الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مسلمون حول العالم
الإسلام في أفريقيا.. تاريخ منسي
الإسلام في أفريقيا.. تاريخ منسي
06-11-2012 02:48
الدين والسياسة - بقلم: أسامة شحادة*
يستغرب كثيرون وجود بعض المجموعات الإسلامية في أفريقيا غير العربية، مثل نيجيريا ومالي، والتي تسعى لقيام دول إسلامية خاصة بها، من قبيل إعلان "الطوارق" عن نيتهم إقامة دولة إسلامية شمال مالي. وسبب ذلك الاستغراب أن دول أفريقيا غير العربية في أذهان الكثيرين لا علاقة لها بالإسلام!
وهذا التصور الذهني المغلوط جزء من المشكلة؛ إذ إن مدارسنا وإعلامنا لا يقوم بتثقيفنا بجيراننا الأفارقة، وإخواننا من المسلمين وشركائنا في المآسي والمصائب والفقر والتخلف والتبعية، لكنهم مجتهدون جداً في أن نعرف تفاصيل حياة محتلينا الأوروبيين؛ فأصغر طفل عندنا يعرف أسماء نواديهم ولاعبيهم وراقصيهم ومغنيهم وهكذا! وذلك في تماه مع السياسة الاستعمارية الرامية إلى تجزئة الأمة وشرذمتها.
وتعد أفريقيا ثاني أكبر قارات العالم من حيث المساحة وعدد السكان بعد قارة آسيا، وتعتبر القارة المسلمة الأولى في العالم حيث يشكل المسلمون حوالي 52 % من سكانها، فيما يشكل المسلمون غالبية السكان في 29 دولة أفريقية (من إجمالي 53 دولة)، يتمركزون في شمال وغرب القارة. كما أن الإحصاءات تفيد أن بين كل عشرة أشخاص في أفريقيا يتركون الديانات الوثنية التقليدية، يدخل تسعة منهم في الإسلام وواحد في المسيحية. ومع ذلك لا تهتم بها مناهجنا المدرسية أو برامجنا الإعلامية والثقافية، مما يسهل على المحتلين لليوم امتصاص خيرات أفريقيا واستعباد أهلها بواسطة الفقر والجهل والمرض، وذلك في مسيرة من الظلم لأفريقيا تمتد لمئات الأعوام. وقد نبهت بعض المراجع على أن الظلم لأفريقيا وصل أيضاً لخريطتها المنتشرة، حيث لا تمثل الحجم الحقيقي للقارة، بل هي تظهر على الخرائط بحجم أصغر من حقيقتها، إذ تبلغ مساحتها أكثر من ضعفي أوروبا!
أما قصة أفريقيا مع الإسلام فهي قصة قديمة، تسبق حتى قصة المدينة المنورة مع الإسلام. إذ ترجع قصة أفريقيا مع الإسلام إلى السنة الخامسة للهجرة حين هاجر بعض الصحابة بقيادة جعفر بن أبي طالب رضي الله عنهم للحبشة فراراً من بطش قريش. فمباشرة من مكة لأفريقيا كان مسار الإسلام، ولكن من ينتبه لهذه الصلة القديمة بين الإسلام وأفريقيا؟!
وببقاء الصحابة هناك عدة سنوات، وحماية الملك النجاشي لهم وسماحه بإعلان إسلامهم، أسلم بعض أهل الحبشة ومنهم النجاشي نفسه. ولكن بعد رجوع الصحابة للمدينة، ضعفت الدعوة الإسلامية في الحبشة.
وفي خلافة عمر الفاروق رضي الله عنه، تم فتح مصر بوابة أفريقيا، ومن ثم طرابلس. وفي عهد عثمان رضي الله عنه، تم فتح تونس، وبعدها توسع الإسلام في المنطقة. وكان البربر هم حملة اللواء لنشر الإسلام في ربوع تلك المناطق، ومنهم القائد المشهور طارق بن زياد. وبذلك يكون شمال أفريقيا وغربها قد دخل في كنف الإسلام، وهذه هي المرحلة الأولى.
ومن ثم بدأت قوافل التجار والقبائل المهاجرة تنقل الإسلام لمنطقة وسط أفريقيا. كما أن التجار بين الجزيرة العربية وشرق أفريقيا أوصلوا الإسلام لشرق القارة. لكن بسبب وجود الجبال في شرق القارة لم يتغلغل الإسلام كثيراً فيها لصعوبة وصول التجار إليها، بخلاف غرب أفريقيا ذات السهول المنبسطة، والتي ساحت فيها الدعوة الإسلامية؛ فعبر الإسلام الصحراء الكبرى ووصل إلى الغابات الاستوائية على الساحل الغربي للقارة. وعبر الرحلات البحرية وصل الإسلام من موانئ لدول تنزانيا وكينيا وموزمبيق على الساحل الشرقي الجنوبي. وهذه هي المرحلة الثانية من تاريخ الإسلام في أفريقيا.
وقد أسهمت جهود بعض المصلحين الأفارقة، مثل عبدالله الزيلعي وأحمد القرين وغيرهما من شرقي أفريقيا، وعبدالله بن ياسين وعثمان بن فودي وعمر الفوتي وأحمدو شيخو وأحمدوا صمدو وأحمدوا بيلو في الغرب الأفريقي، في استقرار الإسلام وازدهاره، حتى ظهرت عدة ممالك إسلامية كبيرة في أفريقيا، ذكر بعض أخبارها ابن بطوطة في رحلته.
من هذه الممالك مملكة غانا (1076-1240)، والتي قضي عليها على يد مملكة إسلامية أخرى هي مملكة الماندينغ في مالي، وبقيت حتى العام 1670، فقامت على أنقاضها دولة أخرى هي دولة سونغاي التي حملت أيضاً لواء الإسلام وتوسعت جنوباً، لكنها انهارت في القرن السادس عشر الميلادي. وسادت فترة فوضى مدة قرنين، حتى جاءت قبائل الفولاني المسلمة لتؤسس دولة إسلامية جديدة واسعة في غربي أفريقيا. وشهدت تلك المرحلة ظهور دول كانم وبورنو في وسط أفريقيا.
وأيضاً كان هناك مملكة ودّاي الإسلامية في جنوب الصحراء (1615–1909) التي أقامها العالم المجدد عبدالكريم بن جامع، والتي قضى عليها الاستعمار الفرنسي. ومملكة باقرمي القريبة من بحيرة تشاد، وأنشأها السلطان "برني بيسي" العام 1513م وكان وثنيا، ويعد السلطان عبدالله بن مالو (1561–1602) أول سلطان مسلم فيها، وبذلك تحولت إلى دولة إسلامية، وبقيت حتى العام 1892.
وبعد ذلك، بدأت الحملات الأوروبية تجوب أفريقيا فيما عرف بالكشوف الجغرافية التي مهدت لغزو واحتلال بلاد المسلمين وغيرهم في أفريقيا وآسيا، فقامت العديد من الحركات الجهادية في شمال أفريقيا وشرقها وغربها، ونجحت في إقامة دول إسلامية مترامية الأطراف.
فالشيخ عثمان فودي (فوديو) تمكن من تأسيس دولة الفولاني الإسـلامية (مملكة سوكوتو 1805-1903) في نيجيريا، والتي قضى عليها الاحتلال البريطاني. وقد كانت دولة قوية ومتقدمة شهد لها حتى المستشرقون.
وظهر الشيخ أحمدو بن محمدو لوبّو في منطقة ماسينة في السودان الغربي، وقام بتأسيس دولة ماسينا الإسلامية العام 1810، والتي تميزت بتنظيم إداري دقيق، وبصلاتها مع الدولة العثمانية. وبقيت هذه الدولة حتى العام 1893، إذ قضى الاستعمار الفرنسي عليها.
أما الشيخ عمر تال الفوتي، فقد قام بدور واسع في نشر الإسلام ومحاربة الوثنيين في بلاد التكرور والسنغال، لكنه لم يتمكن من تأسيس دولة مستقرة بسبب استشهاده مبكراً. لكن أتباعه واصلوا مسيرته حتى هُزموا أمام الفرنسيين. وقاد الشيخ سليمان بن راسين ثورة إسلامية، وأسس مملكة إسلامية العام 1776 في منطقة فوتا تورو بالسنغال.
هذه نتف سريعة عن بعض الممالك والدول الإسلامية التي لا يعرفها اليوم كثير من المثقفين والباحثين، فضلاً عن عامة المسلمين.
وطبعاً، رافق هذه الدول انتشار اللغة العربية، إذ كانت هي اللغة السائدة، وكان العلماء في أفريقيا بالآلاف، وكانت الكتب والمكتبات عامرة. ولا ننسى وجود الكثير من القبائل العربية التي هاجرت إلى أفريقيا، سواء من الشمال أو عبر مصر والسودان، أو من الجزيرة العربية عبر الموانئ الشرقية لأفريقيا. لكن الاستعمار، وخاصة الفرنسي، عمل على سلخ المسلمين الأفارقة عن اللغة العربية عبر إحلال الفرنسية لغة للدوائر الرسمية، ومن ثم حارب المدارس العربية، وبعد ذلك بدأ يصادر الكتب العربية، حتى إن الحجاج العائدين من مكة كانت تفتش أمتعتهم بحثاً عن الكتب العربية وتصادر. وهذا أدى إلى ضعف الإسلام في نفوس البعض. كما أن الحملات التبشيرية المدعومة من ساسة الاستعمار تكفلت بدور كبير، وعزز ذلك انتشار الثقافة الشيوعية في القارة الأفريقية في الخمسينيات من القرن الماضي.
وبذلك يتبين لنا أن تاريخنا كمسلمين وأفارقة وعرب تاريخ مجهول، وهذه مسؤولية أجهزة التعليم والإعلام. والإسلام راسخ في أفريقيا، وإن المطالبة بعودة الإسلام للحكم هي مطالبة صحيحة، لأنها تعبر عن حقيقة أفريقيا التي قام الاستعمار بتغيير خريطتها وتركيبتها، وإقصاء الإسلام والمسلمين عن حكمها.

*الغد الأردنية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 2943


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.52/10 (7 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com