الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
حقول الدم .. الدين وتاريخ العنف
حقول الدم .. الدين وتاريخ العنف
05-14-2015 10:36
كارين آرمسترونج
عرض: محمد محمود السيد - باحث متخصص في الشئون العربية

الدين و السياسة :
يعج العالم حاليا بالعديد من أحداث العنف التي ترتكب باسم الدين، ويعد تنظيم "الدولة الإسلامية"، المعروف إعلاميا بتنظيم "داعش"، هو المثال الأبرز علي ذلك، الأمر الذي يثير تساؤلا مفاده: هل الأديان حقا هي المصدر الحقيقي والفعلي للعنف والتطرف؟. هذا التساؤل محور كتاب "كارين آرمسترونج"، الكاتبة والمستشرقة البريطانية المتخصصة في مقارنة الأديان، التي اختارت له اسم "حقول الدم" كدلالة علي ما يتعرض له العالم حاليا من بؤس، وقهر، وظلم، وقد استوحته من الكتاب المقدس.

العنف والتاريخ البشري:

في البداية، تعترف آرمسترونج بأن العنف غالبا ما يكون ذا صبغة دينية، لكنها تركيز علي السياقات السياسية التي ظهر خلالها العنف الذي اقترن بالدين. وفي سبيل ذلك، استعرضت خلال كتابها التاريخ الطويل لما يمكن تسميته -مجازا- "العنف الديني"، بداية من "ملحمة جلجامش البابلية"، إلي "تنظيم القاعدة" في وقتنا الحاضر، في محاولة للتدليل علي ضرورة التركيز علي السياقات السياسية المحيطة بالدين من أجل فهم السبب الذي يجعل العنف يرتدي في كثير من الأحيان رداء الدين.

استعرضت الكاتبة حالات تاريخية اشتهرت كنماذج للعنف، من محاكم التفتيش المسيحية في إسبانيا، خلال القرن الخامس عشر، إلي الحركات الإسلامية المتطرفة وغيرها في القرن الحادي والعشرين، وكذلك تطرف وعنف اليهود المتشددين في إسرائيل. وفي كل نموذج من هذه النماذج تقريبا، نجد أن تلك الميول العنيفة، التي تقدم نفسها كصراعات "دينية"، كانت في حقيقة الأمر إما صراعات قومية، أو صراعات علي الأراضي، أو صراعات نشأت نتيجة مشاعر الاستياء بسبب فقدان السلطة.

وفي ضوء ذلك، تري آرمسترونج أنه خلال معظم التاريخ البشري القديم، اختارت الشعوب أحيانا أن يكون الدين جزءا من كل ما تقوم به من أنشطة، ليس لأن رجال الكنيسة الطموحين زاوجوا بين نشاطين مختلفين (الديني والدنيوي)، وإنما لأن الشعوب كانت ترغب في أن تضفي علي كل ما تقوم به أهمية ومعني. وبالطبع، كانت السياسة أحد أهم المجالات التي تداخلت مع الدين، وهو ما عني أن تقترن الأديان في أغلب الوقت بأعمال العنف، الأمر الذي ظهر في الحملات الصليبية علي الشرق، والغزو الإسباني لأمريكا اللاتينية، والنشاط الحالي للجماعات الجهادية.

العنف والاستبداد:

حاولت آرمسترونج في ثنايا الكتاب إثبات أن فكرة العنف الديني هي محض أكذوبة، أنتجتها الأنظمة الحاكمة عبر التاريخ لتبرير أفعال القمع والاستبداد. وانطلاقا من هذا الافتراض، توصلت آرمسترونج، بمتابعة تاريخ البشرية، إلي أن التطرف والعنف غالبا ما ينبعان من الاستبداد. فالاستبداد هو المولد الرئيسي للتطرف والعنف، وليس الدين. فرغبة القادة في الاستبداد كانت هي المحرك الرئيسي وراء ارتكاب مذابح الحملة الفرنسية، والحروب النابوليونية، والحرب الأهلية الأمريكية، والحربين العالميتين الأولي والثانية أيضا.

وبالعودة إلي التاريخ، تشير آرمسترونج إلي أنه في عصر الإقطاع، تم استخدام الدين من قبل مالكي الأراضي لتبرير عنفهم واستغلالهم للفلاحين، فزعموا أن الله له حكمته في خلق الفلاح ليكون عبدا لمالك الأرض، ومن ثم يكون أي اعتراض من قبل الفلاحين تمردا علي مشيئة الله، ويستوجب عقابا قاسيا.

وخلال عصر النهضة والتنوير، ولكي تتمكن الأنظمة السياسية الأوروبية من إنهاء سيطرة الكنيسة والقساوسة علي عقول المواطنين، ليتم قبول فكرة الدولة القومية التي تقوم علي أساس فصل الدين عن الدولة، سعي أولئك القادة السياسيون إلي نشر وهم العنف الديني، واستخدموا لذلك وسيلة بسيطة، هي تعمد إخفاء الحقائق الاجتماعية والسياسية عن عامة الناس، فيهيأ لهم أن الدين وحده هو المسئول عن مشاكلهم، وأحداث العنف التي تؤرقهم.

وتذهب آرمسترونج إلي أن الولايات المتحدة استخدمت الوسيلة ذاتها لتبرير هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كي يقتنع عامة الناس بأن السبب الوحيد لظهور تنظيم القاعدة وطالبان، وغيرهما، هو التطرف الناتج عن اعتناق الدين الإسلامي، بينما الإجابة الحقيقية تتضمن جوانب عديدة، تعمدت الحكومة الأمريكية إخفاءها. ومن هذه الجوانب أن بدايات ظهور تنظيم القاعدة وأسامة بن لادن في أفغانستان كانت بتدريب ورعاية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، بهدف القضاء علي احتلال الاتحاد السوفيتي لأفغانستان في بداية ثمانينيات القرن المنصرم، وأن جزءا كبيرا من مشاعر السخط تجاه الولايات المتحدة الأمريكية هو نتاج تدخلاتها في الشئون الداخلية لتلك الدول.

علاقة الإسلام بالإرهاب:

أكدت آرمسترونج بشكل واضح أن الدين الإسلامي ليس له علاقة بالعنف. بل علي العكس من ذلك، دائما ما يتم توريطه في العنف. وقد استخدمت "الحداثة" كمفهوم محوري أثناء تحليلها لذلك الارتباط بين ظاهرة الإرهاب والعالم الإسلامي. فتري آرمسترونج أن أهم أسباب ارتباط العنف والإرهاب بالعالم الإسلامي هو أن إدخاله إلي عصر الحداثة قد تم بشكل أكثر عنفا. ففي العراق -علي سبيل المثال- ظنت الولايات المتحدة وبريطانيا أنه بمجرد إدخال مفهوم الحداثة إلي العراق، فسيؤدي ذلك إلي اعتناقه لمفهوم الديمقراطية علي الفور، ولكن ذلك لم يحدث.

في العالم الغربي، أدت الحداثة إلي الديمقراطية، لأن الديمقراطية حينئذ ارتبطت بتطوير عملية التنمية الاقتصادية. فالديمقراطية ساعدت المجتمعات الغربية علي منحها الحرية الصناعية، وهذه الحرية كانت هي الأساس الاقتصادي الذي ضمن للأشخاص حرية الابتكار، وهو ما جعل العجلة الاقتصادية في البلاد أكثر إنتاجا. ولكن في العالم الإسلامي، تم فرض مفهوم الحداثة عليهم عن طريق القهر الاستعماري، فلم تتوصل شعوب هذه الدول للحداثة عن طريق حق تقرير المصير. وكان الأمر كذلك مع "العلمانية"، التي تم تقديمها أيضا إلي الشعوب الإسلامية بشكل عنيف، حيث تم قطع رواتب رجال الدين، ومن ثم تم إيقافهم عن العمل، وأحيانا تعرضوا للتعذيب حتي الموت. فشاه إيران قتل مئات المتظاهرين العزل في الضريح المقدس، لأنهم تظاهروا ضد ارتداء الملابس الغربية.

وتستطرد آرمسترونج أنه حتي عام 1700، لم يفكر أي شخص في فصل الدين عن الدولة، فكان الدين يحكم جميع تفاصيل الحياة. ولكن إدراك العالم الغربي لمفهوم الحداثة مكنهم من فصل الدين عن الدولة، رغم أن ذلك يعد من الأمور الصعبة للغاية، والمعقدة بشكل كبير. لذلك، نجد أنه نتيجة عدم إدراك العالم الإسلامي لمفهوم الحداثة، لم يتمكن من فصل الدين عن الدولة، فلا تزال الشعوب هناك تري أن التمييز بين الدين والدولة أمر تعسفي. وبالنسبة لهم، تشكل العدالة، ومساعدة الفقراء، ووقف معاناتهم مشاكل دينية، رغم أنها مسائل سياسية. وهنا، تؤكد آرمسترونج أن هذا الفصل في غاية الأهمية بالنسبة للشعوب، كما أنه مهم بالنسبة للدين، لأنه يحرره من عنف الحكومات التي تستعمله لتحقيق غاياتها.

وختاما، تؤكد آرمسترونج، مرة أخري، أن السياسة والطموح البشري هم الجناة الحقيقيون وراء كل أشكال العنف العام، وليس الدين. فالدين قد تمكن عبر قرون من "بناء الشعور بالانتماء للمجتمع العالمي"، حيث إن تراث أي دين من الأديان ليس جوهرا واحدا ثابتا يدفع المعتنقين له للتصرف بطريقة مقننة، بل إنه قالب يمكن تشكيله وتطويعه بشكل جذري ليحقق غايات نبيلة متعددة.
تعريف الكاتب:
مستشرقة بريطانية متخصصة في مقارنة الأديان
مجلة السياسة الدولية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 802


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.01/10 (24 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com