافة الغربية، وتدافع عنها جميعا تحت مسمى الحريات وهي ليست أكثر من حيوانية.

أما الحرية فهي ما يتفق مع الفطرة السليمة، وما يتفق مع ما فيه خير الإنسانية، ومن واجبات حريتك ألا تعتدي على حرية الآخرين،لأن هذا خطأ وضد الفطرة، وحتى ما يدعونه لأنفسهم من حق الإضرار بالذات ففي الإسلام هذه ليست حرية وإنما هي فوضى، و عندما تنتقل الحضارات من الحرية إلى الفوضى تنهار، وهذا ما حدث مع الحضارات اليونانية، والرومانية، والفرعونية والإسلامية نفسها، والغرب الآن بدأ دخول هذه المرحلة.

- كيف وصل الحال بهذا المجتمع الذي أنجز حضارة مادية وتكنولوجية عظيمة الشأن إلى هذا الانهيار في الجانب الأخلاقي من عنصرية وما إلى ذلك؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: بدأ الغربي بالتخلص من القيود التي فرضتها عليه الكنيسة إلى أن وصل إلى مرحلة التحرر من القيم والأخلاق، وإذا أردت أن تنظر نفس القضايا في الإسلام، فانظر كيف يعالج الإسلام قضايا الاختلاف بين الأجناس يقول تعالى (شعوبًا ولقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم) والاختلاف هنا أفقي وليس رأسي بمعنى أن الاختلاف في اللون واللغة لا يؤدي بالضرورة إلى جعل إنسان أقل في نوعا من إنسان آخر.ولم يجعل في الاختلاف شرعة للتنافر بل قال تعالى:

(لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوَهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ) حتى الاختلاف ليس مجال العدوان على الآخر إطلاقًا، فحين يأمرك الإسلام بحسن الجوار لا يقرر لك ما إذا كان هذا الجار مسلم أم غير ذلك، ميزان القرآن الكريم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ) لماذا ذي القربى؟ وهو يقدم ذوي القربى أولا لأن من لم يحسن لذوي قرابته لن يحسن للآخرين، ولا يعني الإحسان للقريب المحاباة، وتمييزه على غيرة في الحقوق فهذا ليس من العدل.

وعندما فتح المسلمون بلا فارس وإفريقيا ووسط آسيا لم يرتكبوا جرائم عنصرية مشابهة لما يحدث الآن في حق الشعوب الإسلامية، لأن الإسلام قد أعلى من الجوانب الروحية والقيمية في ذواتهم، وما يثيره الغرب الآن من تمييز عنصري هو في الحقيقة تجييش لمشاعر الكراهية ضد الإسلام، المرحلة الآن هي تنفيذ المخطط الغربي الإسرائيلي في العالم الإسلامي، على أساس الفوضى الخلاقة لإعادة رسم الخريطة، وكل ذلك على أساس عرقي وطائفي ولتغطية النزاعات بينهم، ورغبات التحكم،..

والهدف من ذلك ليس انتصارا للدين أو قبول الكنيسة والمسيحية بمفهومها القائم الآن، هذه المفاهيم تستخدم كذرائع ليس أكثر، فلا شك عندي في أن اليهود كانوا وراء الحادي عشر من سبتمبر وأن هدفهم كان تأجيج مشاعر الكراهية ضد المسلمين، فحتى 11سبتمبر لم تكن أمريكا تدفع أي ثمن لسياساتها في العالم الإسلامي، بعد 11 سبتمبر أمريكا بدأت تدفع الثمن، وهذا الذي جعل كارتر نفسه يقول كل ما جري هذا لمصلحة إسرائيل وليس لمصلحة أمريكا.

بين المقدس وحرية التعبير

- ما هي حقيقة العلاقة بين ما نطلق عليه الحرية في المفهوم الغربي وبين المقدس؟ لأن القضية باتت تطرح بشكل كبير وهناك كثير من الشد والجذب حول هذه الإشكالية.

د. عبد الحميد أبو سليمان: حقيقة الفكر الغربي أنه عندما تخلى عن الدين ولم تعد لديه ثقة في الأديان، وحلت الحيوانية محل المنظومة الأخلاقية تجلى ذلك في ثلاثة مظاهر عندما ندرسها نجدها بالفعل كلها تتركز حول الفرد، في الاقتصاد رأسمالية، في السياسة والتنظيم الجماعي ديمقراطية، وفي الأخلاقيات وفي العلاقات الاجتماعية ليبرالية، وليس مصادفة أن نجد فرنسا أكثر من يعارض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، مع أن تركيا تطبق بالفعل النموذج الغربي تماما، لأن فرنسا على اتصال وثيق بشمال إفريقيا والإسلام، وهي مرحلة يراد فيها استخدام ربما أوروبا في مواجهة أمريكا، لو أن أمريكا تغيرت سياستها الموالية لليهود..

فهو يخشى الوقت الذي تحل فيه محل الليبرالية أخلاق إسلامية، ويخشى أن يتعرف الغربي على الإسلام بما فيه من قيم ومبادئ وأهداف، لأن هذا سيربك له منظومته، فالعلمانية الغربية ذات محتوى ليبرالي وليس ديني، فالجانب السلوكي الأخلاقي بالنسبة للمسيحية يتبنى مفاهيم مثل المثلية، حتى أن بعض الاتجاهات عندهم تزعم أن بعض القديسين كانوا لوطيين، وهذه المقولة موجودة في الدين المسيحي بل واليهودي أيضًا.

لكننا مع الأسف لأسباب تاريخية وبغرض تمكين الاستبداد والفساد في الأمة استخدمنا الخطاب العكسي، تأكيد الخطاب الكنسي والمسيحي على فكرة الله محبة، وأن يدعونا لأن نحب بعضنا، فالعلاقة علاقة تأكيد للروح الإيجابية تجاه البعض، تجاه حتى المقدس وإن لم يعني الاعتقاد فيه.

أما المسلمون فعلى الرغم من أن الأسماء الحسنى نوعان، فهناك أسماء الجمال كأن تقول عن الله تعالى حميد، وكريم، وغفور، ورحيم.. في مقابل أسماء الجلال كالقهار، الجبار، المنتقم، وهناك آيات مغفرة ورحمة في مقابل آيات العذاب، فإن خطابنا الديني أصبح في أغلبه خطاب تهديد ووعيد، على الرغم من الوصف القرآني: (الذين آمنوا أشد حبًا لله) فما عاد المسلمون الآن يحبون الله، لأن الخطاب الديني أقام العلاقة على أساس من الخوف والرهبة وليس الحب، فهذا خطاب خاطئ ومدمر ويجب إعادة النظر فيه.

أذكر في أحد في المساجد، أن الإمام بعد الصلاة دعا الله أن يدمر اليهود والنصارى، حينها أخبرته أن كثير من النصارى عرب لا يرضيهم ما يجري، وطالبته بأن يخص دعوته بالمعتدين فتشمل المعتدين حتى لو مسلمين، وقد ظهر الرجل معتدلا حين أخبرته أنه يحل للمسلم أن يتزوج من مسيحية أو يهودية وأنه ليس عليه بالضرورة أن يكره زوجه التي أحلها الله له.

فالإسلام أمرنا بالجدال بالحسنى والدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، وهكذا فتحت أغلب البلدان الإسلامية، ولكن عندما وقفنا من الهندوس موقف متعالي ووصفناهم بالنجاسة وغيرها كانت النتيجة قطيعة معهم، وكانت النتيجة أن بقينا في الهند مئات السنين ولم يسلم سوى الأطراف التي وصلها المد الإسلامي الأول.

فالذين تولتهم الدولة بمنطوقها وبأساليب القهر والإذلال.. لا زالوا لا يقبلوننا، وهذا يسحبنا إلى قضية أخرى هي قضية المفاهيم، وإساءة فهم المصطلحات، ومن ضمنها العبودية، سأعطي لك مصطلح آخر يوازيه وتستنكره بوضوح وهو الذل.. الذل تشتق من المذلة أو تشتق من التذليل، فعندما يقول الله تعالى: (وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً) هل هذا بمعنى المذلة والمهانة؟، أم بمعنى التذليل وأنك تكون مريح لهما، بالتأكيد بمعنى التذليل، الوالدين أنفسهم لا يرضون مذلة ولا مهانة لأبنائهم.

فلو فسرتها على أنها مذلة ومهانة فأنت تخطئ المعنى، نفس الشيء في العبودية، العبودية من الاستعباد أو التعبيد، والتعبيد هو التذليل أيضًا مرة ثانية، وأن يكون الشيء معبد، وليس مصادفة أن القرآن الكريم في كل جمع استخدمه لكلمة عبد استخدم عباد ولم يستخدم عبيد (وعباد الرحمن) (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُوا ...) استخدم عبيد في ثلاث مواقع: حين يكفرون بالله ويؤمنون بما سواه، فاستعبدوا أنفسهم وظلموا أنفسهم، فالاستعباد يلصق بالإنسان حين يصير على عكس إرادة الله.

أما عندما أتكلم عن العبودية بمعنى التعبيد والأخذ بالشيء الصحيح، هذا مسار اعتزاز، بإرادتي الحرة تقبلت ما هو حق وعدل، فهذا مسار اعتزاز، وليس مسار إحساس بمهانة أو مذلة، ولذلك قال: (وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ) فمن هنا مطلوب إعادة النظر في هذه التعريفات، حرفت بطريقة تخدم مصالح الأمويين، ومن الضروري أن نذهب إلى المصدر الأساسي للخطأ، لا نتوقف عند مظاهره ومضاعفاته، فعلينا إذا أردنا أن نقيم إصلاح حقيقي، أن نعيد النظر في تاريخنا كله، ونحاول أن نصل إلى مصادر الانحراف.

وكان النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته على وعي تام بقضية مراعاة الزمان والمكان، فعندما كان الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوزع أرض "السوات" وهي أراضي زراعية هائلة، أدركوا أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ كان يوزع لقمة عيش، فعندما رأى النبي أن البعض تحولوا إلى إقطاعيين يستولوا على ما خلق الله ويشغلوا خلق الله فيها، قال: ماذا عن من لم يأتي؟، ماذا عن من لم يأتي؟ ماذا عن حاجات الأمة؟.

فحولها إلى أرض خراج تؤجر ويدخل الإيجار بيت مال المسلمين ليعود على كل المسلمين، انظر إلى هذا الانقلاب الهائل، هؤلاء كانوا جيش الرسول ـ صلى الله عليه وسلم – وهذا يفسر لنا كيف استطاع هذا الجيش أن يصل في أمد قصير إلى كل أرجاء المعمورة المعروفة.

ولكن بعد أن كان المسلمون متحدون لمواجهة الفرس، فغنهم تحاربوا أثناء الفتنة الكبرى بين جيشي على ومعاوية، فكان هؤلاء ينطبق عليهم الوصف (قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) فلا تزال هناك حاجة لعملية تغيير، لم تحدث بالقدر الكافي بسبب الظروف التي حدثت، فكان لا بد أن ينتصر معاوية على سيدنا علي؛ لأن معاوية كان يمثل القبيلة، والصراع قام بين اسمين مدرسة المدينة، وهو المسلم المجاهد، وبين القبلي العربي، فكانت فترة بعثه ( صلى الله عليه وسلم) كلها صراع بين المدرستين.

حتى القرآن الكريم في مفاهيمه، وقيمه، ومبادئه يراعي قاعدتي الزمان والمكان، وبعدما عزلت مدرسة المدينة، وتحويلهم إلى مدرسيين، نجد أبي حنيفة ـ رضي الله عنه ـ يأبى أن يتولى القضاء لبني العباس، لماذا؟ لأنه يدرك أنهم يحاولون أن يجعلوا منه أداه في أيديهم حين يريدون أن يضفوا الشرعية على أحد تصرفاتهم فأبى ومات في السجن.

كذلك أفتى الإمام مالك فتوى طلاق المكره والتي تقرر بأن من يكره على الطلاق فإن طلاقه لا يقع، وكان لهذا دلالته السياسية، عندما يقسمون في البيعة بطلاق نسائهم، فقد أحلتهم فتواه من هذا القسم، فضرب حتى شُلت يداه، والإمام الشافعي جيء به مكبلاً لأفكاره في الحياة العامة إلى بغداد وهرب منها إلى مصر، ومأساة ابن حنبل لا تخفى على أحد.

وهناك ظاهرة أخرى هي الالتحام بالسنة والبُعد عن القرآن الكريم لماذا؟، لأن السنة بمثابة التطبيقات، فيعطي الفقيه النموذج بصرف النظر عن الزمان والمكان؛ ويضعه بين أمرين السجن في الدنيا وجهنم في الآخرة فتحولت الأمة إلى أمة عبيد.

نلحظ مثلاً.. أبو حنيفة الذي له آلاف الفتاوى، وتسمى مدرسته بمدرسة "أهل الرأي" لأنه كان يعمل العقل في النص ولكنه أدرك أهمية مراعاة الزمان والمكان، لذلك اعتمد مبدأ الاستحسان، فما هو الاستحسان؟ الأصول الأربعة الأساسية للأحكام الشرعية: (القرآن الكريم، والسنة، والإجماع، والقياس)، فالثلاثة الأول هي مصادر استنباط الأحكام،أما القياس فهو أداة، ومعنى القياس إذا اتحدت العلة اتحد الحكم، ولكن هذا يصح إذا كانت الصورة الكلية لم تتغير، لكن عندما تتغير الصورة الكلية فلا يأتي القياس ضرورة بنتيجة مناسبة.

فعندما أدرك أبو حنيفة إشكالية أن القياس يمكن أن يأتي بشئ مخالف لروح الشريعة، فأتى بالاستحسان كحل مؤقت، على الفقيه أن يختار ما يتفق مع روح الشريعة، إلى أن يتضح الخطأ في هذا القياس، وعندما أدركوا عدم إمكان القياس بشكل معقول أصلاً، أتوا بقضية المقاصد، بمعنى أخذ الجزء في ضوء الكل، لكن للأسف في وقت متأخر مع هذا الثقافة الدينية، فحتى هذا لم يستطع أن يعطينا التغيير المطلوب.

و مع تقدم الزمن والبعد عن مسرح الحياة العامة، والانفصام بين ما نسميه الفكري والسياسي، أدى إلى تشكل ما يسمى بمجتمع العبيد.

المسلم ووضعية العبيد

- في رأيك كيف يمكن التخلص إذا من وضعية أمة العبيد؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: في الوقت الذي تكونت فيه في كل الحضارات، وعلى رأسها شعوب العالم الإسلامي نقابتين: نقابة الفراعنة والأكاسرة، ونقابة الكهنة، والكهنة هنا من يرتدون ثوب الدين، ونسميهم الإعلاميين والمثقفين، لماذا؟ من أجل احتكار السلطة والثروة، ووأد أي نوع من العطاء والإبداع والفكر، وطبعًا هذا يؤدي إلى انهيار الحضارة، وهذا ما حدث مع الحضارة الإسلامية فانهارت.

وما أشبهنا اليوم بقوم موسى عليه السلام سيدنا موسى يخاطب فرعون يقول له أيه: (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ)، فحين أراد الله أن يمن على الذين استضعفوا في الأرض أشار إلى موسى عليه السلام بأمرين، الأول أخذهم إلى سيناء ومنحهم الأرض وأمرهم أن يبنوا ملكهم، فما كان منهم إلا أن أجابوه إجابة العبيد متعللين بالـ" الخوف"، فقالوا (إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ).

ونحن كذلك نشبههم في السلبية المطلقة فتجدنا نتعلل بالشكوى للأمم المتحدة، الاتحاد الأوروبي، الشرعية الدولية كأننا نعيد قولتهم؟ (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)، فما العمل مع تلك النفسية؟ إصلاح عقيدي و فكري، وإصلاح تربوي، العقيدة الفكرية تجدها في الكتب المقدسة" أتيناه الألواح فيها من كل شيء"، وهو نفس ما قيل عن القرآن الكريم (مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ) مع حاشية في غاية الأهمية، (وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا) بأفضل فهم، بفهم متكامل وليس انتقائي، لذلك يحذر القرآن من أن نأخذ ببعض الكتاب ونكفر ببعض.

من الجائز أن أعرف الشئ الصحيح ولا أقوم به، تربيتي ووجداني ليس متسايرا مع عقلي، ولذلك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا"، بمعنى أن كلاهما يتغير توجههم إلى ما هو أفضل، من كفر أو من وثنية إلى الإسلام، فماذا فعل الله سبحانه وتعالى مع بني إسرائيل؟ أربعين سنة يتيهون في الأرض، أخذهم على الصحراء أحرار، لا اضطهاد ولا قهر، ولا إملاء، قناعة وتقبل، بعدها غلب داود جالوت (كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً).

وإذا أتينا لقضية التغيير فأنا أعتقد أن الأنظمة القائمة هي ثمرة نوعية الإنسان الذي يحيا في ظلها، والحل لم يعد في حدوث الانقلابات فقد رأينا العديد من الانقلابات وكلما جاءت أمة لعنت أختها، ونكتشف في النهاية أننا كما يقولون خرجنا من حفرة لنقع في أخرى.

فمنذ أن كتب الكواكبي كتابه الشهير "طبائع الاستبداد" والحالة تسير من سئ إلى أسوأ .لماذا؟ لأن هناك إرباك في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية على كافة الأصعدة، فمن الصعب أن تبني طموحك على عملية تغيير الأنظمة لا تغيير الإنسان نفسه الذي يعيش في ظل الأنظمة، فالمسألة ليست مسألة موارد طبيعية أو غيرها فاليابان لا تقارن بتعداد العرب والمسلمين، وأراضيها ثمانين بالمائة منها جبلية ورغم ذلك فناتجها القومي يفوق البلدان العربية أحد عشر مرة.

هنا يبين لك أن المحك هو الإنسان نفسه وإرادته في التقدم، فاليابان قبلت التحدي مع الغرب بعد المسلمون بستين عاما، فالعثمانيون بدأوا مشروع النهضة قبلهم وأنظر الفارق بين حالنا وحالهم.

اليابان أصبحت تفوق الغرب نفسه في إمكاناتها، طبعًا هذا لا يعني أننا نستطيع أن نكون مثلها، لسبب بسيط اليابان مثلاً في القومية، هم ماديون مثل الغرب لهم نفس المنظور الكوني، أشد عنصرية من الغرب، فهم بالتالي رؤيتهم الكونية نفس الرؤية، فانطلقوا بكل قوة، نحن رؤيتنا ليست الرؤية المادية، في نفس الوقت رؤية مشوهة، فليس لدينا ما يحركنا من الداخل، فنحن ننظر إلى إنتاجهم وننبهر به ورضينا أن نكون أمة مستهلكة، وعاجزة لا تفعل شيء.

وليست مشكلتنا الآن في أن نقلهم فنحن قلدناهم في كل شئ ولم ننجح، ولدينا نموذجين لدعوات التجديد أحدهما يحفظ النصوص القديمة للفقهاء ويدعو للعيش في الماضي، والأخر يدعو للتغريب انبهارا بالغرب ، وهو بين هذا وذاك إنسان عاطل لا يقدم شيئا.

فلا بد للتغيير من استعادة رؤيتنا الكونية، وليكن سؤالنا بسيطا كيف نستطيع أن نوفر احتياجاتنا الأساسية وهي الأكل، والشرب، والإنجاب، ثم كيف نفعل ذلك بطريقة لا تتعارض مع قيمنا الإسلامية، لذلك تقول الآية الكريمة ( قل للذين آمنوا وعملوا الصالحات من ذكرى وأنثى لنحيينهم حياة طيبة ولنجزينهم بأحسن ما كانوا يعملون).

- هل تعتقد أن الحل يكمن فيما يلوح به البعض من القطيعة مع الموروث الثقافي والديني؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: لا ليس الحل في أن نتنكر لموروثنا الثقافي وإنما أن نميز فيه بين الغث والسمين، فليس صحيحًا أن السنة تنسخ القرآن أو تضيف إلى القرآن، أو تعبث بأي شيء فيه، فهذا كتاب محفوظ ومتكامل ولكل زمان ومكان، (ما فرطنا في الكتاب من شيء)، (أحكمت آياته)، (تبيانًا لكل شيء)؛ وإنما هي شارحة لمبهمه ومفصلة لمجمله، فلم يأتي في القرآن الكريم تفصيلا لركني القرآن الصلاة والزكاة فأمرنا الله أن نأخذهما عن النبي صلى الله عليه وسلم في آيتين الأولى: (أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ)، والآية الثانية: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) فالصلاة والزكاة تأخذهما من تصرفات الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والصلاة والزكاة هي سنن متواترة، جمع عن جمع لا يقبل الكذب.

فما هي إذن قضية الحكمة؟ فلو قيل لنا أن القرآن نزل كتابًا بكل هذه القيم والمفاهيم السامية إلى آخره، كان سيقال عليه "مدينة فاضلة" ولكن عندما طبق في واقع الإنسان أقام الحجة أن هذا ليس مثاليًا، ولذلك من بعد العهد النبوي ستكون مقاربة مع النموذج النبوي في تحقيق أهدافه في الزمان والمكان، فهي الحكمة "التنزيل" وعلينا أن نأخذ باستمرار من تاريخنا حكمة التنزيل على الزمان والمكان، وأما عدم مراعاة الزمان والمكان فهو بمثابة هدم للقرآن الكريم نفسه.

الحدود هي سقف العقوبة وليست كل الشريعة (2-2)
محاولة البعض احتكار السلطة والثروة هي السبب فيما وصلنا إليه

في الجزء الأول من حواره مع أون إسلام.نت تحدث د. عبد الحميد أبو سليمان رئيس المعهد العالمي للفكر الإسلامي عن رؤيته لإمكانية الإصلاح من أوضاع المجتمعات الإسلامية من خلال إستلهام روح وقيم الشريعة الإسلامية، دعى أبو سليمان إلى عدم الاغترار بما يسمى بظاهرة العودة إلى الدين في الغرب مؤكدا على أنها لا تعدو محاولة لتجييش الغرب في مواجهة الآخر لاسيما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.

-أهم المقولات-
*أبو سليمان: ما وصلنا إلية نتيجة لمحاولة دائبة من البعض لإحتكار السلطة والثروة.

*لا يجب أن يغيب البعد الاجتماعي عند محاولة استنباط مقاصد الشريعة.

*بعض البلدان إذا أرادت تخويف المجتمعات من الإسلام أثارت قضية الحدود.

*الحدود هي سقف العقوبة وليست عقوبة يؤخذ بها دائما.

*للأمة أن تعاقب بما تراه مانع للجريمة، ويحقق أمن المجتمع.

*بداية الانحدار الإسلامي جاءت مع تغيير القاعدة السياسية، واعتبار القبائل هم جيش الفتح.

*حوار الأديان يسير في الإتجاة الخاطىء لأن الغرب لا يدين بغير مبادىء الليبرالية.


كذلك أكد على ضرورة ألا نقرأ ما يجري لدى الآخر من خلال ثقافتنا ومفاهيمنا الخاصة لأن الآخر أغفل الثنائية في طبيعته بين الروح والمادة، وانتصر فيها للجانب المادي على الجانب الروحي، وأن هذا هو ما أدى به إلى هذه الثقافة الحيوانية، في حين يوازن المسلم في طبيعته ما بين الروح والمادة ولا يستطيع أن يعدو بعيدا عن دينه، لذلك فنحن من قرر العودة إلى الدين بعد أن رأى خلاصة في الرجوع إليه.

أشار كذلك إلى أن هناك فارق جوهري في الثقافة السياسية بين الشرق الإسلامي والغرب، وهو فارق يتناغم مع طبيعة الثقافات المسيطرة على كلا الطرفين، ففي حين يجعل الإسلام من "العدل" القاعدة التي ينطلق منها في إرساء قواعد السياسة الإسلامية، فإن الغرب يجعل من "البقاء للأقوى" بمثابة قاعدة أخلاقية لممارساته السياسية.

ونستكمل في الجزء الثاني من هذا الحوار حديثنا مع د. أبو سليمان عن العلاقة ما بين ضوابط العقيدة وحرية الفكر، وعن رؤيته لإمكانية إعادة النظر في تطبيق الحدود مثل حد الردة، وما إذا كانت الإساءة إلى المقدسات الدينية تدخل ضمن إطار هذه الحريات.

فإلى نص الحوار:

رؤية لتطبيق حدود الشريعة

فضيلة الدكتور أنتم قدمتم تطوافة متعلقة بالخطاب الإسلامي في علاقته بالتصورات الكلية الأساسية التي يصدر عنها بشكل أو بآخر، لكن في الحقيقة يثار إشكال فيما يتعلق بمسألة العلاقة بين فكرة الحرية وفكرة الاعتقاد، وهو تقديم الدين باعتباره حدود وضوابط وقيود للإنسان، بمعنى أنه يقدم من مدخل فقهي جزئي يتساءل حول حدود الفعل، وليس دافعًا لفكرة الاستخلاف بشكل أو بآخر، أو دافعًا لحركة الإنسان في إعمار الكون، وأصبح لدينا اعتقاد بأن هذا الخطاب هو خطاب جزئي شعائري شكلاني، يحاول أن يضبط حركة وتصرف الإنسان في كل فعل، وليس دافعًا بمدخل قيمي ومفاهيمي إلى أنه يتحرك في هذا الكون لإعماره والقيام بواجب الاستخلاف.

- كيف ترى هذا الإشكال لأنه يرتبط أيضا بفكرة الحرية بشكل أو بآخر؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: لم نصل إلى ما وصلنا إليه إلا بسبب واحد، هو حدوث انحرافات كثيرة كلها لمصلحة الصفوة لقهر إرادة الأمة، واحتكار السلطة والثروة، أما المنهج الإسلامي فلا خلل فيه، فطيلة حياتي كانت أية مشكلة تواجهني تختص بالإسلام اعتبرها إشكالية وليست مشكلة، فلم يخطر في ذهني للحظة أن في الإسلام خلل.

فإذا رأيت مفهوما لا يتسق مع الفطرة تبدو لي كمشكلة في حاجة إلى حل فأستفتي قلبي كما أمر النبي (استفتي قلبك لو أفتاك الناس وأفتوك)، والسبب في توجهي هذا هو إعجابي بابن حزم الأندلسي الذي وجه عقلي إلى أهمية أن يصل المرء إلى الإيمان بواسطة العقل وليس فقط عن طريق المعجزات، فعندما نزلت آية (وَانشَقَّ القَمَرُ)، جاء في أحد أحاديث الآحاد أن البعض تصور أن هذا نصف القمر بعد الانشقاق وبالطبع هذا كلام لا يقبله عقل.

فكنت أقول أن النبي يجب أن يقدم لي ما يلزمني بنبوته، وكنت بالطبع أعرف تاريخ حياة النبي وأنه نشأ في قرية بسيطة، ليس فيها مكتبات، ولا فلسفات، وكان إنسان بسيط يرعى أو يتاجر لم يتولى أي منصب أو خبرة إدارية في إدارة مكة أصلاً وعندما وصل إلى الأربعين كان قد أصبح زوجا وأبا، وهذا يعني أنه قد مر بكل التغيرات اللي يمكن أن تحدث للإنسان فتثير فيه الطموحات، ورغم ذلك ما عرف عنه إلا إنه صادق وأمين.

يقف وهو في تلك السن على هضبة الصفا وينادي في قريش: أرأيتم لو أخبرتكم أن جيش يأتي من خلف هذا الجبل، أمصدقي أنتم؟ قالوا: بلى ما جربنا عليك الكذب، يقول لهم: أنا رسول، لم يكن معقولا لي أن بشرا عاديا يخفي طموحاته كل هذا الوقت ليقيم الحجة على خصومه، فبعد كل هذا الوقت الأقرب للطبيعي أن يبدأ المرء في نسيان طموحه لا أن يقرر المواجهة، ثم إنسان بهذه البساطة في هذه البيئة كيف يصبح أفضل قائد عسكري، وأفضل قائد سياسي، وأفضل قاضي، وأفضل فيلسوف، وأفضل، وأفضل إلخ..

الحقيقة أنني وضعت أمامي ثلاث مقاييس لتقبل الدين:

الأول.. أن تكون الرسالة موثقة، فكل الأديان ما قبل الإسلام موثقة، وهذا شأن الإسلام فالقرآن الكريم موثق، وما يثار من محاولات تشكيك ليست سوى لغط وكلام فارغ، القرآن الكريم أنزل على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ودون، ثم جمعه أقرب الناس إليه أبو بكر ـ رضي الله عنه ـ وبحضور الصحابة من القُراء والحفاظ، ثم كتبه عثمان ووضع عليه الشكل في كل اللهجات الممكنة وفي حضور كل أصحاب رسول الله حوله، وحفاظه، وقبلوه، الآن يستطيع القراء -الذي نسميهم الحفاظ- أنه يروونه رواية شفوية متصلة إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ورغم ذلك فلا زال هناك من يشككون فيه، ويحاولون إثارة الفتنة، كانوا وما يزالون وسيظلون.

أما الشيء الثالث: أن الذين رأوا النبي وصدقوه وعانوا معه برهنوا على أنهم قيادات وعقول نيرة، وليسوا بلهاء أو مجموعة دراويش، فإذا لم يكونوا قد رأوا فيه ما دلهم على نبوته ما آمنوا به .. فهو بالتأكيد صاحب رسالة موثقة تحضني على الخير.

وكثيرا ما تساءلت عن الغاية من الأحكام الشرعية فلم يغب عن خلدي البعد الاجتماعي للفاحشة ولذلك جاء قولم تعالى(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا)، فإذا فعلت الفاحشة فأنت قد آذيت المجتمع. فالعقوبة ليست للفعل وإنما لإيذاء المجتمع.

لذلك عندما يخطئ الإنسان خاصة فيما يتعلق بالجرائم التي تتعلق بالطبيعة الإنسانية، فيقال لك (تُب، استغفر، لا تجهر)،لذلك يخبرنا النبي – صلى الله عليه وسلم- عن أناس يخطئون فيجهرون بالمعصية فلا يغفر الله لهم، فهنا بين أن العقوبة لإيذاء المجتمع، ولذلك عندما يشهد ثلاثة فقط فلا يعتبروا ممثلين للمجتمع، فهم الذين أشاعوا، وهم الذين يعاقبون.

أما تصويرنا للعقوبات الإسلامية باعتبارها تنفيذ للحدود، فالسرقة يلزم عنها دائما قطع اليد ليس صحيح، لذلك نجد بعض البلاد الإسلامية إذا أرادوا أن يخوفوا الناس من الإسلام يثيروا قضية الحدود، فيقولون لك أنهم معجبون بالإسلام ولكن بدون حدود.

وعندما تنظر لتطبيقات الحدود في التاريخ الإسلامي سواء في عهد النبي أو صحابته تدرك أن الأمر لا يأخذ هكذا على عواهنه؛ ثم أن تكملة الآية التي ورد فيها حد السرقة تفيد بأن من تاب تاب الله عليه؛ ولذلك لما جاء أحدهم إلى سيدنا عمر ـ رضي الله عنه ـ بشاب سرق، قال عمر- أسرقت؟ قل لا، فتركه، لأنه عرف أنه لن يعود إليها.

فالحدود هي سقف العقوبة وليست عقوبة يؤخذ بها دائما، ولك أن تأخذ بما تراه مناسبًا لمنع الجريمة إلى حد العفو في القتل، الحد هو القصاص، ويطلب منك العفو، إذن الحدود هي سقف العقوبة ولك أن تفعل ما يحفظ الأمن إلى حد العفو.

خلاصة القول أن للأمة أن تعاقب بما تراه مانع للجريمة، ويؤدي إلى أمن المجتمع، بحد أعلى هو الحدود، ولكن لهم أن يشرعوا إلى حد العفو إذا أمنوا عدم تكرار الجريمة؛ هذا الفهم مغفول عنه فحتى في الغرب الذين يعتبرون أنفسهم نموذج الحضارة الإنسانية الأول، تجدهم في ولاية يطبقون عقوبة الإعدام، وفي ولاية أخري يرفضون تطبيقها، فالوضع هناك يختلف عنا هنا، يضع عقوبة الإعدام الوضع يتحسن يزيلونها، وإذا ساءت الأمور يعيدونها.

فإذن.. فنحن هنا في مسألة نظام العقوبات لم نتنكر للقرآن الكريم، ولا للسنة النبوية، ولا للتطبيقات، ولكن نريد تفعيل النظام الذي لكل زمان ومكان، بحيث يؤدي قصده لمنع الجريمة والسيطرة عليها.

فهناك مفاهيم كثيرة راسخة لدى المسلمين في حاجة إلى مراجعة لاسيما فيما يتعلق بالحريات، ولابد وأن نتبنى مفهوم الإمام الشافعي في لغة الحوار الذي كان يقول أن رأيي صوابا يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

- هل يدخل حد الردة ضمن هذه الحدود التي تقع ضمن إطار ضرورة إعادة النظر في فهم طريقة تفعيل الحدود؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: علينا أولاً أن نفهم ما هي قضية الردة؟ فمن الصعب على من يؤمن بالله ويدرك مقاصد الخير وأوامره في الإسلام، والمسئولية في الدار الآخرة أن يتركه إلى دين آخر.

فالحد في التاريخ الإسلامي كما طبقه النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته كان مرتبطا بمفهوم التآمر على المسلمين ومحاربتهم، أي أنهم كانوا يأخذون بحد الحرابة وليس لأنهم انصرفوا على الإسلام، وبذلك ننفي التعارض الظاهر بين فكرة الحد وبين الآيات التي تؤكد على الحرية الدينية، كقوله تعالى (أأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين) ولنتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قادرا على اليهود والنصارى فلم يرغمهم على الإسلام، وقادرا على المجوس في البحرين أو ما يسمى المنطقة الشرقية ولم يرغمهم على الإسلام.

فعندما تأتي إلى سورة "براءة" تصفهم بأنهم ليس لهم إلا ولا ذمة، كلما عاهدوا عهدًا نقضوه، تشعر أن الالتزام عندهم ليس له وجود، فهم أشبة بطفل غير راشد ترغمه على أخذ الدواء فلا تسأله رأيه، أما الراشد فلا تستطيع إرغامه لأنه راشد.

فلابد إذن من أخذ هذا المجتمع من الهمجية والبدائية والقصور الإنساني إلى أول درجات التحضر وحس الالتزام، ولذلك عندما قالوا (آمنا) قال لهم الإيمان مسألة مختلفة أنتم لم تدركوها بعد، ولكن (قولوا أسلمنا)، ويمكننا أن نعتبر قتال الصحابة أيام الفتوحات الإسلامية وقبلها حروب الردة كان قتالا من أجل الوصول بهم إلى حالة الرشد تلك.

ننتهي إلى أن الحرية الدينية قضية مكفولة، ولكن علينا أن نحسن الدعوة، ولذلك (وجادلهم بالتي هي أحسن) وفرق صلى الله عليه وسلم بين الدعوة والدولة، فالدعوة دائما بالكلمة الطيبة. ولذلك التعليم الديني في تصوري أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان دائما عندما يخطب يقرأ القرآن، أو يقدم قضايا مفاهيمية كما في حجة الوداع، أما في الدولة فهناك قطع اليد، وغيره من الحدود.. إلخ.

فكان يجب أن يفصل الاثنين عن بعضهما، ولذلك الدعوة يجب أن تأتي من الدعاة وتأتي من قناعة الأمة، وإقامة قناعة ليس فيها أي قهر ولا إرغام، وهذا هو ما يمكن أن يصلح النظام السياسي؛ النظام السياسي يجب أن يتعلق بالحياة العامة وليس الخاصة، الحياة الخاصة هذه متروكة للفرد، فمن حق المواطن أن يتزوج بالطريقة التي يريد سواء كانت إسلامية أم مسيحية

.إنما النظام السياسي يتعلق بنا جميعًٍا مسلم وغير مسلم في المجتمع، وليس بالضرورة أن يكون المجتمع كله مسلم لكي يقوم حول العدالة، والمساواة، وعدم الفساد، وحول سياسات تنمية إلى آخره، فالجميع يتفق على هذه الأمور، لكنها بالنسبة للمسلم تنبع من الالتزام الديني، فهنا يأتي النظام السياسي الصحيح الذي كان يجب أن يفصل بين ثلاثة أدوار.

فلا يجب للنظام السياسي أن يتحدث باسم المقدس، لأنه سيكتسب صفة القداسة وهو بالتالي لا يخطئ، وما دام لا يمكن للنظام أن يخطئ فلن يكون هناك تداول ولا تعدد، ولا بد أن ينتهي إلى استبداد وفساد، وهذه معادلة لا نستطيع حلها إلى الآن، فالحرية وحقوق التعبير في الإسلام مكفولة للجميع ولا ينبغي التعدي عليها.

الثقافة الغربية بين الحرية والحيوانية

- هل تدخل الإساءة إلى المقدسات ضمن هذه الحقوق والحريات يا فضيلة الدكتور؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: لا. وإنما فيما هو صحيح وصواب ويتفق مع المصلحة، حتى لو أن أحدهم قال: من حقي أن أقتل نفسي نقول له هذا ليس من حقك.

- لو تكلمنا عن المقابلة بين ما اتفقنا على تسميته بالحرية والحيوانية، هذا المساران المتقابلان، هل تعتقد أن محك التمييز بينهما هو الإساءة للمقدس؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: نأتي لفكرة حرية التعبير، أي محاولة لأن نجعل هناك قيد اعتباطي لحرية التعبير سيؤدي إلى الاستبداد، السؤال كيف نوفق بين حرية التعبير وما نسميه عدم الإفساد؟ وتتضمن عدم التعدي على بعض الأمور.. فهناك ضمانتان: الأولى: التربية، عندما تربي الإنسان على معرفة ما هو حق وما هو صواب، وعلى القيم، سيعرف بطبيعته ما هو حق وصواب، ويكون الخطأ منه نشازا.

هنا كيف نواجه النشاز؟ عن طريق شورى الأمة، شورى الأمة هي التي تقرر رفض هذا النشاز من الناحية القانونية والقضاء من الناحية التنفيذية هم اللذان يحكمان بأن هذا الشيء لا يقبله المجتمع، ولا يقره وأن فيه إما أذى بأمن المجتمع، أو بمقدسات الآخرين بشكل من الأشكال.. وهنا التعبير أيضًا يجب أن يكون من خلال التربية بالدرجة الأولى، لأنه يجعل من نفسك وازعًا وضابطًا، لابد أن نجعل لبعض الأشياء إشارة حمراء، ونعلم الناس كيف يلتزمون بقانون الإشارات؛ بالطبع ستبقى هناك استثناءات ولكن يمكن ضبطها، ولكن لو أن الجميع قرروا عدم احترامها يستحيل عليك أن تنفذها، فالتربية هي الأساس في ضمان حرية التعبير بما لا يؤذي المجتمع ويضره.

ثانيا: يجب أن يكون تقرير ما هو محظور يرجع إلى شورى الجماعة، وأن يكون القضاء المستقل هو الذي يحكم بوقوع التعدي من عدمه.

وهناك مسألة ثانية في غاية الأهمية، وهي بعض المفكرين مثل سلمان رشدي ومن سار في طريقه، فما قاله رشدي ليس بجديد، ونوقش وكتب فيه من قبل المستشرقين وسواهم، والقرآن الكريم نفسه أتى بكثير من الشبهات وكثير من الدعاوى ورد عليها، لكن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ هدد بالقتل الذين استخدموا الشعر لإحياء بقايا الدم بين القبائل من خلال الاتهام وإشاعة الأكاذيب، فعندما يكتب كتاب وتلقي فيه بعض التهم والأكاذيب، فالذي يقرأه يحاكمه عقلاً، ويرد عليه، ومن خلال الحوار تتضح الصورة الصحيحة من الخاطئة.

لكننا لا زلنا نتذكر شاعر مثل الفرزدق في البيت الذي يقول فيه

قوم إذا استنبح الضياف كلبهم.... قالوا لأمهم بولي على النار.

طبعًا من الواضح صورة البخل الفظيع، فالكلب ينبح عندما يرى ضيف قادم، فحتى لا يعرف الضيف موقعهم فيأتي ويطعموه، فيطلبوا من أمهم أن تطفأ النار ببولها شحًا، فعلى الرغم من أن الفرزدق مات من أكثر من ألف سنة، فما زلنا نذكر هذه الأبيات .

فمن خلال الفن تثار قضية الفرد فيها لا يستخدم عقله، فتلصق بالآخر هذه التهمة في العقل الواعي والعقل غير الواعي، هنا هذه جريمة، ليست قضية محاكمة في أمر خطأ أو صواب، هذا العمل يجب أن يكون محظور، فأنا اذكر في لقاء كان لرئيس وزراء البرتغال الأسبق، جاء في مهمة تتعلق بالأمم المتحدة والحقوق وأثيرت بعض القضايا، منها قضية الكاريكاتير الدانمركي الذي صور الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ والمقدس لدينا كمسلمين. فالكاريكاتير كان يصور بصورة بشعة ما يعتقد أنه متناقضات في شخص النبي المعصوم فيقوم بتجسيدها، بالطبع ليس الحل في أن نرسم كاريكاتير مناظر لصاحب العمل لأنه إنسان بلا قيمة فهولا يمثل شيئا.

هنا يرتكب جريمة من خلال الفن، نفس الشيء بالنسبة لـ سلمان رشدي الذي هاجم المقدسات الإسلامية في روايته، والرواية كعمل فني تأخذك من خلال ما يسمونه الحبكة بعقلك الواعي وغير الواعي للتصديق بالقضية المطروحة، وتعتبر ما قاله مسلمًا.

الأمر الثاني: هو شورى الأمة، فشورى الأمة تمثل الرأي العام، والقناعة العامة، وللقناعة العامة أهميتها الكبيرة، فإذا كانت مبنية على تربية جيدة، فسوف يكون تشريعها أيضًا جيد، أما إذا كانت تربية سيئة يكون تشريعها سيئ، فبدلا من أن يهتم المواطنون العاديون بالتشريع، والدولة وما قامت به، والأنظمة عندنا لا تكترث لمطالب الشعوب، فيجب عليهم الاهتمام بعمليات التعليم، والتربية، وتوعية الوالدين لأبنائهم، ونصحح بها عيوب تكوين شخصياتنا.

أيضًا فيما يختص بالدول الأخرى والحضارات الأخرى في الموقف معنا فإن لديهم دوافعهم السياسية، وقد أدى ضعفنا في نظرهم إلى عدم احترامهم لنا، فيعملون على استغلالنا ومعاملتنا على نحو غير إنساني، فالقضية ليست خلافا حول ما هو صواب وما هو خاطئ، ولكن نحن بالنسبة لهم فريسة تستخدم كل الوسائل الممكنة للنيل منها.

القضية هي محاولة الأقوى السيطرة على الأضعف، لكن ما نقوم به من احتجاجات ليس سوى معالجة لمظاهر الإشكالية ومضاعفاتها وليس جوهرها، وهذا يفسر لك إصغاء المنظمات والهيئات الدولية لمطالب أمريكا وإسرائيل في حين أنهم لا يكترثون لمطالبنا والنتيجة هي ضياع الأرض. خلاصة القول أنه ليس هناك وسيلة للتغلب على مشكلاتنا دون أن نعالج قصورنا.

- حقيقة يا دكتور حضرتك عالجت النقطة الأولى، وهي معالم الانحراف في التاريخ الإسلامي التي أدت إلى ما نحن عليه، لكن نحب أن نعرف كيف عالجت هذه القضايا في مؤلفاتك المختلفة؟

قديما كنت قد كتبت بعض الكتب، وليس كل ما كتبته دفاعا عن الإسلام، إنما كما قلت لك كنت أكتب بعض الصفحات عن قناعة بقيمة الإسلام، فكانت كل محاولاتي هي في سبيل الفهم، كتبت كتاب اسمه "أزمة العقل المسلم" أتساءل فيه عما حدث لهذا العقل وأدى إلى تحوله من ذلك المبهر إلى هذا المفزع، والكتاب الثاني يدور حول أننا ما عاد يكفينا أن نعرف الصواب لكي نقوم، فلدينا قائمة طويلة من الواجبات ولكن تنقصنا الإرادة، فكتبت كتاب أسميته "أزمة الإرادة والوجدان" وهي تتعلق بالجانب التربوي.

أما الكتاب الثالث تحدثت فيه عن ضرورة أن يكون للإنسان غاية وهدف محدد من الحياة ليكون محرك له للفعل، وهذا أسميته كتاب "الرؤية الكونية الحضارية القرآنية" فإذا لم تعرف الغاية من وجودك في الحياة، فليس هناك ما يجعلك تقوم بمهمتك كإنسان في هذا الوجود.

بداية الانحدار الإسلامي

في بدايات العهد النبوي ـ عليه الصلاة والسلام ـ كان الحال يؤذن بقيام حضارة إنسانية- في هذا التوقيت على الأقل- لا زلنا نفاخر بها إلى الآن، لكن بعد ذلك متى بدأت معالم الانحدار تتضح؟.

د. عبد الحميد أبو سليمان: قلنا أن البداية جاءت من تغيير القاعدة السياسية، واعتبار القبائل هم جيش الفتح، ولم يلتفت أحد لهذه القضية، وهناك قصة تروى أن أحد جنود جيش معاوية الشوام تنازع وأحد جنود جيش علي ابن أبي طالب حول جمل فذهبوا للاحتكام عند معاوية، فقال الشامي يا معاوية هذا الجمل من حقي فقال له معاوية ولكن هذه ناقة وليست جمل، ثم قال له اذهب وأخبر علي بأني أتيته بمن لا يفرقون بين الناقة والجمل، فالبداية كانت في تغيير القاعدة السياسية.

ومع بداية العهد الأموي امتلأت الأجواء بالصراعات بين الجبرية والمعتزلة، إلى أن حدث في النهاية ما نسميه بالانفصام النكد بين القيادة الفكرية والقيادة السياسية، القيادة الفكرية أصبحت عاجزة لأنها لم يبقى لها تأثير في الحياة العامة، والقيادة السياسية ليس لها أي قاعدة فكرية، النتيجة أصبحت جاهلة، وكان لا بد من استقدام القهر في الحالتين.

فحين تطلب من الديني أن يحل أحد قضاياك يبحث عن أحد النصوص الدينية المرتبطة بظرف معين ويجتز تلك النصوص من سياقاتها الظرفية، ويلقي برأيه في وجهك فإما أن تقبله أو يخبرك بأنك من أهل جهنم، وانتهى الأمر إلى أن يقول الفقهاء وعلماء الدين ما يقولون ويفعل الناس ما يحبون وكلا في حاله.

أدى هذا إلى تطور العجز الفكري ومن ثم إلى انهيار مستمر وتمكين الاستبداد والتفتت، وعليه فإن المطلوب منا الآن هو استعادة ما نسميه بالحرية الفكرية، فنزول رسالة سيدنا محمد- صلى اله عليه وسلم- كانت لسببين في غاية الأهمية أولهما تنزيل المفاهيم على واقع الأمة لإقامة الحجة، فأتى إلى قوم ذهنهم خالي جدًّا، ليس لديهم حضارات ولا فلسفات ولا، ولا.. وبالتالي أمكن بكل سهولة أسلمة رجل مثل عمر ابن الخطاب رضي الله عنه بين عشية وضحاها، الشيء الآخر أنهم كانوا أحرار فقبلوا بقناعة.

الشيء الثالث: أن موقع الجزيرة كان موقع عجيب ومميز على اتصال بفارس وما وراءها، ومن طريق الشام على الرومان وما ورائهم، مصر وما ورائها، أفريقيا وما ورائها بطريق الحبشة، الهند وما ورائها، ولذلك في ثلاثين عام وصلت الدعوة إلى أسماع كل هذه الأمم، وبمفاهيم متميزة، وبنماذج جيدة، وتطبيق متميز. من هنا يجب إعادة النظر في جميع أحوالنا التي لا ترضينا بطبيعة الحال. فحالنا لا يتفق إطلاقًا مع ما يجب أن يكون وما كان، فيجب أن ننظر في كل أمر ونتحاور إلى أن نتبين الوجه الصحيح، لا يوجد شيء لا يقبل الحوار، بالحوار نستطيع أن ندرك الحقيقة.

سؤالي استفسار عن حال الأمة، هل من المنطقي أن هذه الأمة التي تحمل هذه البذرة الطيبة، التي يمكن على أساسها التغيير، تبقى طوال تاريخها في أزمة؟ وفي مؤخرة الأمم أو في قاعها في الوقت الذي تحمل فيه بذور النهوض والإصلاح؟، بينما تنمو أمم لا تحمل أية بذور، وتكون غالبًا في السبق، ما الحكمة في هذه الرؤية؟ كيف يحلل المسلم هذه الوضعية وفق رؤيته الكونية التي تطمئنه إلى ما تحمله حضارته من بذور للخير والنهوض؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: قبل ما نسميه القرن الثامن عشر، لا شك أن أوضاع المسلمين بكل ما فيها من قصور كانت أفضل ألف مرة مما كان عليه الهمج في أوروبا، وانهيار حضارتهم إلى آخره.

وللإجابة على سؤالك يجب أن نميز أولا معنى الحضارة. هل الحضارة هي مجرد القوة الظالمة الباطشة المدمرة؟ هل هذه هي الحضارة الإنسانية؟ إذا فهمنا المدلول الحقيقي للحضارة، فالغرب ليس متحضرا، قد يكون قويا لكنه ليس متحضرا بالمعنى الصحيح، الأمة الإسلامية رغم كل ما فيها من انحرافات، ومن تدني يظل في ضميرها أنها مخطئة، وأنها يجب أن تغير من نفسها، والنموذج الذي يريدون تحقيقه ليس مزيدا من القوة والقهر للآخرين، إنما إصلاح هذا النوع من العلاقات الإنسانية، فإذا أخذنا الحضارة بمدلولها الحقيقي في معنى الحياة الطيبة، في معنى الحياة التي تقوم على القيم والأهداف والمبادئ، فبالتأكيد تظل قاعدة الصلاح المربوطة بأن تحيي الأمة نفسها من جديد.

والخطاب الإسلامي ليس لقوم بعينهم، وإنما للإنسان ككل، فهذه قضية لا نخطئها، وإصلاحنا هو إصلاح الإنسان، فإذا أخذنا القضية على أنها انبهار بالقوة وبالقدرة وبالإنتاج المادي البحت، فبالتأكيد هم متحضرين ونحن متخلفين، إذا أخذناها بالمقياس الحضاري نحن على الأقل عندنا بذرة الحضارة، ضميرنا غير راضي، ضميرنا غير مقتنع، متأكدين أننا فاسدين

وأن هناك خلط وتلبيس في أدوار التربويين والمفكرين يجب إصلاحها وأن نعطيها مقامها.

- لكن أيهما بذل جهد أكبر في القضية الحقيقية وهي فيما نتصور "العمران" المسلم أم الآخر الغربي؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: إذا قلنا أن العمران هو أنه الأمريكي دخله كذا، وعنده كذا وكذا في الوقت الذي يدمر الشعوب في إفريقيا، ويدمر شعوب العالم الإسلامي، فإذا كانت هذه هي الحضارة أغنانا الله عنها.

لو أنك وجدت إنسان فقير ومعذب، يبذل نفسه في عمله، ومحدود التعليم، ويمتهن عملا بسيطا ومتواضع، لكنه إنسان يؤدي عمله ويخدم أمته إلى آخره، وعلى الجانب الأخر هناك مدير عام، صلف، متعجرف، ومرتشي، عنده قدرات، أيهما أكثر إنسانية المدير العام بما لديه من عمارات، والفاسد، المنحط، أم الموظف البسيط الذي يبذل في حدود قدراته كل ما يجب عليه، أيهما؟ بالتأكيد سيكون الموظف البسيط، فإذن المعيار ليس وجاهته الاجتماعية وليس غناه المادي.

- ربما نعني أن الكارثة في أننا لم نصبح في وضعية الموظف البسيط الشريف ولا بقينا في وضعية المدير؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: نعرف هذا وأغلب كلامنا يدل على أننا مرضى، لكننا على الأقل عارفين أننا مرضى في حاجة للعلاج، ويجب أن يستمر هذا الشعور حتى نتماثل للشفاء، وهذا أفضل شيء فينا، لكنه بالتأكيد دون البذرة، فلن تستطيع أن نحصل على تفاح إلا بالبذرة، لكن إذا وضعت البذرة في الكوب وتركت، لن يصبح لدينا حتى البذرة في هذه الحالة.

فنحن لا زلنا نحاسب أنفسنا، ونحاول أن نضع البذرة في تربتها، وهذا هو الجانب الجيد فينا، والجانب الذي يجعلنا مغضوب علينا عندهم.

- اعتقد فضيلتك أنه قد تحققت كلمة فضيلة الشيخ الشعراوي عندما قال أن الأمة الإسلامية تقدمت عندما تمسكت بدينها، والغرب عندما تخلى عن دينه، فهو المعيار أن نحن بعدنا عن الحضارة لأن نحن تخلينا عن دينا، لو عدنا لديننا تقدمنا، يعني هي المعيار مرتبط بتمسكنا بالدين، وكأني فهمت من كلام حضرتك أن المهمة الأساسية الآن هي إعادة صياغة الإنسان، وإعادة صياغة المجتمع وفقًا لأصول دينه.

د. عبد الحميد أبو سليمان: المهم الآن هو نعي حقيقة المقاصد القرآنية.

الأخلاق والثقافة هما المدخل الحقيقي للحضارة

- يعني إعادة صياغة الإنسان عقله ووجدانه وفقًا للرؤية الكونية القرآنية، وأنه من غير هذا أي محاولات لإصلاح ما تسميه المظاهر أو النتائج أو الأعراض كما يسميها الأطباء، هي في الآخر لم تعالج، فبالتالي المهمة الأساسية الآن هي مؤسسات الإصلاح، لأن دور المؤسسات التربوية والاجتماعية أن نحن نقوي ونعدم دورها سواء مدراس حضاناتـ وبيوت، والإعلام أيضًا أدوات صناعة المعاني يعني.

د. عبد الحميد أبو سليمان: في تنشئة الإنسان، وذلك واضح في كتابي بالذات "أزمة الإرادة والوجدان المسلم" التغيير لا يحدث بشكل إرادي، التغيير يحدث رغم أنف الإنسان، أي واحد عنده خيار أن يتغير أو لا يتغير لن يتغير، ويجب أن يكون مرغم على التغيير.

فالجهة الوحيدة في المجتمع التي تكون قادرة على التغيير وترغم عليه هم الوالدين، إذا أدركوا ما فيه مصلحة أبنائهم، وسيفعلون المطلوب منهم إذا عرفتهم كيف يفعلونه.

فوالدي كان له بعض العادات السيئة كالتدخين ورغم أنه لم يستطع أن يغير من نفسه، فإنه استطاع تغييري عندما كان دائم الشكوى من أثار التدخين السيئة، بعض الزملاء الأجانب ما كانوا يصدقون أنني من مكة، عندما سألتهم لماذا؟ قالوا لأنهم لم يسمعوا من فمي كلمة بذيئة، ففي مكة صفتين تاريخيتين إحداهما جيدة والأخرى بذيئة واحدة جيدة جدًّا تاريخيًا، ففي مكة الكلمة وعد، والوعد صعب جدًّا أن يحدث تراجع فيه، الذي أنشأ مكة سيدنا إسماعيل لم يميز كان صادق الوعد وكان رسولاً نبيًّا.

أما عن البذاءة فارجع إلى سيرة ابن هشام وانظر في أساليب التحاور بين مندوبين قريش وأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم. لقد استخدموا كلمات وتعبيرات تدل على أنها صفة قديمة لديهم.

كيف حدث هذا لأن والدتي كانت ابنة رجل صالح، والوالد الله يرحمه رغم أنه كان أمي، لكن كان دائمًا يحضر دروس الحرم بين المغرب والعشاء في الحرم المكي.

فما سمعت كلمة بذيئة في البيت إطلاقًا، أما ما يجري في السوق فأنا أعرفه جميعه عن ظهر قلب، فوالدي كان نجارا، فأكون عنده في الورشة من بعد الظهر إلى المغرب، فأعرف لغة الحوار في الأسواق، وسوق مكة في ذلك الوقت على الأقل بذاءة لا حد لها، فكيف أنني لا تطلع من فمي كلمة بذيئة، لأنه ما كانت تلقى في البيت كلمة بذيئة إطلاقًا، الوالدة رحمها الله كانت لينة الطبع قليلة الاعتراض، فلم تكن تبدي اعتراض إلا عندما كانت تبدر منه لفظة غير لائقة أثناء العشاء. أذكر أنني في إحدى المرات تعاركت مع إحدى أخواتي، فقلت لها يا بنت الكلب، فحين سمعتني الوالدة لم توبخني ولا عاقبتني، ولكني رأيتها كأن مصيبة نزلت بها من السماء إلى الأرض، فبعدها لم تخرج من فمي، فالوالدين لهم دور بالغ في التربية الخلقية، كلنا نسمع الخطباء في المساجد يؤكدون أن الكذب حرام.

لكن مع الأسف فإن أغلب المسلمون اليوم كذابون إلا من رحم ربي، لكن الغربيون فيما بينهم يكرهون الكذب جدًّا، ونحن جميعا رأينا ما حدث للحزب الجمهوري ثمنا لكذبة بوش، كيف يحدث هذا؟ قضية في منتهى البساطة، أنتم تعرفون قصة العبد الجاهل، لذلك يقال عدو عاقل خير من صديق جاهل، أو هو كالدب الذي أراد أن يقتل الذبابة من على رأس صاحبه فقتل صاحبه و هربت الذبابة، فنحن للأسف أصبحنا من هذا النوع.

فالقضية بسيطة جدًّا، الغربيون يقرأون، ومما يذكر أن الأمريكي يقرأ اثنا عشر كتابًا في العام، والأوروبي ستة كتب في السنة، بينما يقرأ العربي نصف صفحة في السنة.

فالغربي عندما يخطئ يعاقبه والده من خلال التربية، ويفهمه الخطأ، فيحاول الطفل ألا يعود إليها ثانية، حتى لو عاقبه فعقابه المحتمل يكون من قبيل اطلع الغرفة، أو لا يعطيه مصروفه أسبوع، أو يمنعه من الخروج للفسحة معهم، فتصبح لدى الطفل الشجاعة أن يعترف عندما يخطئ.

أما في ثقافتنا فنقول (للمعلم لك اللحم ولنا العظم)، إذا أحطأ اضربه حتى لا يكررها، ولكن الطفل لم يفهم فيما أخطأ فيكرر الفعل، ولكن يضيف عليه آلية حماية نفسه من النتيجة، فإذا أردت أن تجعل طفلك سويا في تصرفاته فعلمه الصدق مع نفسه ومع الآخرين من خلال التربية الواعية، كي لا يصبح كذابا في الكبر، أما حالنا الآن فقد أصبحنا نستسيغ كذب السياسيين ونعتبره أمرا طبيعي.

وعليه فإذا عرف الآباء كيف يربون أبناءهم علمنا كيف ننشئ طفلا بقيم جيدة، وأنا أخبرك أنني صاحب تجربة شخصية في هذا، ففد استطعنا العزل بين قيمنا وبين المحيط الاجتماعي الذي نعيش فيه، فأنا أخطأت ذات مرة وناديت ابنتي بحمارة فوجدتها غضبت غضبا شديدا، فاعتذرت لها وأخبرتها أنني أعتبر نفسي في بيتي "أوف جارد" كما يقولون، لا يفترض بي أن أعمل حسابا لأحد، أما في الخارج فأنا مضطر لأن أكون منضبطا في علاقتي مع الآخرين.

فأنا لست على استعداد للتفكير كيف يجب أن أتعامل مع أبنائي، لكن أنا أعمل حساب كيف أتحدث مع أحد أصدقائي أو أخي، أو أي شخص خارج محيطي الأسري، لكن عندما أعاملك على سجيتي فأنت عندئذ صديقتي، وإذا رفضت صداقتي وأن أكون معك على طبيعتي فحينها كأني لست بأبيك ولست بصديقتي، فأنا أتفاهم مع أبنائي بهذه الطريقة.

أعود إلى أن الوالدين عندهم القدرة على التأثير في أطفالهم ضد كل شيء بما في ذلك الإعلام، لكن علينا أن نعرف كيف؟، ولذلك أذكر أني قلت في إحدى المناسبات أن الوحيد الذي تسمعه كل الأمة هو خطيب الجمعة، فعلى خطباء الجمع أن يحصلوا على دبلومات في التربية، وأن نعلم الوالدين كيف يربوا أبناءهم، فليس يكفي أن يخبرهم بأن الكذب حرام، لكن أن يعلمه كيف لا يكذب، والذي لا يفعل هذا أنا أعتبره مذنب.

ويجب على الدولة، وعلى المؤسسات، وعلى الدعاة إذا أرادوا حقيقة أن يؤثروا في الأمة،أن يهتموا بخطباء الجمع، وأن نعلمهم كيف يرشدون الوالدين لتربية أبنائهم. من هنا نعود لنقول أن الوحيدين الذين يرغمون على التغيير وخدمة التغيير هم الوالدين، فإذا لم نعطي الاهتمام الكافي للوالدين والأسرة، لن يحدث تغيير،فالأنظمة مهمتها المحافظة على الأوضاع القائمة وليس تغييرها، وغير ذلك فهم خاطئ فلابد أن نتغير من الداخل.



- فضيلة الدكتور أنت قدمت نفقين حضاريين: نسق شرقي قيمي، ونسق غربي حياتي، وقلت أنه لو أن هناك علاقة ما بين الشرق والغرب فيجب أن تكون علاقة الدب بالفيل وليس الذئب بالماعز، وهذه حالة صراع، لكن لو أننا نتطلع إلى حالة من الحوار الإنساني، كيف ندير هذه الحالة، وما هي ملامحها، ومن أين يمكن أن ننطلق؟

د. عبد الحميد أبو سليمان: كما قلنا أن الواقع ليس هو أن نتساءل ماذا نحن؟، وإنما كيف نحافظ على قيمنا الإنسانية؟، فأنا لا أرضى أن أرى المسلم بصورة حيوانية، حتى لو مع الغير وليس معي؛ وبالتالي يجب أن يكون الحوار، هو حوار حول القيم، وحول المفاهيم، حول ما هو صواب، وليست مسألة أنني على صواب وأنت على خطأ.

الشيء الثاني أن الحوار لا يجب أن يكون مع الأديان لأن كل الأديان مهمشة في العالم. ولكن الحوار يكون مع الليبرالية، لأن دين الغرب هو الليبرالية، وسياسات القوة والحرية الفردية المنفلتة التي هي "فوضوية" هنا تستطيع أن تبين له ما هو وجه الخطأ لدي، ولماذا يخطئ؟ وما هو الأفضل؟، ولذلك فأنا اعتقد أن دائرة حوار الأديان تدور في الاتجاة الخاطىء.

ولا يجب ألا تكون مهمة الحوار أن يتقبلني الآخر الغربي، أو أن يتعطف علينا، لا.. الحوار كيف نستطيع أن نطور حياتنا المشتركة إلى ما هو أفضل، لكن نحن نحيله إلى نوع من الاستعطاف. الواجب أن نقول له في صراحة عدل سياساتك، حتى لا يحدث رد فعل ليس في صالح كلا الطرفين، إذا كان الحوار سياسي.

ما يحدث في سائر المجتمعات وليست المجتمعات الإسلامية فقط أنه عندما يكون هناك سياسات خاطئة يكون هناك ردود فعل عنيفة من الراديكاليين، حدث هذا في إسبانيا و في أيرلندا، وفي سريلانكا وأمريكا الجنوبية، فلماذا لم يتحدث الإعلام العالمي عن الإرهاب الإسباني، ولا الإرهاب الأيرلندي، أو الإرهاب الأوروبي، أو الإرهاب المسيحي، أو الإرهاب الغربي؟.

فلماذا الحديث دائما عن الإرهاب الإسلامي؟، فما دامت سياساتك تسير في اتجاه خاطئ؛ فإن العناصر المضطهدة ستستخدم كل وسيلة حتى الدين، كسبب لها في صراعها معك، فإذا تغيرت سياساتك تغير موقف الآخر منك، على هذا النحو يمكن لهم أن يجدوا حلولا لمشكلاتهم مع طالبان، أو مع القاعدة، ولا تعول كثيرا على مسألة الإرهاب الإسلامي وهجمة الدين.

يجب أن ندرك طبيعة ما يجري ومن نحاور ولأي غرض؟، وأنا بذلك لا أرفض دعوى الوسطية والاعتدال وما إلى آخره، ولكن عندما يكون هناك هجوم علينا، لا يجب أن تكون وسيلتنا في الدفاع عن نفسي أقوال من قبيل "أنا معتدل"، "وأنا وسطي"، فأنا بذلك كأني أقول لك افعل بي ما تشاء فأنا لن أقاومك، فهذا لا يفيد غير أنه يمنعك من حق مشروع..هو المقاومة.

وأن نفرق بين المقاومة وبين العدوان والحل السياسي للمشاكل بالقوة، فيجب أن نكون واعيين لأبعاد كل المشاكل، حتى يدور حوار بناء يصلح حالهم ويصلح حالنا، ويوقف هذا النوع من انتهاك حرمات ويضيع حقوق الإنسان.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 3680


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.51/10 (33 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com