الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الكتب
"الخلافة الرقمية".. جذور "داعش" واستراتيجياته الإلكترونية
عقلية "التوحش":
12-09-2015 03:29
الدين و السياسة :
مع سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على مناطق جغرافية شاسعة في سوريا والعراق، وإعلان هدفه عن إنشاء خلافة إسلامية على أقاليم عدة في الشرق الأوسط؛ تعددت الدراسات الساعية إلى البحث عن أصول هذا التنظيم وهيكله التنظيمي ومصادر تمويله وكيفية التعامل معه.في هذا الإطار، في عام 2015، صدر كتاب بعنوان "الدولة الإسلامية.. الخلافة الرقمية"لعبد الباري عطوان، وهو صحفي فلسطيني له العديد من المؤلفات حول تنظيم القاعدة بالإنجليزية، وصدر لبعضها ترجمة بالعربية، وقد أجرى حوارًا مع بن لادن في (تورا بورا) بأفغانستان عام 1996.
وقد اعتمد عطوان في جمع البيانات على زياراته المتكررة للشرق الأوسط، وشبكة علاقات واسعة بمصادر قريبة من قيادات القاعدة وتنظيم الدولة الإسلامية، وقد رأى أن فهم الاستراتيجية الإلكترونية لداعش لا بد أن يبدأ من فهم نشأة التنظيم وأسلوب إدارته للحياة اليومية.
نشأة تنظيم الدولة الإسلامية:
تناول عطوان في عدة فصول بالتحليل نشأة تنظيم الدولة وتوسعه، من خلال فرضية أساسية فحواها أن التنظيم قد وجد في كل من العراق بعد الحرب الأمريكية وفي سوريا بعد الثورات العربية، البيئة الفوضوية الملائمة للعمل على تطبيق استراتيجيته لبناء الدولة الإسلامية، وخاصةً في ظل صراعات طائفية تمت تغذيتها بفعل العديد من العوامل الداخلية والخارجية؛ منها تغذية هذه الصراعات من قبل الجماعات الجهادية نفسها.
فبالنسبة إلى الجانب العراقي، رصد عطوان العديد من العوامل التي أسهمت في نشأة التنظيم وتوسعه، كانت بدايتها مع التغير في فكر صدام حسين القومي العروبي بقبول الإسلام السياسي عنصرًا موحدًا وأساسًا لبناء مقاومة متجانسة في ظل التهديد الأمريكي، فتسامح مع وجود جماعة "أنصار الإسلام" التي سيطرت على عدة مدن وقرى صغيرة على الحدود مع إيران وطبقت الشريعة عليها.
ووفقًا عطوان، كانت القاعدة تتواصل –بدون علم صدام حسين- مع هذه الجماعة ومع العناصر المتأسلمة في جيش صدام حسين التي تحولت إلى عناصر فاعلة في نجاح العمليات الجهادية في العراق وتنظيم الدولة الإسلامية فيما بعد. بعد ذلك، أصبحت العراق ملجأً للآلاف من عناصر القاعدة الهاربة من أفغانستان بعد قصف الولايات المتحدة معقل القاعدة في (تورا بورا) عام 2001، سعيًا إلى إيجاد ملجأ لدى جماعة أنصار الإسلام، وكان منهم الجهادى الأردني البارز أبو مصعب الزرقاوي.
وقد تناول عطوان تطور التنظيم على يد الزرقاوي ومن جاء بعده من جماعة "الجهاد والتوحيد"، وصولاً إلى "تنظيم الدولة الإسلامية في العراق" في أكتوبر عام 2010 تحت قيادة أبو بكر البغدادي الذى أعلن نفسه خليفة في يوليو 2014.
ويعد العامل الفاصل توافر البيئة السياسية غير المستقرة في العراق لنمو تنظيم الدولة الإسلامية. فلم تستطع الولايات المتحدة تحقيق ما وعدت به، من تقديم العراق واحةً للديمقراطية والحرية في الشرق الأوسط؛ فقد سيطرت على العملية السياسية الأغلبية الشيعية في ظل تهميش للسنة وتقارير عديدة عن فساد الحكومة العراقية.
وفي أبريل عام 2013، تبنت الحكومة العراقية منحى عنيفًا في التعامل مع التظاهرات في المناطق السنية؛ ما ترك البلاد فيما أشبه بحرب أهلية، أمدت تنظيم الدولة بالإقليم الخصب؛ حيث توجد أقلية سنية تبحث عن الخلاص.
وعلى الجانب السوري، تنطبق أطروحة عطوان؛ حيث استفاد تنظيم الدولة الإسلامية من الفوضى السياسية وغياب الحكومة المركزية في سوريا، بالإضافة إلى العنف الطائفي والوصول إلى مرحلة حرب أهلية شاملة ساعد في تغذيتها -من ناحية- عنف نظام بشار الأسد ضد المتظاهرين، ومن ناحية أخرى العديد من الفواعل الدولية والإقليمية، ومن ناحية ثالثة الجماعات الجهادية بدعوات منظريها إلى الجهاد ضد نظام بشار العلوي.
ومن الجدير بالملاحظة، ما أشار إليه عطوان من إعلان عدد من الجماعات الجهادية حول العالم مساندتها تنظيم الدولة الإسلامية، كتنظيم القاعدة في الخليج العربي، والجماعة الإسلامية في إندونيسيا، وطالبان باكستان، وغيرها.
هيكل الدولة الإسلامية:
يرى عطوان أن تنظيم الدولة الإسلامية تتوافر لديه عناصر الدولة الثلاث من شعب وإقليم وحكومة؛ لذا خصص الفصل السابع من الكتاب لتناول الهيكل المؤسسي لتنظيم الدولة الإسلامية، وكيفية إدارته الحياة اليومية في الأقاليم التي يسيطر عليها، بالإضافة إلى مصادر تمويله.
فمن حيث الهيكل المؤسسي، يأتي أبو بكر البغدادي "الخليفة إبراهيم" على قمة هرم السلطة، وله نائبان: أبو مسلم التركماني، وأبو علي الأنباري، وكلاهما من القيادات في الجيش العراقي تحت حكم صدام حسين، وقد كانا زميلي البغدادي في سجن مخيم بوكا الأمريكي في البصرة، كما هو الحال بالنسبة إلى كثير من قيادات التنظيم.
وينقسم التنظيم إلى العديد من المجالس الاستشارية والإدارات؛ حيث يعد رؤساء الإدارات أعضاء فيما سماه الكاتب "حكومة البغدادي". ويمثل مجلس الشورى أهم هذه المجالس، يليه مجلس الشريعة الذي يراقب توافق كل جوانب الدولة مع الشريعة، بالإضافة إلى وجود عدة مجالس أخرى.
أما عن كيفية إدارة التنظيم للحياة اليومية، فرصد عطوان الاختلاف في الآراء بين من يرى قدرة التنظيم على إدارة الفوضى التي عاشت فيها هذه الأقاليم وبين من يرصد أعمال العنف الوحشية ضد السكان. لكن الجدير بالإشارة -وعلى عكس التقارير الصحفية- أوضح الكاتب بناءً على تواصله مع سكان في إطار أقاليم الدولة الإسلامية، أنه لم يتم منع تعليم الفتيات، لكن يتم تعليمهم في مدارس مستقلة. وفي إطار سعي التنظيم إلى كسب تأييد السكان، يقدم وجبات يومية للفقراء، ويوزع حبوبًا وخضروات أسبوعيًّا، ويقدم راتبًا شهريًّا للأرامل والأيتام والأسر التي فقدت عائلها.
أما عن مصادر تمويل تنظيم الدولة الإسلامية، فلديه استقلالية وتنوع في مصادر الدخل، يأتي في مقدمتها عوائد حقول النفط التي يسيطر عليها، بالإضافة إلى نهب الآثار وطرحها للبيع على الحدود السورية التركية، بجانب سرقة البنوك، وتجارة العبيد، والفدية في مقابل الإفراج عن المختطفين.
إدارة التوحش:
يرى الكاتب أن ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية من أفعال تتصف بالوحشية المفرطة، كقطع الرءوس والصلب وغيره؛ يأتي في إطار منهج منظم قائم على أفكار أبي بكر ناجي أحد منظري القاعدة في كتابه "إدارة التوحش"؛ حيث يناقش كيفية استخدام التوحش خلال مراحل ثلاث لانتقال الأمة من الجاهلية إلى بناء الدولة الإسلامية، وهو ما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية بالفعل وفق تحليل عطوان.
وفي المرحلة الأولى التي سماها ناجي "مرحلة النكاية والإنهاك"، يتم استنزاف القوى الكبرى اقتصاديًّا وعسكريًّا من خلال ضربات النكاية؛ أي التهديد المستمر والإرهاب من قبل الجهاديين. أما المرحلة الثانية التي سماها "إدارة التوحش"، فقد وصلت الولايات المتحدة فيها إلى مرحلة لا تستطيع الاستمرار في حرب طويلة المدى؛ لذلك لا بد من دفعها إلى حرب مباشرة على الأراضي الإسلامية؛ لأن ذلك سيؤدي إلى هزيمتها على يد المجاهدين، وقد سبق أن عبر بن لادن في حواره مع الكاتب عام 1996عن هذه الفكرة.
ووفقًا لناجي، يتميز "إقليم التوحش" الذي يمثل نواة الدولة الإسلامية، بأنه إقليم تسوده الفوضى؛ ما يُمكِّن المجاهدين من السيطرة عليه بدون مقاومة، بل يوافق الناس على وجود من يدير هذا التوحش. ويؤكد ناجى أيضًا ضرورة توحش المجاهدين أنفسهم؛ ما يجذب وسائل الإعلام وينشر الخوف بين الأعداء والمعارضين، ومع عنف المجاهدين لن تستمر المقاومة للدولة الإسلامية طويلاً.
وفي أثناء مرحلة إدارة التوحش، عدَّد ناجي الأهداف التي يسعى المجاهدون إلى تحقيقها لصالح بناء الدولة الإسلامية، ومنها نشر الأمن الداخلي، وتوفير الطعام والرعاية الصحية، والحفاظ على وحدة الإقليم من الهجوم، وتطبيق الشريعة في القوانين والتعليم وغيرها من الأهداف التي يقوم تنظيم الدولة الإسلامية بالعمل عليها بالفعل.
الاستراتيجية الإلكترونية الداعشية:
يتناول "عطوان" في كتابه الأطروحة الأساسية للكتاب، وهي أنه بدون التمكن من استخدام التكنولوجيا الرقمية، كان من الصعب لتنظيم الدولة الإسلامية في هذه المدة الزمنية القصيرة التوسع بضم أقاليم عديدة وتجنيد هذا العدد الكبير من المقاتلين.
ويُرجع عطوان هذه القدرة على استخدام التكنولوجيا الرقمية إلى ضم التنظيم ما سماه "جيلاً رقميًّا"، في سن المراهقة وأوائل العقد الثالث، بالإضافة إلى تجنيد المتخصصين بمجال تكنولوجيا المعلومات. ومن الجدير بالإشارة أن تنظيم الدولة الإسلامية لم يكن أول من استخدم التكنولوجيا الرقمية من التنظيمات الجهادية المتطرفة؛ فقد سبقته القاعدة في استخدام الإنترنت عام 1995، لكنه طوَّر استخدامه. وقد سعى عطوان إلى حصر مختلف محاور استراتيجية تنظيم الدولة الإسلامية في استخدام الإنترنت:
1- صناعة الصورة: نشر المعلومات والأفكار بين أنصار التنظيم الحاليين والمحتملين، ومواجهة الدعاية السلبية للعدو؛ وذلك بنشر أخبار المعارك، وخلق صورة جذابة لشكل الحياة اليومية في أقاليم الدولة الإسلامية، بالإضافة إلى نشر الأفكار التي تستخدم في الدعاية، كتعظيم الرغبة في الشهادة والاحتفاء بها باعتبارها طريقًا للجنة. تتوافر معظم هذه المادة الإعلامية باللغتين العربية والإنجليزية، وكثير منها متوافر بلغات أخرى كالروسية والصينية وغيرهما.
بجانب نشر المعلومات بين أنصاره، يسعى التنظيم إلى نشر الخوف بين أعدائه ومعارضيه بنشر الفيديوهات شديدة الوحشية، كالفيديو الخاص بحرق الطيار الأردني معاذ الكساسبة حيًّا.
2- عمليات الاستقطاب: يستخدم التنظيم التكنولوجيا الرقمية في التجنيد؛، ففي الدول الإسلامية، يعتمد التجنيد في الأساس على وسطاء، لكن في الغرب، يتم التجنيد من خلال إرسال الشخص بنفسه رسائل إلى حسابات خاصة بالتنظيم على فيس بوك وتويتر، أو يتم التواصل مع الشخص إلكترونيًّا عبر قريب أو صديق بداخل الدولة الإسلامية يدعوه للهجرة إليها، ويوفر له التعليمات اللوجستية. وفي مرحلة لاحقة، يتم استخدام برامج الرسائل الفورية غير المراقبة، كالواتس أب وغيره، وأحيانًا أخرى سكايب.
3- اختراق خطوط العدو: في عام 2003، أصبح الجهاد الإلكتروني أحد مجالات الجهاد بالنسبة إلى القاعدة. وقد أوضح الكاتب عدة مجالات للجهاد الإلكتروني لتنظيم الدولة الإسلامية؛ فمن ناحية، يستهدف التنظيم شن هجمات إلكترونية؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2015، استطاعت مجموعة من قراصنة الإنترنت التابعين للتنظيم تحت مسمى "الخلافة السيبرية"، السيطرة على مواقع التواصل الاجتماعي الخاصة بالقيادة المركزية الأمريكية (Centcom) التي تتولى العمليات العسكرية في العراق وسوريا.
واستطاعت المجموعة الحصول على معلومات شخصية لمئات من العسكريين الأمريكيين. وتبدو الحكومات عاجزة عن مواجهة هذه الهجمات السيبرية نتيجة الحساسية السياسية لقضايا الخصوصية وحرية التعبير، بالإضافة إلى الصعوبات التقنية. ووفقًا لعطوان، يبدو أن الرد الأكثر فاعليةً يأتي من مجموعات من القراصنة الأفراد المعارضين لتنظيم الدولة.
من ناحية أخرى، يسعى التنظيم إلى الحصول على أفضلية في العمليات القتالية من خلال اختراق التكنولوجيا التي تعتمد عليها القوات الكردية والعراقية والسورية في التواصل بشأن خطط العمليات العسكرية. ويقوم قراصنة تنظيم الدولة الإسلامية بالتعرُّف إلى معارضي التنظيم بداخل الأقاليم التي يسيطر عليها ليتم التخلص منهم.
فعلى سبيل المثال، أنشأ التنظيم مواقع إلكترونية معارضة له، فبمجرد الاطلاع على هذه المواقع تقوم برمجيات خبيثة (malware) بتحديد مكان الشخص من خلال عنوان برتوكول الإنترنتIP address .
4- مسلم بوك: في ظل استخدام أنصاره ومقاتليه للتكنولوجيا الرقمية، طور التنظيم نسخته من الفيس بوك تسمى (مسلم بوك)، وأطلق تطبيقًا للهاتف المحمول يوفر لمستخدميه أحدث أخبار التنظيم. وأنتج التنظيم أيضًا ألعاب فيديو، كلعبة باسم (صليل الصوارم)؛ حيث يقوم اللاعب بقتل الجنود الأمريكيين أو نشر المتفجرات.
5- الشبكة السوداء: ترتبط استراتيجية التنظيم في استخدام الإنترنت باستراتيجيته لإخفاء مصدر أنشطته وبقائه مجهولاً؛ حتى يصعب على الحكومات تعقبه؛ وذلك من خلال تقنيات عديدة لعل أساسها يعتمد على الشبكات الخاصة الافتراضية (VPN)، وما يطلق عليها الشبكة السوداء Dark net التي تخفي عنوان برتوكول الإنترنت الذي من خلاله يمكن تحديد مكان الشخص، وتنشئ موقعًا افتراضيًّا لا وجود له في الواقع. ومن أبرز البرامج في هذا الصدد برنامج تور (Tor browser) الذي يخفي موقع الشخص من خلال إرسال البيانات عبر دول، وغيره من التقنيات.
وفي الختام، يصل عطوان إلى بقاء تنظيم الدولة الإسلامية لفترة طويلة؛ حيث استطاع التنظيم وضع جذوره من خلال الاستفادة من الفوضى السياسية في العراق وسوريا، ومن انتقال المجاهدين إلى العراق، وتوافر مصادر التمويل.

عبد الباري عطوان
كاتب وصحفي فلسطيني، رئيس تحرير جريدة "رأي اليوم" العربية
عرض: هايدي عصمت كارس، مدرس مساعد بكلية الاقتصاد والعلوم السياسة- جامعة القاهرة.

المركز الاقليمي للدراسات

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 2537


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.01/10 (22 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com