الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الحركات الإسلامية
النزعة الاتهامية بين التيارات السلفية
النزعة الاتهامية بين التيارات السلفية
10-07-2014 12:22
بقلم - بسام ناصر:
تقوم السلفية في جوهرها على الانشداد للنموذج الذي يمثله السلف الصالح، خاصة في جملة مسائل الاعتقاد وتفاصيلها، ومنهجية الاستدلال والفهم المعبر عنها بقولهم "الكتاب والسنة بفهم سلف الأمة"، ما يعني لزوم فهم السلف، الذين هم جيل الصحابة والتابعون لهم بإحسان من القرنين التاليين لهم، وعدم الخروج عما اعتقدوه وقرروه في أصول الدين وطريقة فهم أدلته في أصليه القرآن والسنة.

ثمة مفهوم مركزي في المنظومة الفكرية والدينية للدعوة السلفية، المعروف بمفهوم"الفرقة الناجية" المرتكز في أصوله وأسسه على حديث الافتراق المشهور والذي نصه (كما في رواية ابن حبان):"افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". (رواه الترمذي وابن ماجة وأبو داود وابن حبان وغيرهم).

ورد في بعض روايات الحديث ما يحدد من هي الفرقة الناجية من بين تلك الفرق، كما في رواية الترمذي وغيره، ما نصه:"وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة، كلهم في النار إلا ملة واحدة، قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي"وفي بعض رواياته: "الجماعة".

ذلك الحديث بتأويلاته الشائعة أسس لمفهوم الافتراق في الأمة (طبعًا مع نصوص أخرى) وبات وقوع ذلك الاختلاف العقدي والمذهبي أمرًا حتميًا لا مفر منه ولا مهرب، ما يعني لزومًا وضرورة تحديد الفرقة الناجية بعقائدها ومنهجيتها وسلوكياتها وطرائق تعبدها، وفي الوقت نفسه كشف اللثام عن الفرق الضالة المنحرفة التي بلغت بحسب الحديث "ثلاث وسبعين فرقة"، وهو ما دفع علماء كبار إلى تأليف كتب الفرق والملل والنحل، كما فعل ابن حزم في كتابه: "الفصل في الملل والأهواء والنحل"، و "الفرق بين الفرق" لعبد القاهر البغدادي، و"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين" لإبي الحسن الأشعري.

السلفية في أبرز عناوينها، وأظهر تجلياتها، قدمت نفسها باعتبارها تمتلك المنظومة الدينية (العقائدية والمفاهيمية) للفرقة الناجية، فمن سار في ركابها، وتبنى أصولها وأخذ بمنهجيتها في الفهم والاستدلال، واستقام على ذلك، كان من تلك الفرقة، ومن حاد عن أصولها في الدين، وتنكب منهجيتها في فهم أدلة القرآن والسنة، وخالف ما كان عليه السلف الصالح في الاعتقاد، كان واقعًا في دائرة الفرق الضالة والمنحرفة (الثلاثة والسبعين).

هكذا هي النشأة والتأسيس، وهكذا كانت مساراتها عبر التاريخ، إلى ما استقر عليه الحال في واقعنا المعاصر، فالمعاصرون من وراث المنهج السلفي، يرون أنهم أصحاب الفرقة الناجية، وغيرهم من الاتجاهات الإسلامية الأخرى العقائدية هم من الفرق الضالة، حتى بلغ الحال ببعض الغلاة منهم إلى اعتبار بعض الجماعات الإسلامية الذين هم من أهل السنة والجماعة، كجماعة الإخوان المسلمين، وجماعة الدعوة والتبليغ، وحزب التحرير الإسلامي، من تلك الفرق الضالة والمنحرفة، فبالغوا في مهاجمتهم وتضليلهم وتبديعهم.

ذلك المفهوم أنتج حالة من الزهو والتيه عند كثير من أصحابه ومعتنقيه، لأنهم أتباع الفرقة الناجية، فهم وراث العقيدة الصحيحة، ودعاة المنهج الحق، ما يعني لزومًا ضرورة الاستعلاء على أهل الضلال والانحراف، والنظر إليهم بعين الانتقاص والازدراء، لأنهم من أهل الضلال والزيغ والانحراف، ما تولد عنه سهولة إطلاق أوصاف التجريح المضللة على أتباع المذاهب العقدية الأخرى.

كانت سهام تلك النزعة الاتهامية التجريحية توجه في العقود الخالية إلى أتباع الفرق الإسلامية الأخرى، لكن في العقدين الأخيرين، باتت الاتجاهات السلفية (على اختلاف تشكيلاتها وتعدد مسمياتها) تتناوش سهام التضليل والتبديع فيما بينها، وأشد تلك الاتهامات وأقذعها، تهمة "الخارجية والخوارج"، ففي تسعينيات القرن الماضي اشتدت طائفة من السلفية العلمية في السعودية على اتجاه سلفي آخر فكان أظهر وصف انتقاص أطلقته عليهم نعتهم بالخوارج.

ومازال كثير من أتباع السلفية العلمية والتقليدية، في مقام السجالات الدائرة مع اتجاهات سلفية أخرى، يمعنون في إطلاق مسمى الخوارج على مخالفيهم، ويحذرون منهم تحت عنوان التأليب على أولياء الأمور وتحريض العامة على الخروج عليهم، ويستدعون من تاريخ الفرق وتراثهم مسمى "الخوارج القعدية" (وهي طائفة من الخوارج كانت لا تشارك في الخروج ولكنها تحث الآخرين عليه وتزينه لهم) لنعت خصومهم بذلك.

لكن الأمر في الأحداث الجارية في سوريا، أخذ مسارًا أكثر خصوصية، فباتت تيارات السلفية الجهادية ترمي بعضها بعضًا بالخارجية والخوارج، وكان أظهر تلك المواقف وأوضحها ما قاله أبو قتادة الفلسطيني - أحد أبرز منظري السلفية الجهادية - عن تنظيم الدولة الإسلامية بأنهم "خوارج وكلاب أهل النار"، وقد وصفهم بالخوارج من قبل كل من أبي بصير الطرطوسي، والدكتور هاني السباعي، وطارق عبد الحليم (من أنصار جبهة النصرة).

في رده المعنون بـ "الإفادة في الرد على أبي قتادة" انتقد تركي البنعلي "أبو همام الأثري" (أحد شرعيي تنظيم الدولة الإسلامية المعروفين)، بشدة وقسوة اتهام أبي قتادة لتنظيم الدولة الإسلامية بتلك التهمة (خوارج وكلاب أهل النار)، ووصف "إناطته مصطلح الخوارج ببعض صفاتهم (كما فعل أبو قتادة) لا أصولهم" بأنه "غاية في الجهل والبطلان"، من ثلاثة وجوه، أحدها: "أن هذا القول لم يسبقه إليه أحد خلال خمسة عشر قرنًا، ودونكم كتب العقائد والفرق والتفسير وشروح الحديث والفقه..".

النزعة الاتهامية التجريحية صفة شائعة في أدبيات السلفية المعاصرة وتراث رموزها، ولئن كانت في سابق عهدها موجهة صوب الاتجاهات الإسلامية العقائدية الأخرى، فقد ارتدت إلى نحور السلفيين أنفسهم، فباتوا يتهمون بعضهم بعضًا، ويجرح السلفي أخاه السلفي، ما يفرض على السلفيين تحديًا من لون آخر، يستدعي منهم استجابة فورية لتلمس سبل الحد من شيوع تلك الظاهرة، ومحاصرة أسبابها ومقدماتها، للتقليل من شرورها ومفاسدها على الحالة الإسلامية برمتها.

الراية القطرية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 745


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.01/10 (27 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com