الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
ما هي الطريقة الصحيحة للتفكير في العلاقة بين الإسلام وداعش؟
ما هي الطريقة الصحيحة للتفكير في العلاقة بين الإسلام وداعش؟
07-15-2016 10:16
الدين و السياسة : في مقال له بعنوان “ما الذي يريده داعش حقًا؟” في مارس الماضي بصحيفة “ذي أتلانتيك”، أصرّ غرايم وود على أنَّ “تنظيم الدولة الإسلامية هو تنظيم إسلامي.” كان المعارضون لآراء وودمتشبثين بموقفهم على نحو مماثل، ويحاججون أنَّ داعش هو تحريف للدين الإسلامي. بحسب منتقدي وود، السياسة العلمانية، التي تتجاوز الدين أو العقيدة الدينية، هي المفتاح لفهم وجود وجاذبية العنف الجهادي.

في أعقاب هجوم أورلاندو في يونيو الماضي، عادت نفس الحجج إلى الظهور مرة أخرى. ووفق نمط التفكير نفسه، كان مرتكب الهجوم، عمر متين، مثلي الجنس يعاني من كبت وأفعاله لا يمكن تفسيرها دون فهم الجذور النفسية والاجتماعية — وبالتالي العلمانية بالأساس — لكراهيته لمجتمع المثليين. في المقابل، “الإسلام الراديكالي” ليس له علاقة بهذا الهجوم، وأنَّ ولاء متين المعلن لداعش هو مجرد وسيلة لتضخيم نفسه. وهذا يوحي بأنَّ هجوم أورلاندو كان حول الكراهية العلمانية، وليس الإرهاب الديني، ولا الإسلام الراديكالي، ولا يرتبط بتنظيم داعش.

ثمة وجهة نظر بديلة تقول بأنَّ متين كان إرهابيًا، وأنَّ أفعاله كانت مستوحاة، إن لم تكن موجّهة من قِبل داعش، والذي أخذ على محمل الجد أمر المتحدث باسم الدولة الإسلامية أبو محمد العدناني لتنفيذ هجمات في الغرب خلال شهر رمضان. وعلاوة على ذلك، وفقًا لوجهة النظر هذه، فإنَّ قرار متين لاستهداف مجتمع المثليين على وجه الخصوص، كمقابل للكفار على نطاق أوسع، هو أمر قابل للتفسير من حيث رهاب المثلية القاتل لدى داعش.

هذه المواقف المتعارضة — موقف يؤكد على الأصول العلمانية للعنف المرتبط بداعش، والآخر يؤكد على جذوره اللاهوتية في “الإسلام الراديكالي” — تعكس اختلافًا أعمق حول دور الأيديولوجيا في الحياة الاجتماعية والسياسية.

في الواقع، الجدال المستمر حول “هل داعش إسلامي؟” هو جدال بين المثاليين والماديين، ويسبق الخلافات الحالية، أو الفظائع التي ارتكبها داعش في بنغلاديش والعراق وأماكن أخرى. في كتاب “إنكلترا في عصر الثورة الأمريكية” الذي نُشر في عام 1930، حذّر المؤرخ البريطاني السير لويس نامير من الشخصيات العامة الذين يدعون إلى المبادئ الأخلاقية العالية لتفسير أفعالهم، وأصرّ على أنَّ هذه المُثل العليا المعلنة سيكون لهامسوغات بأثر رجعي ليست لها علاقة بدوافع هؤلاء الأفراد الفعلية.

في الواقع، بحسب نامير، مثل المؤرخين الماركسيين الذي يدّعي أنّه يحتقرهم، كانت المُثل العليا التي يتذرع بها السياسيون مجرد ظاهرة ثانوية انتشرت لإخفاء نوايا من نوع مختلف، وغالبًا من نوع غير مقبول. لقد تعرّض نامير وأتباعه للنقد من قِبل المؤرخين الأقل تشددًا بسبب آرائهم. قالهيبرت بترفيلد، على سبيل المثال، إنَّ العديد من الشخصيات العامة “تتعلق بإخلاص بالمُثل العليا” ويدّعون التصرف على أساسها.

هذا الصدام حول دور الأيديولوجيا في الشؤون الإنسانية شكّل مسألة فرعية بالغة الأهمية في النقاش بين كريستوفر براونينغ ودانيال جولدهاجن حول طبيعة وأصول محرقة الهولوكوست. في كتاب “Hitler’s Willing Executioners”، يقول جولدهاجن، إنَّ: “الرجال العاديين” الذين أطلقوا النار وقتلوا اليهود أو ساعدوا في ترحيلهم إلى معسكرات الموت فعلوا ذلك لأنهم تبنوا “وجهة نظر هتلرية تجاه اليهود، وبالتالي اعتقدوا أنَّ الإبادة هي أمر عادل وضروري “.على الجانب الآخر، جادل براوننغ في كتابه “رجال عاديون“، بأنَّ الجنود الألمان قتلوا اليهود ليس لأنهم كانوا معادين للسامية، ولكن بسبب وجود “عوامل ظرفية” قوية في العملية التي دفعتهم لقتل اليهود. بحسب براوننغ، الأهم من الأيديولوجيا كان الامتثال للجماعة أو أقران الضغط: الرغبة في الثناء والتقدّم الوظيفي، والخوف من أن تكون ضعيفًا أو جبانًا لدرجة لا تستطيع أن تقتل. وفي معرض تعليقه على تباين وجهات النظر العالمية التفسيرية وراء هذه السرديات المتضاربة، كتب الفيلسوف نيك زانغويل: “جولدهاجن، في أسلوب هيغلي إلى حد ما، يعتقد أنَّ الأيديولوجيا قادت هذا الجزء من التاريخ، أما براوننغ، بأسلوب ماركسي إلى حد ما، يعتقد أنَّ الأيديولوجيا لم تدفع هذا الجزء من التاريخ “.

يمكن أن نرى نفس الانقسام اليوم في الجدل حول داعش، حيث يصرّ البعض على أنَّ الأيديولوجيا في شكل الإسلام الراديكالي هي المفتاح لفهم عنف التنظيم، سواء كان موجّهًا، أو مُستلهَمًا أو موسومًا، يرى البعض الآخر أنَّ العوامل المادية، مثل الظلم السياسي أو المصالح الذاتية السياسية أو الشبكات الاجتماعية تتجاوز أي بُعد أيديولوجي ديني.

بحسب قراءة لويس نامير لداعش، فإنَّ صعود التنظيم إلى السلطة هي قصة الفشل السياسي للدولة في العراق، حيث كان الجهاديون، بالتعاون مع البعثيين السابقين من نظام صدام حسين، قادرين على استغلال السُنة الساخطين والاستيلاء على الأراضي والموارد. الأيديولوجيا، وفقًا لهذه القصة، لم تدفع هذا التقدّم التاريخي، وإنما كانت، مثل الأراضي نفسها، ملحقة ومُعاد تشكيلها لأغراض سياسية خاصة بداعش.وعلى عكس غرايم وود، قالت داليا مجاهد، على سبيل المثال، إنَّ “القراءة العنيفة للقرآن لا تؤدي إلى العنف السياسي؛ بل إنَّ العنف السياسي يؤدي إلى القراءة العنيفة للقرآن.” أو كما أعادت كاثي جيلسنان صياغة ما قالته داليا مجاهد:” إنّه ليس تفسير داعش للنصوص الإسلامية الذي يحرك حشية التنظيم، بل إنَّ وحشية التنظيم المرغوب فيها هي التي تحرك تفسيره للنصوص.” ووفق الرأي، تشرعن الأيديولوجيا عنف داعش، لكنها لا تسببه.

تمتد قراءة نامير أيضًا لتشمل الأشخاص الذين يرتكبون العنف باسم داعش. أشار الصحفي البريطاني مهدي حسن، على سبيل المثال، إلى أنَّ المسلمين الأتقياء لا يتبنون الإرهاب، ولا ينضمون إلى جماعات مثل داعش”. وفي إشارة إلى رجلين بريطانيين قاموا بشراء نسخ من كتاب “الإسلام للدمى” وكتاب “القرآن للدمى” قبل الانضمام إلى الجماعة الجهادية في سوريا، كتب حسن: “الدين يلعب دوراً بسيطًا، أو ربما ليس له أي دور في عملية التطرف.”

وقد أثار هذا الرأي حالة من الجدل منذ نشر مقالة وود العام الماضي. بعد هجمات بروكسل في مارس الماضي، كتب إيشان ثارور من صحيفة واشنطن أنَّ “التطرف لا يدفع الحماس الديني على عكس العوامل المحلية، ويتشكّل أيضًا من قِبل علاقات مع العصابات والأنشطة الإجرامية الأخرى.” وعلى الرغم من أنَّ ثارور أشار ” تعقد “أسباب التطرف الجهادي، إلّا أنّه رفض وصف الدين كمتغيّر بارز في المزيج السببيّ. والأهمّ من ذلك، أنّه ذكر، نقلًا عن كاس مود، وهو أستاذ مشارك في كلية الشؤون العامة والدولية بجامعة جورجيا، قصة كيف خلقت أوروبا “الظروف الملائمة للاستياء الذي يدفع الإرهابيين.”

على الجانب الآخر من هذا النقاش هناك الذين يصرون، بأسلوب هيغلي إلى حد ما، ويرددون آراء زانغويل، أن هناك علاقة مباشرة بين الاعتقاد والعمل، وأنَّ الأول يدفع الأخير لا محالة. كتب الفيلسوف الملحد سام هاريس: “أنت عضو في مجموعة مختارة من البشر، غارق في صادرات شهوانية لثقافة شريرة تحوّل أطفالك بعيدًا عن الله.” أيان هيرسي علي، المسلمة السابقة وواحدة من أبرز منتقدي الاسلام الآن، تدّعي كذلك أنَّ “سبب الإرهاب الجهادي” يكمن في “أيديولوجية الإسلام الراديكالي”. وكتبت أيضًا بازدراء أن “الدين هو مجرد ستار لدوافع كامنة وحقيقية“، مثل المظالم الاجتماعية والاقتصادية.”

ولكن في اندفاعهم إما إلى اللوم أو تبرئة الإسلام، تجاهل المشاركون على جانبي هذا النقاش ما يبدو للآذان غير المسيسة أن وكأنه ابتذال هائل؛ وهو أنَّ الناس الذين يمارسون العنف الجهادي قد تكون لديهم دوافع مختلفة للقيام بذلك، وأنَّ هذه الدوافع قد تكون علمانية ودينية في جوهرها. وكما لاحظ بيتر بيرغن مؤخرًا، وهو يلخص بحثه عن النشاط الجهادي في الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001:

“لقد وجدت أنَّ الجناة مدفوعين عمومًا بمزيج من العوامل، بما في ذلك أيديولوجية إسلامية متطرفة. إنهم يكرهون السياسة الخارجية الأمريكية في العالم الإسلامي، ويشعرون بالحاجة إلى الارتباط بأيديولوجيا أو منظمة توفر لهم الهدف، إلى جانب “الانفتاح المعرفي” للإسلام المتشدد الذي غالبًا ما يتهاوى من خيبة أمل شخصية، مثل موت أحد الوالدين. بالنسبة للكثيرين، الانضمام إلى جماعة جهادية أو تنفيذ هجوم سمح لهم أن يصبحوا أبطال قصتهم. ولكن في كل حالة، تتباين الدوافع.”

هناك شعور آخر يبدو فيه الانقسام بين الأيديولوجي (أو الديني) والمادي (أو العلماني) مصطنعًا. حتى لو كانت دوافع الجهاديين هي أهداف دنيوية في المقام الأول، مثل الشهرة أو التظلم السياسي، إلّا أنهم يسعون إلى شرعنة العنف من خلال الدعوة إلى عقيدة دينية، كما أوضح غرايم وود، لديها أساس، وإنَّ كان مثيرًا للجدل ومتنازع عليه، في النصوص والتاريخ الإسلامي. إذا لم يكن يستعينوا بمثل هذه الأيديولوجية، وإذا لم تجد مثل هذه الأيديولوجية أي دعم بين دائرة أوسع، مهما كانت صغيرة، فإنَّ قدرتهم على التصرف بعنف ستضعف، أو تتحد مع سبب ثقافي آخر.كما افترض المؤرخ كوينتن سكنر، أن انتقاد كل من نامير وخصومه، “سيحول دون أي مسار للعمل لدرجة أنّه لا يمكن شرعنته”. وبناءً على ذلك، قال سكنر”، أي مبدأ يساعد على شرعنة مسار العمل سيكون من بين الظروف التي تمكّن من حدوثه.” والأكثر وضوحًا هو أنَّ الأيديولوجيا ليست السبب الوحيد؛ وإنما هي من ضمن الأسباب، بقدر ما تشرعن وتسهّل أي مسار للعمل.

عمر متين، أيًا كان وما يريد، كان بحاجة إلى ضمان الاستشهاد الإسلامي القتالي لتبرير تصرف القتل الجماعي. وفي داعش عثر متين على هذا الضمان. هذا الضمان ربما لم يمنحه الرغبة في القتل، وربما لم يدفعه إلى القتل عندما فعل ذلك. ولكنه أعطاه رخصة أخلاقية للقيام بذلك، وبالتالي سهّل خطته القاتلة. هذا هو السبب في أنَّ الدوافع الأيديولوجية الدينية، مثل الدوافع الشخصية والسياسية، يجب أن تتجلى في أي محاولة كافية لفهم معضلة العنف الجهادي.

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 341


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
5.01/10 (12 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com