الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
دور الدين في التحولات السياسية في العالم العربي
دور الدين في التحولات السياسية في العالم العربي
08-15-2011 01:27
الدين والسياسة - د. محمد الخطيب *

مقدمة:
الباعث الديني في العالم يشكل مرجعية أساسية، وهي مرجعية أخلاقية وقيمية في الأساس قبل أن تكون سياسية، وفي إطار هذه المرجعية نجد عناوين تنطلق من الدين مثل ( الحرية والعدالة ومواجهة الاستبداد والظلم) وغيرها من المفاهيم التي شكلت باعثا لحركات التغيير والتجديد في العالم العربي.
وهذا الفهم الشعبي للدين المنطلق من القيم الإنسانية والأخلاقية إنشغل عنها – للأسف – الدعاة والسياسيون الإسلاميون لحساب الوصول الى السلطة .
ويمكن قراءة المشهد الديني وحضوره في التحولات السياسية الراهنة من زاوية أخرى، وهي أن حضـور الشعار الديني الـمباشر غاب تمـاما عن ساحات التغيير، فلم نسمـع مثلا مقولات ( الحكم للإسلام) أو ( الإسلام هو الحل)، وذلك لأن الثائرين في معركة التحول والتغيير مسلمون وهويتهم واحدة، ومطالبهم مرجعيتها الدين في قيمه وأخلاقه التي ذكرناها سابقاً.
إذاً، الدين، وليس ( التدين السياسي) كان حاضرا وبقوة في ميادين التغيير، وكان مشاركاً في التحولات السياسية الراهنة، ولكنه دين الناس الذي فهموه في إطار الحرية والعدالة والأخلاق، وليس الدين الذي اختزله البعض في السياسات فقط.
إننا ونحن نشاهد الثوار في ميدان التحرير بالقاهرة يصلّون صلاة الجمعة ويدعون الله النصر، دليل على وجود الدين في العقل الباطن لضمير الأمة، وهذا واضح في ليبيا واليمن وسوريا حيث نسمع صيحات التكبير والتهليل على ألسن الثائرين في كل مكان، وهو مشهد يجب على أصحاب التدين السياسي من دعاة ومفكرين وحركيين أن يعيدوا ترتيب أولوياتهم وذلك بفهم ما يريده الناس من الدين وما يمكن للخطاب الديني أن يفعله في ميادين التغيير والتحرير.
إن الباعث الديني الذي تشكل عند الكثير من الشباب العربي كان دافعا قوياً لعدم قبول الاعيب السياسيين أو ما يسمى بالكذب السياسي من قبل الثائرين إذا لم يعد مقبولا عند الشباب من خلال القيم والأخلاق التي إستمدوها من الدين أن يقبلوا بخدع السياسيين ولعبهم بحياة الناس وأرزاقهم وحريتهم.

المؤثرات الدينية في المجتمعات العربية


إذا كنا في هذه المقدمة المختصرة قد وصلنا إلى نتيجة مؤداها أن الإسلام كان حاضرا وبقوة في ميادين التغيير فإننا أمام هذا الأمر اللازم لا بد من إستحضار الأسباب والمؤثرات الدينية في المجتمعات العربية خلال العقدين السابقين.
وقد اجتهدت ورأيت أن هناك ثلاث مؤثرات مهمة أدت الى وجود الدين وبقوة في التحولات السياسية.
أولها : الحركات والجماعات الإسلامية
الإسلام في العالم العربي يحوز على النصيب الأكبر في الشارع السياسي بالعالم العربي، لأن دعاته كانوا الأكثر صموداً في وجه الطغاة، ولأنهم الأكثر حرصاً على إعادة المخزون الحضاري لدى الأمة العربية .
فالحركات الإسلامية حملت رسالة الإسلام باعتبار أنه يمثل المرشد للأفراد في كافة جوانب الحياة، لذا فإن هذه الحركات والجماعات كان لها أثر في بقاء الوعي الديني وبقاء الدين كمحرك أساسي في المجتمع .
ويمكننا تقسيم الحركات والجماعات الإسلامية الموجودة في عالمنا العربي إلى ثلاثة أقسام وأنواع:

أ.الحركات والجماعات السياسيـة، وأول وأكـبر هذه الـحركات ( جماعة الإخوان المسلمين) والتي امتدت في الكثير من البلاد العربية بأسماء وألقاب متفرقة ولكنها تلتقي جميعا على فكر واحد، وهي بلا شك استطاعت عبر العقود الماضية أن توجد لها قاعدة شعبية في عدد من البلاد العربية مما جعلها أكبر التيارات الإسلامية السياسية ومع ذلك فإن الإخوان لم يكونوا متحمسين للتغيير في ميدان التحرير أو في ليبيا أو في اليمن أو في سوريا، ولكنهم التحقوا بحركات التغيير فيما بعد، ثم استفادوا من نتائجه كما حدث في مصر، حيث استطاعت جماعة الإخوان أن تستفيد من وجود الثائرين والمتظاهرين لإثبات وجودها السياسي في الواقع المصري، ولكننا نجد في ليبيا وسوريا لا زالت في نهاية الركب ولم تستطع إلى الآن أن يكون لها دور في ثورتي هذين البلدين.

ب‌. الحركات والتنظيمات المتطرفة، وهي الحركات التي اتخذت منهج العنف طريقاً للتغيير، مثل تنظيم الجهاد الإسلامي، والتكفير والهجرة في مصر، وتنظيم القاعدة.
حيث استطاعت هذه التنظيمات أن تقنع بعض الشباب المسلم المتحمس أن سبيل التغيير لا يمكن أن يتم بالطرق السلمية، إذ أن الظالمين قد استبدوا، فلا بد إذن من تغيير يتم عبر السلاح والطرق العنيفة مستندا الى فكر مغال متطرف.
وقد أقنعت هذه الطريقة بعض الشباب ، ولكن مما لا شك فيه أن ما جرى في تونس ومصر وسوريا واليمن قد جعل هذه التنظيمات في مأزق شديدبعد أن ثبت أن التغيير السلمي ممكن إذا إستطاعت هذه الثورات أن تخاطب الشعوب في ضميرها ووجدانها فتثور بعيداً عن حمل السلاح واستخدام العنف وسقط بذلك خطاب التطرف.
جـ.الحركات الدعوية والتربوية – ( الصوفية-التبليغ- السلفية)، ويمكنني القول بأن السلفية -غير الجهادية- والتبليغ والحركات الصوفية تمثل هذا النهج، رغم التناقض والتضارب في أفكارها وأساليبها.
وهذه الحركات رغم أنها ابتعدت في أغلب الأحيان عن ساحات التغيير إلا أنها استغلت انتصار الثائرين للدخول في معترك السياسة. رغم أنها في سالف الأيام كانت تحرّم الدخول في العمل السياسي.
لذا فقد فوجئ الكثير بوجود تيار سلفي قوي في مصر أسس حزب النور ليكون رمزاً للسلفية في العمل السياسي، وهذا بدوره يُقال عن الحركات الصوفية في مصر وغيرها، إذ يستعد التيار الصوفي إلى إعلان حزب سياسي في مصر.
ويمكننا القول أن من فوائد الثورات العربية إقناع هذه الحركات الدعوية والتربوية بدخول المعترك السياسي بعد أن كانت بعيدة عنه.
ب- الفضائيات الإسلامية:
الإعلام و الفضائيات لهما تأثيرهما الكبير على الإنسان سلباً وإيجاباً.
وبالرغم من أن تجربة الفضائيات الإسلامية على صغر سنها وقلة عددها، استطاعت أن تثبت نفسها، وأن تضع رأياً عاماً دينياً في المجتمعات العربية.

إذ حققت هذه الفضائيات جذباً في بعض القطاعات في المجتمع العربي كالمجد ، والرسالة، وإقرأ، والهدى، والفجر، ووصال، بالإضافة إلى بعض الفضائيات التي لا توصف بأنها دينية، ولكن لها اتجاه ديني أخلاقي كالشارقة، بالإضافة إلى البرامج الدينية في عديد من الفضائيات العربية.
والإعلام الإسلامي كان له دور واضح في تشكيل وصناعة الرأي العام في المجتمعات العربية، حيث استضافت هذه الفضائيات الكثير من العلماء والمفكرين والدعاة، وكان لبرامجهم الأثر الذي لا يستهان به في زيادة الشعور الديني لدى الإنسان العربي.
وهذا يؤكد لنا أن المشهد الديني في ساحات التغيير كان أحد أسبابه بروز القيم والمفاهيم الدينية في الحرية ومقاومة الظلم عند الإنسان الثائر وهذا يؤكد لنا الدور الكبير الذي كان للفضائيات في انتشار هذه القيم والمفاهيم، وهي بلا شك كانت باعثاً داخلياً على التغيير والتجديد والمطالبة بالحرية عند الثائرين.
جـ_ دور الدعاة، في العقدين الماضيين :إذ برزعلى الساحة الدعوية والإعلامية عشرات الدعاة من مصر وسوريا والسعودية وغيرها من البلاد، كانوا عوامل جذب للشباب في العالم العربي ، وكان لهم دورا بارز في بقاء واستمرار الباعث الديني عند الشباب العربي فقد ظهر القرني والعريفي وغيرهم في السعودية، وعمرو خالد وخالد الجندي وصفوت حجازي وغيرهم في مصر، ومحمد راتب النابلسي في سوريا.
كل هذه الأسماء كان لها حضور قوي في الفضائيات وفي المهرجانات والمحاضرات في جميع أنحاء العالم العربي، وكان لهم أثر لا يستهان به في تشكيل الفهم الديني لدى الشباب العربي، بل لا ابالغ اذا قلت أن الكثير من الشباب كان يلتف حولهم ويقبل رأيهم ويأخذ بيده وينفذه.
فقد كانت المحاضرات تتحدث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في مقارعة الظلم والطغاة، وكل هذا أثّر في الشباب وكان له دور في إعطاء دفعة قوية للثائرين في ميادين التغيير.
ولكن الأقوال والخطب الرنانة عند بعض هؤلاء الدعاة لم تصل الى درجة الأفعال عندما ثار الشباب ووصلوا الى ساحات التغيير والتحرير، إذ وجد الشباب أن بعض هؤلاء الدعاة قد تقاعس عن تأييدهم أو حتى عن مشاركتهم أو كان موقفهم ( بين بين) لا هو الى السلطه ولا هو الى الشباب الثائرين، بل وصل الأمر أن بعض هؤلاء الدعاة قد انحاز الى السلطة مما شكل صدمة كبيرة للشباب الذين أحبوهم واقتدوا بهم في سابق الأيام.
كل هذه المؤثرات كان لها دور بارز في حضور الشعور الديني في ساحات التغيير .
ويمكنني القول بأن هذه المؤثرات قد شكلت وصنعت الشعور الديني لدى الشباب العربي ولكن هذه المؤثرات وللأسف في الكثير من الأحيان قد تخلّت عنه في الواقع العملي، ولم تترجم الشعارات إلى وقائع وأعمال عندما ثار الشباب ضد الظلم والاستبداد فلم تكن معه وإنما لحقت به!؟
الدور المأمول للدين في صناعة مستقبل أفضل.
وفي ختام هذه الورقة لا بد أن أشير أن شباب التغيير لهم يريدون من الدين وممن يحمل رسالته أن يكون له دور كبير في صناعة مستقبل أفضل من خلال الأخلاق والقيم التي ينادي بها الإسلام وهي الحرية والعدالة والمساواة التي تحفظ حق المواطنين في عيش حياة كريمة بعيدة عن الاستعباد والظلم.
إن من حق الشعوب في الوقت الحاضر أن تطالب الحركات الإسلامية والدعاة والمفكرين الإسلاميين أن يقدموا لشباب التغيير شيئا ملموسا يعيد للدين أثره وقوته، وأعتقد أن هذا يتمثل في إيجاد صيغة عصرية حضارية لدستور تكون مرجعيته الإسلام يؤسس لدولة مدنية تحكمها الحرية والعدالة والمساواة تقبل بالآخر وتؤكد أنه مواطن له كل الحقوق التي للمسلم.
إن إيجاد مثل هذا الدستور هو من أهم التحديات التي تواجه الحركات الإسلامية في الوقت الحاضر، لأن ظهور الدولة المدنية سيؤكد أن الإسلام كان ولا يزال وسيبقى هو الأمل المنشود للأمة في حريتها وبقائها.
إذن بمزيد من الإجتهاد الديني (ذي البعد السياسي) لا بد من التوصل إلى حلول فكرية، تطلب من كل مسلم النظر الى القيم والمبادئ الديمقراطية على أنها من القيم الدينية وليست كفرا ومروقا من الدين، فنظرة كهذه لا تعود بالنفع والفائدة الا على كل حاكم يستبد ويظلم!؟.
ومن أجل أن نصل إلى ( الحكم الرشيد)، لا بد من تخليص الإسلام من قبضة السلطة، فهذه التوأمة لم تفض، بحسب شهادة تاريخها، الى إخضاع الدولة للدين، وإنما أفضت إلى إخضاع الدين للدولة.
إذ لم نرَ توظيفاً للدين في خدمة المآرب السياسية للحاكم أسوأ من الذي رأيناه في الحاكم العربي، فهو عندما تحدق به مخاطر ثورة الشعب يغدو في عمره السياسي الأخير، يتمسح بالدين، ويطالب عبر أبواقه ضرورة طاعة الرعية لولي الأمر، لأن طاعته من طاعة الله، فمن يشق عصا الطاعة عليه فإنما يعصي الخالق، ويتمرد عليه.
بينما كان هذا الحاكم في سنين ظلمه واستبداده يرفض زج الدين بالسياسة، ويرفض على وجه الخصوص وجود أحزاب سياسية تتخذ من الدين أساسا لها.
فنحن بحاجة إلى إجتهاد فقهي جديد يفضي الى موقف اسلامي واضح من الآخر، فهذا ( الآخر) يحق له الوجود، ويحق له أن يتمتع بكل حقوق المواطنة القائمة على الحرية والعدالة والمساواة.
هذا الإجتهاد لابد أن نجد ثماره في دستور لدولة مدنية تستند في منظورها ومرجعيتها الى الإسلام وتشريعاته القائمة على خير الإنسانية في كل مكان وزمان.

* ورقة عمل مقدمة في مؤتمر" التحولات السياسية في العالم العربي وسقوط خطاب العنف" / تونس الذي نظمه المنتدى العالمي للوسطية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1603


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
2.13/10 (4 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com