الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
«الجغرافيا الإعلامية» لتنظيم داعش.. الدولة الإلكترونية
«الجغرافيا الإعلامية» لتنظيم داعش.. الدولة الإلكترونية
امتلك بنية اقتصادية خاصة ومستقلة باستحواذه على آبار النفط كأحد الأهداف الرئيسية له في خريطة تمدده على الأرض
11-04-2015 09:30
جدة: محمد جزائري
الدين و السياسة :
منذ بدايات تخلق تنظيم داعش الوحشي في المنطقة، وملامحه تشي بتجربة فريدة من الإرهاب الحداثي ليس على مستوى دمويته فقط، بل ومن خلال تطور العقل السياسي للتنظيم، الذي حدد له جغرافيا سياسية بشكل منظم ودقيق باقتطاعه جزءا من العراق وآخر من سوريا، والذي اتضح من خلالها بحثه عن تحقيق بنية اقتصادية خاصة ومستقلة كتمويل باستحواذه على آبار النفط كأحد الأهداف الرئيسية له في خريطة تمدده الجغرافي على الأرض، إضافة إلى تشكيلاته التنظيمية الهرمية للقيادات، والتي يجمع كثير من الباحثين والخبراء على لمسات استخبارية في هذا الجانب لا تخطئها العين، إما من بقايا حزب البعث الناقم أو من دول أجنبية متنوعة لها أهدافها المختلفة.

هذه التجليات الداعشية التي فاجأت المشهد بقدراتها رافقتها دعاية إعلامية غير مسبوقة على مستوى تعاملهم الاحترافي كمضامين لمستوى محتوى الصورة ودقتها ومؤثراتها السينمائية السمعية والمرئية. أو ما عرف بـ«إدارة التوحش»، وهو وصف ورد كمسمى للكتاب الشهير التنظيري للقاعدة الصادر في عام 2008 تحت اسم مؤلف حركي يسمى «أبو بكر ناجي».
ركز الكتاب على أهمية الانقضاض على المناطق الرخوة من أي دولة توشك على الانهيار، لاستغلالها ولو في إقامة إمارة صغيرة. بينما يوصي باستنزاف الدولة الصلبة المجاورة غير القادر على اختراقها لتماسكها. اللافت في كتاب الاستراتيجيات القاعدي، تركيزه على دور الإعلام بطريقة مثيرة للتأمل من حجم تنوعها والخيال بعيد المدى في صناعة إمبراطوريات إلكترونية ليس من خلال إظهار أعمال التنظيم للجماهير وفلسفتها، بل يدعو لاستخدام الإعلام لنقد الإعلام المضاد وتشريح خطابه والتركيز على عيوبه السياسية والشرعية، من وجهة نظر التنظيم المتطرف طبعًا.
قبل أيام، عمد «داعش» إلى استهداف مسجد لأبناء الطائفة الإسماعيلية في مدينة نجران، جنوب السعودية، قام الأهالي من المواطنين بعمل شجاع بالتنبه للإرهابي ومنعه من دخول المسجد، وقام بتفجير نفسه خارجه مما حد من عدد الضحايا.
هذه الحادثة الوطنية الدامية، سبقتها تضحية أخرى بأسبوع من قبل رجال الأمن وهم يطاردون إرهابيًا آخر في القطيف، شرق السعودية، حاول استهداف «حسينية»، وتم إحباط عمليته وإرداؤه قتيلاً في مواجهة وطنية شجاعة تناقلتها الهواتف المحمولة.
عودة لبدايات استهداف «داعش»، للسعودية الصلبة، كان ذلك بإعلان خطاب واضح من الإرهابي زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي، بإعلانه الرياض، رأس الحربة الإقليمية في مواجهة الإرهاب، عدوًا سياسيًا بعد جهودها الفعالة في مواجهة إحراق المنطقة.
طور «داعش» من قيمة الهدف الإرهابي بتحويله من حدث يعبر عن إثبات وجود، إلى حدث دام وقابل للتوظيف السياسي. استهدف «داعش» السعوديين من أبناء الأقليات الدينية، واستهدف رجال الأمن في مساجدهم وفي عرباتهم الأمنية، بل واخترقت آيديولوجيته حتى المنازل المغلقة حد الاعتداء المسلح على الأقارب وأبناء العمومة.
ولكن، أين بدأ نمط إدارة التوحش إعلاميا في التحول والترقي لخلق جغرافيا وهمية في الشبكات الإلكترونية، والظهور في حالة تماس سياسي مع دول لا يتماس معها في حدوده الجغرافية على الأرض، مثل السعودية؟
قبل تتبع خيوط محاولة فهم الحالة الداعشية في توظيفها السياسي لأهدافها الإرهابية خارج حدود العراق وسوريا. يبدو لافتًا أن «داعش» لم تعد تجد ذات الصدى الإعلامي لأفعالها الإرهابية داخل بؤر التوحش خاصتها، في العراق وسوريا، حتى إن خبر الإعدام من خلال الفرم تحت عجلات الدبابة الذي طبقه أخيرًا، بدا صرخة ضائعة في مدى ملئ بالصرخات، مع آلاف الذين قضوا نحبهم في عذابات لا توصف ضمن فنون الإعدام من التحريق إلى الإغراق إلى الفرم.
هذا الخفوت الإعلامي، طوره «داعش» لاستهداف أهداف محددة في السعودية ذات طابع مذهبي، يثير الجدل حوله، ويعود للمشهد الإعلامي بقيمة سياسية توحي بتمدده رغم ما يتلقاه من ضربات قاسية من وقت لآخر. كان «داعش» بعد كل عملية يوزع خرائط جغرافية مجانية، فمن ولاية نجد، إلى ولاية البحرين، إلى ولاية الحجاز إلخ. لكن الواقع كان يروي قصة أخرى من قبل رجال وزارة الداخلية السعودية، التي كانت تحقق ضربات استباقية متوالية للتنظيم بسرعة عالية، دفعت التنظيم إلى الدعوة للارتجال في بيان صادر من إرهابي متحدث باسم ولاية نجد، كان خطاب «داعش» الدفاعي الأول الذي يشرح نفسه من خلاله على غير المعتاد، كان التنظيم يتألم داخليًا. بعد ضربات متوالية استباقية للأمن الداخلي السعودي موجهة ضد «داعش» أصدر التنظيم تسجيلاً صوتيًا امتد لنحو العشرين دقيقة، وجه فيه اتهامات للدولة السعودية، ووعيدا للمواطنين الشيعة، واستنهاضا للأتباع حتى دون خطة كما في السابق.
ومن تنظيرات البيان للسلوكيات التي ينتقدها ما أوضحه بقوله «ترويج أكذوبة الوطنية وحب الوطن، انطلت على أهل السنة، بينما يدين الرافضة بالولاء لطهران وقم بإيران، ولا يدين أي رافضي في جزيرة العرب بالولاء لآل سعود». بحسب البيان الإرهابي بالطبع.
وكانت وزارة الداخلية أعلنت عن آخر عملياتها الاستباقية بالقبض على مصنع لصناعة الأحزمة الناسفة في أحد أحياء الرياض، والسوري الذي يقوم بالمهمة لصالح التنظيمات الإرهابية، ويُتَوقع أن يكون بنك معلومات كبيرا، هو ورفيقته الآسيوية. كان «داعش» مع اشتداد الهجمات عليه من قبل قوات التحالف في سوريا والعراق، يعطي بعدًا سياسيًا أبعد لعملياته ويربطه بمسمى «ولاياتي» يوحي بالتمدد الجغرافي والقدرة على صناعة أذرع، آخرها حادثة سقوط الطائرة الروسية في الأجواء المصرية، أمس، والتي سارعت في تبنيه مما عرف حديثًا بتنظيم «ولاية سيناء» في الأدبيات الإعلامية «الداعشية».
غير أن بعض الباحثين في الحركات الأصولية ينبهون إلى أن فكرة «الدولة الإسلامية» جزء من إرث «الحقبة الزرقاوية» نسبة إلى أبو مصعب الزرقاوي، إضافة إلى تركته الوحشية الثقيلة التي ابتدأ فيه الذبح بذراعيه.
ويشيرون إلى الوثيقة الصادرة من «مفكرة الفلوجة» في 2010 تحت عنوان «خطة استراتيجية لتعزيز الموقف السياسي لدولة العراق الإسلامية» والتي جاء في تمهيدها ما نصه «وهذه الدراسة المختصرة ستتناول - بإذن الله كيفية تعزيز موقف دولة الإسلام في هذه الظروف الحالية.. حتى تكون بعد انسحاب غالب قوات العدو بعد قرابة العامين في ظرف أفضل وموقع أقوى سياسيًا وعسكريًا، بحيث يكون المشروع الإسلامي هو الذي على أهبة الاستعداد لتولي زمام الأمور كاملة على كل العراق». كان جذر التشكل لمفهوم الدولة المحدودة جغرافيًا كملاذات آمنة حاضرًا في خيال أواخر قيادات رعيل «القاعدة»، فضلاً عن حمولة النستولوجيا التاريخية لمسمى «بلاد العراق والشام» في الذاكرة الإسلامية. والذي عاد «داعش» لاستظهاره ورفع سقف أحلام المشروع لولايات إسلامية في بؤر الدول الطائفية، مستفيدة من تطرف الإسلام السياسي الشيعي في المنطقة. والذي يغذي بدوره أمواجا من الجماعات الإرهابية الشيعية من حزب الله في لبنان إلى أنظمة سياسية كاملة كما في العراق وسوريا.
الحضور الممنهج لتنظيم داعش إعلاميا صنع شرخًا لدى متلقين آخرين في الجماعات الإرهابية الأخرى مثل «القاعدة»، والذي كان بدوره سجالاً إعلاميا ووجوديًا بين التنظيمين الإرهابيين، بدت فيها «القاعدة» الطرف الأكثر ضعفًا بحسب مراقبين، فبينما يعاني الزعيم الهرم لـ«القاعدة» المصري أيمن الظواهري من عزلة جغرافية في أفغانستان، يصارع فرعه الأبرز الآخر في اليمن أزمات وجودية من نوع مختلف حيث تتحدث مراكز الدراسات والأبحاث عن خلافات بين القيادات المتوسطة في التنظيم ترغب في الاندماج مع «داعش»، بينما يفقد الجناح المعارض قياداته على أيدي طائرات الدرون الأميركية ورعيله الأول الأكثر شبهًا بـ«القاعدة».
المصدر : الشرق الأوسط

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 3905


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.00/10 (17 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com