الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
مرصد الإرهاب والتطرف
ماذا يجري في لودر والحوطة؟
ماذا يجري في لودر والحوطة؟
مرصد للحرب لمعارك الشهر الماضي بين تنظيم القاعدة والجيش اليمني
10-04-2010 03:50
الدين والسياسة:
منذ التاسع عشر من شهر أغسطس/ آب الماضي وحتى نهاية الشهر الماضي دارت معارك على قدر كبير من الشراسة بين الجيش اليمني وتنظيم “القاعدة” كان مسرحها محافظتي أبين وشبوة، جنوبي البلاد، حيث خلفت هذه المعارك العشرات بين قتيل وجريح، وشردت الآلاف من المواطنين الذين لم يجدوا لهم ملاذاً آمناً في مناطقهم ففروا إلى خارجها، وعاشت المحافظتان تحت إيقاع الخوف من المجهول، خاصة وأن المواطنين في لودر (أبين) والحوطة (شبوة) لا تزال تراودهما الشكوك من أن تكون الحرب قد انتهت .

“الخليج” رصدت في تحقيقين ميدانيين من أبين وشبوة الوضع الذي عاشته مدينتا لودر والحوطة خلال المواجهات الدامية بين قوات الجيش اليمني ومسلحي تنظيم “القاعدة” في محاولة لمعرفة ماذا جرى ولماذا جرى .

“الحراك الجنوبي” ينفي الاتهامات الحكومية بالتورط في القتال

لا يمكن قراءة أبعاد المشهد السياسي والأمني الراهن في أبين الذي تبرز فيه المدينة كمسرح رئيس لدوائر عنف متزايدة تهمين على مفرداته تداعيات تصعيد أمني لافت ناجم عن تصاعد أنشطة كل من تنظيم “القاعدة” وما يسمى “قوى الحراك الجنوبي” المطالب ب”فك الارتباط” بين شطري اليمن الشمالي والجنوبي من دون التوقف على تفاصيل السيرة التاريخية السياسية والأمنية وخصائص الموقع الجيوبوليتيكي الذي امتازت به أبين عن سواها من المدن المجاورة وأسهم في انفرادها بلعب أدوار تاريخية في صياغة مفردات الواقع السياسي والأمني في مدن الجنوب اليمني قبل الوحدة وبعدها .

فحدود المحافظة تمتد من محافظة البيضاء شمالاً إلى البحر العربي جنوباً وتمثل بالنسبة لمدن الجنوب موقعاً أشبه بموقع القلب من الجسد ونقطة محورية ومؤثرة في صياغة تركيبة التوزيع الجغرافي الذي يفصل الجنوب إلى قسمين، شرقي يشمل محافظات شبوة وحضرموت والمهرة وغربي يشمل محافظتي عدن ولحج، الأمر الذي أكسب أبين وعلى امتداد تاريخها القديم والمعاصر أهمية استراتيجية في توجهات كافة الأنظمة السياسية التي تعاقبت على حكم الجنوب اليمني منذ العام 1839 وحتى الوقت الراهن كمدينة تمتلك مقومات وامتيازات استثنائية طالما أسهمت بدور مؤثر في صناعة مفردات التاريخ السياسي والأمني للجنوب .

وقد استعادت أبين وبشكل نسبي دورها المؤثر في الحياة الجديدة للدولة اليمنية الجديدة بعد أن همشت لسنوات ما بعد أحداث العام 1986 عندما خرجت من معادلة الحكم بخروج الرئيس الأسبق علي ناصر محمد بهزيمته في هذه الأحداث، حيث كان لمحافظة أبين دور مهم وحاسم في إحباط المحاولة الانفصالية التي تزعمها بعض قيادات الحزب الاشتراكي اليمني وتسببت في اندلاع شرارة حرب صيف 1994 حيث أبدت الفعاليات الرسمية ومراكز القوى القبلية والدينية في أبين مواقف مساندة لقوات الرئيس علي عبدالله صالح كان من شأنها ترجيح كفة أحد طرفي الحرب على الآخر مقابل الحصول على امتيازات لاحقة دفعت ببعض رموز المدينة إلى واجهة السلطة في العاصمة صنعاء وأفردت مساحة إضافية لظهور علني لمراكز القوى القبلية والدينية في أبين التي سرعان ما اتجهت إلى توسيع مناطق نفوذها واستثمار أجواء التساهل الحكومي حيال حضورها وتحركاتها المتنامية في تحويل بعض مناطق أبين كجبال حطاط وسرار والكور بلودر وبعض القرى في “جعار” إلى “مناطق نفوذ مغلقة” سرعان ما تحولت إلى “بؤر توتر مزمنة” عقب التحاق مجاميع عديدة من العائدين من أفغانستان والذين درج على تسميتهم “الأفغان اليمنيين” ببعض مراكز القوى الدينية الناشئة والظهور في شكل “جماعات جهادية متطرفة” مثلت لاحقاً “نواة” لتواجد تنظيم القاعدة في ابين ومناطق جنوبية مجاورة من أبرزها شبوة، حضرموت ولحج .

بدت أبين، خلال أحداث لودر الشهيرة وكأنها كانت تعيش أجواء حرب حقيقية، مظاهر صخب مسلح تزدحم بمشاهد دراماتيكية لمواجهات تنشب وأخرى تنطفئ وصور قاتمة لجدران ومنازل ومنشآت حكومية وأمنية وعسكرية تحولت واجهاتها إلى شاهد إضافي على دورات متجددة من العنف الذي أفقد أبين ومنذ أشهر القدرة على احتواء أزماتها والتوصل لتسوية ولو نسبية مع تداعيات مزاج شعبي عكر .

“الخليج” كانت في مدينة لودر بعد أيام قليلة من هدوء صخب المعارك الطاحنة، والتي حرصت على تقصي طبيعة الأوضاع الأمنية الراهنة في أبين في ظل اشتداد ضراوة المواجهات المسلحة بين السلطات اليمنية وعناصر تنظيم القاعدة التي امتدت إلى مناطق خارج منطقة لودر، بخاصة منها “مودية”، حيث يعتقد أن تنظيم القاعدة حولها إلى قاعدة خلفية إضافية لمواجهات تبدو أشمل، والوقوف عن كثب على حقيقة المعلومات المتعلقة بوجود عناصر أجنبية في القتال هناك:

ماذا يحدث في أبين؟

يرجع الحضور الكبير للتنظيم في أبين لسنوات سابقة وتحديداً للعام 2003 الذي شهد أول مواجهات مسلحة بين القوات اليمنية ومجاميع مسلحة تابعة للتنظيم في منطقة “جبل سرار” فيما لم يعد سراً الوقوف على حقيقة تواجد عناصر القاعدة في بعض المناطق، وهو ما أكده النائب في البرلمان اليمني علي عشال والذي يعد أحد الوجاهات الاجتماعية البارزة في أبين بالقول إن “عناصر القاعدة في أبين معروفون لدى الناس وهم يتواجدون في بعض القرى والناس تعرف أسماءهم ومواقع تواجدهم، وهذا ليس سراً بل أمراً معروفاً” .

وتعيش أبين ومنذ مطلع شهر يوليو/ تموز المنصرم ظروفاً أمنية استثنائية عقب تصعيد تنظيم القاعدة وبشكل لافت لعملياته المسلحة التي بلغت حتى نهاية مطلع شهر سبتمبر/ أيلول الجاري 21 عملية هجومية استهدفت في مجملها ضرب منشآت أمنية وعسكرية وتصفية شخصيات امنية واستخباراتية ذات صلة بملف مكافحة الإرهاب وحملات التعقب والملاحقة لعناصر التنظيم في أبين وبعض المحافظات المجاورة وأسفرت هذه العمليات، بحسب مصادر مستقلة بأبين، عن مصرع ما يقدر ب 52 عسكرياً من قوات الجيش ووحدات الأمن المركزي المتخصصة في مكافحة الإرهاب مقابل مصرع 15 من عناصر القاعدة قبيل أن يتوج مشهد الصراع المحتدم بين التنظيم والسلطات اليمنية بتحول دراماتيكي لافت في السياق التقليدي للمواجهات نقل الأخيرة من نمط الهجمات الخاطفة للقاعدة والضربات الاستباقية للقوات الأمنية اليمنية إلى اشتباكات مباشرة ومتصلة احتكرت مشاهدها الدامية منطقة “العماير” التابعة لمديرية “لودر” بأبين التي تحول العديد من أحيائها وشوارعها إلى ساحات مغلقة على مواجهات مسلحة أشبه ب”حرب عصابات” قبيل أن تنحصر الاشتباكات في بعض الأحياء بين مجاميع مسلحة من عناصر القاعدة تتمركز في منازل متفرقة بذات المنطقة وقوات مشتركة من الجيش والأمن المركزي، الأمر الذي تسبب في نزوح ما يقدر بثمانين ألفاً من السكان اثر اشتداد المعارك وارتفاع سقف التوجسات الشعبية من حجم التداعيات القادمة .

ويقول عبدالسلام علي يحيى جابر من أبناء مديرية لودر: “لا يوجد مكان آمن في منطقة “العماير”، لقد فتحت الحرب بين القوات الأمنية والجيش وعناصر القاعدة أبواب جهنم على أهالي هذه المنطقة الذين هرب معظمهم من النيران إلى مناطق مجاورة، الجيش والأمن لايريدون بقاء سكان في “العماير” وطالبوا الجميع بالنزوح، فقد كانوا يريدون إغلاق المدينة على عناصر القاعدة ودفنهم ربما تحت أنقاض المنازل التي يتحصنون فيها” .

المقاتلون الأجانب

تقصي حقيقة أعداد عناصر تنظيم القاعدة المحاصرين في منطقة “العماير” بلودر وعما إذا كان بينهم عناصر أجنبية استدعى البحث عن مصادر مستقلة في ظل النفي الرسمي ومظاهر التشكيك الذي أثاره الإعلان عن اعتقال عناصر أجنبية خلال مواجهات لودر الراهنة .

وبحسب ما أفادت به مصادر محلية من قبيلة “العواذل” بلودر ل”الخليج” فإن ما يقدر ب 200 مسلح من عناصر القاعدة خاضوا لأسابيع مواجهات عنيفة مع قوات الأمن والجيش اليمني وإن من بين هؤلاء أجانب بعضهم وفد إلى لودر قبيل حلول شهر رمضان المبارك بأيام قليلة فقط .

مصادر أمنية مطلعة بأبين كشفت ل”الخليج” عن معلومات استقتها السلطات اليمنية من اعترافات أدلت بها عناصر تابعة لتنظيم القاعدة عقب اعتقالها الشهر قبل الماضي في منطقة “العماير” بلودر من بينهم يمني يدعي أنيس العولي تشير إلى مشاركة عناصر أجنبية مسلحة في نصب بعض الكمائن التي استهدفت دوريات عسكرية وأمنية وافدة للمشاركة في حصار مسلحي القاعدة في “لودر”، من أبرزهم شخص يدعى أحمد محمد عبده دراديش والذي شارك إلى جانب كل من جلال محمد الصيدي وعبد الرؤوف عبدالله محمد نصيب وكلاهما من أعضاء القاعدة اليمنيين في نصب كمين استهدف دورية أمنية قادمة إلى منطقة “لودر” من البيضاء المجاورة ما أسفر عن مصرع 14 جندياً .

وأكدت ذات المصادر أن سعودياً من عناصر القاعدة امتنعت عن كشف هويته لقي مصرعه مع سبعة آخرين من أعضاء التنظيم بينهم اثنان آخران من الأجانب نهاية الأسبوع المنصرم خلال انفجار عبوات ناسفة تم إعدادها من قبل عناصر القاعدة ككمين استهدف دورية عسكرية في منطقة “لودر”، ما أسفر عن مصرع 11 من أفراد الدورية .

ويقول مسؤول محلي بمنطقة لودر إن من بين عناصر القاعدة الذين كانوا يقاتلون في لودر سعوديون وباكستانيون ومصريون وسوريون ونحو 8 صوماليين من حركة “الشباب المجاهدين” الموالية للقاعدة .

الفرار إلى جبال الكور

إحكام قوات من الجيش اليمني معززة بوحدات متخصصة في مكافحة الإرهاب فرض طوقاً أمنياً وحصاراً مشدداً على منطقة “العماير” بعد إخلائها من معظم سكانها لتركيز الضربات على مسلحي القاعدة المتمركزين في بعض المنازل والأحياء بالمنطقة والذين يستخدمون أسلحة متوسطة وقذائف “آر .بي .جي” لم يحل دون تمكن العديد من هؤلاء من التسرب من قبضة الحصار والفرار باتجاه جبال “الكور” المتاخمة لمنطقة العماير “التي تعرضت بدورها مؤخراً لعمليات قصف صاروخي مركز على مواقع تمركز عناصر القاعدة” .

ويقول مسؤول محلي بلودر ل”الخليج” إن هذه المجاميع عاودت التمركز بعد انتهاء المواجهات في منطقة أم عين، والتي شهدت اشتباكات مع قوات الأمن ثالث أيام عيد الفطر المبارك، بالإضافة إلى منطقتي المنياسة وجبال الخور من محافظة أبين، أما المجموعة الكبرى منهم فقد اتجهت إلى محافظتي مأرب وشبوه في مقدمهم زعيم التنظيم في جزيرة العرب ناصر الوحيشي ونائبه السعودي سعيد الشهري والقيادي البارز في التنظيم المطلوب للولايات المتحدة أنور العولقي وشخص يدعى الشبواني يعتقد أنه أمير القاعدة “في محافظة مأرب، إضافة إلى أمير “القاعدة” في مديرية لودر ويدعى خالد باطرفي، الذي يقول المسؤول الحكومي إنه كان القائد الميداني لمسلحي التنظيم خلال المواجهات الماضية مع قوات الجيش والأمن .

ويشير المسؤول المحلي إلى أن واحداً من أهم المعاقل الرئيسة للقاعدة يتواجد في مديرية مودية التابعة لمحافظة أبين، ويقول إن مجاميع مسلحة منهم يعسكرون ويجتمعون حالياً لدى أمير التنظيم في مودية عبدالمنعم الفتحاني، كما يؤكد أن جيوبا لمسلحين من التنظيم لا تزال موجودة داخل مدينة لودر وأن عدداً منهم يظهر فجأة ويختفي فجأة .

ويقول جمعان حسن عبده باصهيب، وهو باحث أكاديمي متخصص في شؤون الجماعات الأصولية: “لقد تسرب العديد من عناصر القاعدة الذين كانوا محاصرين في “العماير” بلودر وفروا باتجاه جبال “الكور”، وهو ما سيتسبب في امتداد نطاق العنف إلى مناطق مجاورة لمنطقة “العماير”” .

ويرى أن “نجاح هؤلاء في التسلل خارج الطوق الأمني والعسكري المشدد قد يشير إلى حصولهم على مساعدة من جهات محلية وهو احتمال قائم، وربما ينصب في اتجاه اتهام أطراف محددة بالوقوف وراء تهريب مطلوبين من القاعدة وتسهيل وصولهم إلى مواقع آمنة خارج نطاق الحرب الضارية الناشبة حالياً في لودر” .

وقد اتجهت أصابع الاتهام الحكومية ومنذ وقت مبكر إلى الربط بين رفض مجاميع منضوية في إطار ما يسمي قوى الحراك الجنوبي في أبين مغادرة منطقة “العماير” والانصياع لطلب السلطات الأمنية بإخلاء المدينة والتوجه صوب مناطق مجاورة مع التعهد بالتسريع بالحسم العسكري للمواجهات الطارئة مع أعضاء تنظيم القاعدة وبين التواجد المكثف لعناصر في ذات المنطقة وتمكنهم من الصمود رغم كثافة القصف المركز من قبل القوات الأمنية ضد مواقع تمركز المحاصرين من أعضاء التنظيم، بل وصلت تلك الاتهامات إلى حد إدانة “قوى الحراك” بالتدخل المباشر والمسلح في المواجهات لصالح عناصر القاعدة من خلال تطوع مقاتلين وفدوا من مناطق مجاورة للمشاركة في القتال ضد القوات الأمنية، وهو ما قوبل بنفي قيادات “قوى الحراك الجنوبي” في أبين التي تعاطت مع الاتهامات الحكومية بتورط قوى الحراك في تقديم الدعم اللوجيستي والمسلح لتنظيم القاعدة باعتباره جزءاً من محاولة تشويه سمعة “قوى الحراك” وتسويق الذرائع لاتخاذ إجراءات أمنية عقابية ضد ناشطيه في أبين .

ويقول عيدروس حقيس القيادي في الحراك الجنوبي إنه: “لا توجد أية علاقة بين قوى الحراك بكل ما يجري حالياً من عنف في مديرية لودر، وقد أبدينا موقفاً رافضاً ومندداً لهذه الأحداث واتهامات السلطات للحراك الجنوبي بالارتباط بدعم القاعدة في لودر تستهدف فقط الإساءة للحراك الذي ينطلق في أنشطته من أدبيات النضال السلمي الهادف إلى استعادة الحقوق المسلوبة، ومن جهتنا نتهم السلطات الأمنية بالسعي إلى تفجير الأوضاع في أبين” .

من جهته اتهم علي حسن نصار، أحد القيادات الشعبية لقوى الحراك الجنوبي في أبين السلطات الأمنية في أبين بشن حملة اعتقالات في أوساط ناشطين في الحراك الجنوبي بمديرية لودر والزج بهم في السجون على خلفية المواجهات المتصاعدة في منطقة “العماير” وتحت مبرر التورط في تقديم دعم لتنظيم القاعدة بالقول: “اعتقلت السلطات العشرات من ناشطي الحراك الجنوبي في لودر تحت مبرر تقديم الدعم لتنظيم القاعدة والمشاركة إلى جانب المجاميع التي وقعت معها مواجهات في لودر التي لا تزال مستمرة، وهذا يعد خلطاً مفتعلاً للأوراق ومحاولة لاستثمار أحداث لودر في ضرب قوى الحراك الجنوبي التي تعتمد في أنشطتها على الخيار السلمي وليس اللجوء إلى العنف أو المشاركة فيه” .

مدينة أشباح

إلى الشرق من مدينة عدن، وعند الكيلو 400 تقع مدينة الحوطة بمديرية ميفعة بمحافظة شبوة، وتذكر كتب التاريخ أن الذي أسسها واختطها العلامة علي بن محمد بن عمر الحباني الخولاني سنة 727 ه، فكانت وعبر قرون طويلة مدينة السلام والأمن والأمان في ظل حكم مشايخ آل الفقيه علي، فكانت تسمى “الحبط”، أي المكان الآمن، حيث كانت القبائل تمتنع عن استخدام السلاح فيها كما يمنع فيها القتال .

عندما تتجول في الحوطة تأسرك تلك المباني الطينية الرائعة الموغلة في القدم، وهي تناطح السحاب، بينما الجبال تلف المنطقة من كافة الاتجاهات، وتستوقفك تلك العمارات بديعة الصنع التي تظهر للمرء كقطع معمارية تتجلى فيها عبقرية التصنيع وعظمة الأجداد .

تجولت “الخليج” في سوق المدينة بعد توقف هدير المدافع ولعلعة الرصاص بيومين فقط، فوجدنا ضعفاً في حركة السوق، وهنا قيل لنا إن العناصر المسلحة التي يعتقد أنها تنتمي لتنظيم القاعدة، كانت تنصب نقطة لتفتيش المارة وخاصة في الأيام الأولى للأحداث التي استمرت لأسبوع كامل .

بدأت علاقة الحوطة بالجماعات الجهادية قبل نحو خمس سنوات، وجرت أول مواجهة ومصادمة بين الجماعات الجهادية المسلحة وقوات الأمن العام خلال العام ،2003 إلا أنها سرعان ما انتهت من دون خسائر مادية أو بشرية، غير أن الأمور تطورت في بداية العام الحالي عندما قامت قوات الأمن بمهاجمة المدينة بحثاً عن عناصر اتهمتهم الدولة بالانتماء إلى تنظيم القاعدة، وطلبت من شيخ آل الفقيه علي وهو عبدالله أحمد المحضار ضرورة تسليمهم عاجلاً، وتفاقم الأمر وحدثت المواجهة بين الأمن والشيخ المحضار، وانتهت المواجهة بمصرع الشيخ المحضار، لينتهي حكمه للحوطة الذين استمر لنحو 15 عاماً، وبعدها بشهر اختير الشيخ حسين عبدالله باحنحن شيخاً للحوطة .

وقد جرت محاولات من قبل بعض الوجاهات والشخصيات القبلية لاحتواء الموقف، لكن من دون جدوى، يقول حسين عبدالله باحنحن، شيخ آل الفقيه والحوطة عموماً: “لقد قمنا ضمن مجموعة من مشائخ مديرية ميفع بالوساطة بين الطرفين، وطلبنا من الشباب المسلحين تسليم أنفسهم على أن نذهب بهم برفقتنا وضمانتنا إلى رئيس الجمهورية، المعروف عنه التسامح، وتواصلنا معهم عبر الهاتف، إلا أن الوساطة لم تنجح، خاصة وأن المسلحين كانوا قد أقاموا نقطة تفتيش للمواطنين، وكان المواطنون يمرون عبر هذه النقطة قرب سوق المدينة، وقد كانت الوساطة تهدف إلى الضغط على الطرفين لتجنب المنطقة شر القتال وهو ما حصل لاحقاً” .

وأضاف باحنحن: “قلنا للمسلحين لقد قمتم بتهجير أبائكم وأمهاتكم وإخوانكم وأطفالكم من أبناء الحوطة وجعلتموهم مشردين بلا مأوى ولا طعام، ونشرتم الرعب في قلوب الأطفال والنساء والإخوان فماذا استفدتم؟” .

حرب الأيام السبعة

يوم الجمعة الذي وافق السابع عشر من شهر سبتمبر/ أيلول الماضي عادت المواجهات من جديد بين الجماعات المسلحة والقوات الحكومية، غير أن هذه المرة اختلفت تماماً عن المرات السابقة، فالمواطنون في الحوطة يقولون إن ما حدث هذه المرة هو حرب بكل معنى الكلمة، فقد تشرد الآلاف وحشد الجيش قواته بشكل لافت، حيث تضررت المنازل الحوطية، وتحولت المدينة إلى مدينة أشباح .

في الاتجاه الشمالي الغربي من الحوطة وعلى بعد كيلومترات قليلة من قلب المدينة تقع قرية صغيرة تسمى “باطفيف” تحيط بها الجبال من ثلاث جهات، الشرق والغرب والشمال، بينما يحدها جنوباً وادي عماقين، أحد روافد وادي ميفعة الشهير .

تعتبر قرية “باطفيف” هادئة تسكنها قبيلة آل بابريش النعمانية، ورغم بعد هذه القرية بعض الشيء، إلا أنها اكتوت برحى حرب الأيام السبعة، فقد كانت العناصر المسلحة لتنظيم القاعدة تتخذ من هذه القرية ممراً لها، وهو الأمر الذي أدى إلى قيام الجيش اليمني بالقصف المدفعي باتجاه القرية الوديعة، وأدى ذلك إلى تضرر منازل القرية بأضرار جسيمة، فقد اقتحمت قذائف الحرب منازل المواطنين ودمرت أجزاء منها، حتى غرف النوم لم تنج من أهوال هذه الحرب، بحسب الأهالي، ولم يسلم مشروع المياه من “النيران الصديقة”، كما أن ثلاث سيارات من سيارات المواطنين أخذت نصيبها من الحرب .

يصّر أهل القرية على تسمية هذه الأحداث “الحرب”، وهم بذلك يشيرون إلى أن أياماً سوداء مرت عليهم لم يروا مثلها من قبل، فقد كان الخطر يحدق بهم من كل اتجاه، وكانت أصوات المدافع والدبابات والطائرات ورشاشات القناصة تحيط بهم من كل مكان .

وكان تبادل إطلاق النار مستمراً ليل نهار، ولا يكاد ينقطع، حينها قرر عقال القرية ترحيل الأطفال والنساء إلى خارج القرية، وكان ذلك قراراً صعباً بالنسبة لهم، لكن كان الأصعب منه هو كيف يمكن الخروج تحت ظل هذه النيران المتبادلة، فطرفا القتال على أهبة الاستعداد لقنص أي كائن بشري يظهر للعيان .

في اليوم الخامس للحرب استغل أهل القرية بعض الهدوء في جبهة المواجهة، وحينها هرع الأطفال والنساء وكبار السن بالخروج من القرية عبر السلسلة الجبلية الطويلة ونجحوا في ذلك .

قصة نزوح

عبدالمجيد بوداحس، شاب تجاوز العشرين عاماً بقليل، يحكي ل”الخليج” قصة نزوحه وأسرته بالقول: “في اليوم الثاني للأحداث، وبعد أن نزح العديد من الأسر في اليوم الأول، قررنا الخروج بالأسرة من جحيم وهول ما يحدث، وتركنا وراءنا كل ما نملكه، وكان الخروج من الحوطة أمراً صعباً، فأصوات المدافع والدبابات والقناصة المسلحين من حولنا، لكن الحمد لله نجونا وخرجنا واتجهنا بالأسرة إلى مدينة المكلا بحضرموت، وهناك استأجرنا شقة مفروشة على مدى أسبوع، وحيث تجاوز المبلغ الذي أنفقناه نحو ثلاثمئة ألف ريال” .

ويضيف قائلاً: “كنا قلقين على الوضع في الحوطة، وكنا والأسرة نتابع باهتمام ما يجري من أحداث، وكانت قلوبنا مشغولة بما يدور، ولم نكن لوحدنا في المكلا، فقد كان كثيرون من أهل الحوطة الميسورين اختاروا السكن في فنادق وشقق مفروشة” .

وكانت الكارثة الإنسانية كبيرة، لهذا شكلت السلطة المحلية بمديرية ميفعة فريق عمل لمواجهة هذه الكارثة المتمثلة في نزوح الآلاف من سكان حوطة الفقيه علي، وكان يرأس الفريق مدير عام المديرية عبدالله عاتق باعوضة، وكانت مهمة الفريق متابعة الأوضاع الإنسانية في المنطقة المنكوبة، ويقول عاتق بهذا الصدد: “كانت مهمة جديدة بالنسبة لنا، فهذه أول أزمة تواجهنا بهذا الحجم، وكانت مشكلتنا تتمثل في عدم وجود الإمكانيات المادية لدعم النازحين المنكوبين الذين نزحوا إلى مناطق عدة في المديرة، وخاصة عزان، جول الريدة، وضاحية الخرمة الحوطة الجديدة، وقررنا فتح المدارس لإيوائهم، غير أن معظم النازحين فضلوا البقاء عند أقاربهم في مناطق مختلفة في المحافظة ومحافظتي عدن وحضرموت” .

ويضيف عاتق، وهو شاب طموح تقلد مسؤولية إدارة المديرية قبل عام: “كان عامل الوقت بالنسبة لنا مهماً، تأخرت المعونات بعض الشيء، وأثار ذلك ضجة وانزعاج النازحين، وتواصلنا مع قيادة المحافظة ومفوضية الأمم المتحدة، وكان التجاوب جيداً من قبل هيئات الأمم المتحدة” .

ويؤكد عاتق أن هذه الأحداث علمته أشياء كثيرة ستفيده في الأيام القادمة، وهو يقول إن الأمور لم تنته بعد خاصة ما يتعلق بالجوانب الإنسانية، فعودة النازحين لم يتجاوز ال 10 % فقط .

وضع مقلق

يبدو أن حالة القلق والخوف من العودة إلى المدينة بعد كل هذا الضجيج سرت في نفوس كثير من أبناء الحوطة، ولعل علي بوداحس، وهو رئيس النادي الرياضي الوحيد في الحوطة واحد من هؤلاء النازحين الذين يرفضون عودة أسرهم، ويقول ل”الخليج”: “الوضع لم يستقر بعد، والجيش لا زال منتشراً وموجوداً في المدينة بشكل كثيف، والأطفال والنساء يرفضون العودة إلى المنطقة، نحن بحاجة إلى بعض الوقت للعودة” .

وعند سؤالنا له عن دور النادي وعلاقته بشباب المنطقة قال: “للأسف الشديد النادي لم يعترف به رسمياً حتى الآن، ولم يحصل على أي دعم من الحكومة، والشباب في المنطقة محرومون من أي مشروع ثقافي أو رياضي يجذبهم، كما أن الشباب هنا محرومون من الوظائف الحكومية، فيما البطالة منتشرة بشكل كبير” .

أما الشيخ حسين عبدالله باحنحن شيخ منطقة الحوطة فإنه يقول إن “الحياة الطبيعية بدأت تعود من جديد إلى الحوطة بشكل متدرج ويتم حالياً إصلاح ما خربته الأحداث وخاصة ما يتعلق بالخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والاتصالات، ولجان حصر الأضرار ترصد ما نتج عن هذه الأحداث، فهناك منازل تضررت في بعض الأحياء السكنية مثل البريقا، باطفيف، حصاه الديمة، شعب باجونه، بامرصعه وغيرها”، ويتحدث الشيخ باحنحن عن حرمان منطقته من مشاريع الحكومة، ويذكر بهذا الصدد أن المدينة تفتقر إلى مشروع صرف صحي ولا توجد بها مدرسة ثانوية ولا مستشفى . ويضيف: “المشكلة التي تواجه شباب قبيلة آل الفقيه عدم توظيفهم من قبل الحكومة ونادراً أن تجد موظفاً من القبيلة لدى الحكومة، وهذا سبّب الإحباط لدى نفوس كثير من شبابنا”، ويتابع: “نحن ندين بشدة ما حدث ونحن ضد من يرفع السلاح ضد الدولة، هذا لا يجوز شرعاً، ونحن تحاورنا ومعنا مجموعة من أهل العلم مع هؤلاء الشباب ونصحناهم بضرورة الرجوع إلى رشدهم وصوابهم وجادة الحق والصواب” .

أطفال الحرب

يعاني أطفال الحوطة آثاراً نفسية عميقة، والتقت “الخليج” بالعديد منهم أثناء تجوالها في مختلف أحياء المدينة، لذا فإن منظمة “اليونيسيف” تستعد للاطلاع على هذه الحالات ومعالجتها، ويقول الدكتور محمد الإبي من منظمة اليونيسيف: “سنبحث عن الأطفال الذين تضرروا نفسياً من هذه الأحداث ونقوم برعايتهم” .

ولا تزال مدارس الحوطة مغلقة، ولم تبدأ الدراسة فيها بعد، ويقول مدير مدرسة الحوطة للتعليم الأساسي محمد الصاعري: “لم نبدأ العام الدراسي بعد، وذلك بسبب استمرار نزوح الأهالي والأسر خارج المدينة، وحتى الأسر القليلة التي عادت ترفض إرسال أطفالها إلى المدرسة، كما أن الأطفال أنفسهم يرفضون الذهاب إلى المدارس، ويقولون إنهم يحتاجون إلى بعض الوقت حتى يتأكدوا أن الحرب قد انتهت فعلياً” .


الخليج الإماراتية

تعليقات الزوار 0 | إهداء 0 | زيارات 1573


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.01/10 (50 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com