الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
الإسلام السياسي والدولة المدنية
الإسلام السياسي والدولة المدنية
10-14-2014 10:35
إرشاد هورموزلو
يتفق الكثيرون بل الغالبية ممن يدينون بالدين الإسلامي بأن تعبير «الإسلام السياسي» هو تعبير مصطنع لا يرمي إلا إلى التجزئة واللجوء إلى خلق فجوات بين المفهوم الإسلامي والممارسة. فالإسلام واحد ومتكامل لا ينقسم إلى إسلام معتدل أو إسلام متطرف، إسلام عربي أو غير عربي، إسلام تقدمي أو رجعي وما إلى ذلك من تقسيمات لا ترمي إلا إلى التفرقة كما ذكرنا.
إلا أن إفرازات العصر الحديث من نشوء الدول غير المنخرطة تحت لواء واحد وخصوصية كل بلد من البلدان التي تقطنها المجموعات الإسلامية، وظهور الدعوات التي تنادي بالرجوع إلى الجذور ونبذ التوجهات المفروضة من قبل الحضارات الأخرى التي تريد الهيمنة على الفكر الإنساني خلقت كلها واقعا جديدا تميز أحيانا بالموضوعية وأخرى بردود الفعل المتشنجة.
وليس غريبا أن تظهر في المقابل الدعوات التي تنادي بضرورة أنسنة الإسلام وعقلنته وكأن الإسلام في حد ذاته قد ابتعد عن هذه المفاهيم، وخفي على البعض أن الذي ابتعد عن المفاهيم ليس الإسلام وإنما الممارسات الخاطئة التي لا تمثل جوهر الإسلام بشيء.
تقول نيفين مسعد: «لو يعلم الذين ينتسبون لتيارات الإسلام السياسي حجم الإساءة التي يسيئونها للدين بتطويعه لقواعد اللعبة السياسية بما تتضمن المناورة والتنازلات المبدئية أحيانا والمزايدة أحيانا أخرى، لتريثوا وما استبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير. فكثير من المواطنين العاديين جدا الذين لا تعجبهم الممارسات السياسية للتيارات الدينية، يبتعدون تدريجيا عن دينهم وهم يظنون خطأ بكل أسف أنهم بذلك يتمردون على سلطة المنتسبين لتلك التيارات الدينية، وهذا خطير لأنه يخلط بين عقائد الدين وعباداته من جهة وبين ممارسات بشرية تتمسح في الدين من جهة أخرى».
وقد تناول الكثيرون من المفكرين ومن رواد النخبة هذا الأمر من جوانب متعددة، في ذلك نرى عبد الوهاب العقاب في كتابه «مشروع الإسلام السياسي في التطور التاريخي والمعاصر»، حيث يناقش في تركيز له على سبب التناول المختلف لهذه الأفكار قضية مهمة في حقيقة الأمر لمن يقوم بتقييم جماعات وحركات الإسلام السياسي، وهي سيطرة رؤية النخب الكبيرة داخل الحركة الإسلامية الواحدة على توجهاتها ومواقفها من الكثير من القضايا، مثل الديمقراطية والشورى، حيث إن هناك - على سبيل المثال - تباينا كبيرا فيما يتعلق بماهية الديمقراطية.
ويجب أن أذكر بأنني استفدت كثيرا لفهم نقطة الاصطدام الحاصل من عرض السيد أحمد التلاوي لهذا الكتاب، فالكاتب يرجع هذا التباين إلى الكثير من العوامل من بينها، أن هناك الكثير من الاختلافات فيما يتعلق باستنباط الأحكام الشرعية، وأن هناك الكثير من التوجهات النخبوية داخل الحركة أو الجماعة الواحدة في الرؤى إزاء قضية من القضايا.
لقد أدت هذه المشكلة إلى نشوء مفاهيم متعددة للقضية الواحدة، لدرجة أن هناك بعض الجماعات الحركية التي تشتغل بالإسلام السياسي، أو العاملين فيها، وصلت إلى قناعة مفادها أن هناك تعارضا بين الديمقراطية بالمفهوم والممارسة الغربية لها وبين الشورى وفق المفهوم والممارسة الإسلامية له.
أخلص من ذلك إلى أن مصطلح «الإسلام الحضاري» هو خاطئ بنفس الدرجة لأنه يفترض في عمقه النفسي بأن هناك إسلاما حضاريا وإسلاما لا يؤمن بالتوجهات الحضارية، وأخطر ما في ذلك أنه قد يوحي بأن الإسلام يرفض التطور الحضاري بما يضفيه من نعم كبيرة على الإنسان.
إنني لا أريد أن أخوض في الحركات التي تبنت الفكر الإسلامي والتنظير الذي صاحب هذه الحركات بل أتساءل مع حسن السوسي في نتاجه المعنون «حركة الإسلام السياسي في ميزان الحداثة» والتي يقول فيها:
«هل يمكن للمرء أن يكون ديمقراطيا على المستوى السياسي من دون أن يكون حداثيا على المستوى النظري الآيديولوجي؟ هناك موجبات كثيرة لطرح هذا السؤال؛ أولها: إننا أمام حركات إسلام سياسي (وهذا الوصف يرجع إلى السوسي) كانت إلى الأمس القريب تنظر إلى الديمقراطية بعين التوجس والريبة، على أساس كونها تحمل شبهة العلمانية، أو ربما الكفر أيضا. ثم إن هؤلاء الذين حملتهم صناديق الاقتراع إلى مواقع السلطة التشريعية والتنفيذية هم الذين أصبحوا القيمين الشرعيين على الديمقراطية ليس في مجالات تطبيق مقتضياتها والسهر على حماية مبادئها الأساسية فحسب، وإنما أيضا، على مستوى ممارسة الدور التأسيسي في مجال بناء هذه الديمقراطية، عبر وضع دساتير من المفترض فيها أن تستوفي شروطها على اعتبار أنه من الضروري القطع مع حكم الاستبداد الذي كرسته أنظمة داست على القوانين واستباحت الحريات الفردية والعامة حتى في الوقت الذي كانت تتوفر فيه على دساتير يمكن القبول بها على مستوى شكلها العام لأنها صيغت أصلا لتكون متقاربة مع دساتير دول عريقة في ديمقراطيتها مثل بريطانيا وفرنسا. غير أن روح الاستبداد فتكت بكل المبادئ والدساتير التي من المفترض فيها أن تكون حامية للحريات الفردية والعامة تطبيقا لمواد الدساتير ومقتضياتها. فهل تملك حركات الإسلام السياسي المختلفة الوعي الكامل بهذا التحدي؟».
بطبيعة الحال نستشف من هذا المنظور أن المصطلح والتطبيق لم يكن متطابقا بالفعل في الكثير من التوجهات السياسية، فقد خبرنا الجمهوريات بل الجماهيريات التي كانت تقدم نفسها أنها شعبية، ديمقراطية، تقدمية أو أنها اشتراكية أو مؤمنة بالقيم الاجتماعية ثم رأينا الملايين من أفراد هذه الشعوب تتشرد في أصقاع الأرض وتموت في حسرة إلى الوطن.
ماذا عن تركيا؟
يتناول الكثيرون عند بحثهم عن التوجهات الإسلامية في بعض الأقطار أو بمعنى أصح تولي بعض الذين يدينون بمبادئ الدين الإسلامي الحنيف لمقاليد الأمور في بعض الدول الإسلامية، التجارب أو النماذج المقدمة في هذا الإطار. وقد كثر الحديث عن التجربة الماليزية والتجربة التركية وسنتناول بالبحث أبعاد هذه التجارب.
بدءا مما يحدث في تركيا ينبغي أن نرى ماذا يراه الكاتب والمفكر الأميركي غراهام فوللر الذي يعد واحدا من الكتّاب القلائل في الغرب ممن يتمتعون بخبرة كافية في شؤون المجتمعات الإسلامية بحكم عمله في مناصب مختلفة لها العلاقة الوثيقة بهذا الأمر في الولايات المتحدة.
يشير فوللر في كتابه الموسوم «مستقبل الإسلام السياسي» الذي ترجم مؤخرا في القاهرة، إلى التجارب الإسلامية في العصر الحديث، والتي وصل فيها الإسلاميون إلى سدة الحكم في بعض البلدان ولم تتخذ الإسلام الصحيح مرجعية حقيقية، بل نتجت هذه الحكومات كرد فعل على الماضي السلطوي لتلك البلدان، وأعجب الكاتب بالنموذج التركي الذي يمثل نجاحا لفكرة الإسلاموية، وهذا مصطلح جديد نراه في هذا السياق، وإن كانت التجربة تحتاج لوقت أطول للحكم عليها كاتجاه إسلامي ناجح.
وللحقيقة فإن جوهر ما يميز التجربة الماليزية كمثيلتها التركية هو التركيز على ضرورة اتباع التعاليم الدينية بصورة عملية وصادقة وعدم رفعها كشعار خال من المضمون. وقد يكون الذي يميز التجربة الماليزية أنها قد اتجهت شرقا بينما حافظت التجربة التركية على الإصرار على التناغم مع المعايير الأوروبية بمطالبتها الانضمام الكامل إلى الاتحاد الأوروبي إضافة إلى العودة إلى الثوابت والجذور والرواسخ التي تمثلها منطقة الشرق الأوسط.
ومهما يكن فإن من المفروض التأكيد على أن الحكومات على وجه الخصوص يمكن أن تكون مسلمة ولكنها لا تكون إسلامية. ويعني ذلك أن الحكومة والدولة بمفهوم أوسع تكون شراكة للكل ولكن ذلك لا يمنع أن يكون القائمون على أمورها يعتنقون المبادئ الإسلامية السمحة ويؤمنون بمفاهيم الإسلام ومعتقداته حالهم في ذلك حال معتنقي الديانات الأخرى.
أعتقد جازما بأن السياسة يمكن أن تخدم الإسلام، فمبادئ السياسة المثلى من احترام حقوق الإنسان والقبول بالآخر والإيمان بمبدأ الحوار والتشاور وخدمة الفرد والمجتمع يمكن أن تؤدي من هذا المنطلق للتبشير بالقيم الإسلامية لكون هذه المعايير الإنسانية تتناغم وتتطابق معها. ويمكن للقائمين على إدارة الدولة والحكومة أن يشكلوا نموذجا حيا لاحترام المعايير الدينية بشكل يظهر للجميع مدى احترامهم لهذه المبادئ التي يؤمنون بها دون التناقض مع معتقدهم وأفعالهم.
ولكن الإسلام لا يخدم السياسة لأن مجرد الولوج إلى هذا المنحى يعني التفرد بالقرار كما يؤدي إلى إلصاق الأخطاء التي ترتكبها المجموعات والحكومات بالمفاهيم الإسلامية وهذا الأمر سيؤدي حتما إلى اتهام الإسلام بما هو ليس فيه وبمزيد الأسف إلى التنفير من المبادئ الصحيحة التي كان يجب أن يكون لها قصب السبق في التعريف بالإسلام وليس بالإسلاموية.


الشرق الأوسط

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 452


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
5.50/10 (2 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com