الدين والسياسة | مركز الدين والسياسة للدراسات


جديد دراسات
جديد المرصد
جديد المقالات

المرصد
تحليلات وملفات
(مركز الدين والسياسة) يقدم: الملف الكامل لمراجعات الدكتور عبد العزيز الحميدي
(مركز الدين والسياسة) يقدم: الملف الكامل لمراجعات الدكتور عبد العزيز الحميدي
مراجعات الحميدي .. ضربة فكرية جديدة لـ(القاعدة)
10-06-2010 11:51
الدين والسياسة – خاص:
انطلقت المراجعات الفكرية اول ما عرفت في مصر وهو ما عرف بمراجعات الجماعة الاسلامية ثم امتدت لتشمل مناطق متعددة في السعودية والمغرب وليبيا والجزائر واليمن وغيرها، مما يؤكد أن المراجعات الفكرية ليست بالأمر الجديد ولا الطارئ بل هي حالة طبيعية للاجتهاد، إلا أنها برغم الزخم والجدل التي خلفته الكثير من تلك المراجعات الفكرية للجماعات الإسلامية التي ارتبطت بالعنف او العمل المسلح مازالت موضع ريبة وتشكيك في جدواها وفاعليتها وتأثيرها ومصداقيتها ، ناهيك عن الشكوك التي قد تطالها لاصظباغها بصبغة سياسية في بعض الأحيان أو وقوع أصحابها في محنة السجن والاعتقال مما قد يراه البعض عائقا أمام حرية التعبير والتفكير .
قد يختلف البعض أو يتفق مع الرؤية السابقة لكن ما يمكن الاتفاق عليه لدى الكثير من المتابعين والمختصين أن المراجعات الفكرية التي أطلقها الدكتور عبد العزيز الحميدي من المملكة العربية السعودية عبر برنامج همومنا على التلفزيون السعودي تختلف كل الاختلاف عن غيرها من المراجعات السابقة لأسباب عديدة أهمها:
1- القيمة الأكاديمية والعلمية: فالشيخ عبدالعزيز الحميدي أكاديمي متخصص في العقيدة ، حاصل على شهادة الدكتوراه في العقيدة من جامعة أم القرى وعمل كأستاذ مساعد بقسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين بجامعة أم القرى وعين رئيساً للقسم لمدة سنتين من عام 1422 هجرية إلى عام 1424 هجرية.
2- أن الكثير من الأمور التي اشتملت عليها مراجعاته تتعلق بتخصصه فهي مسائل عقدية بحته بني عليها الكثير من الأفكار المهمة لدى حملة الفكر الجهادي كموضوع الولاء والبراء والموقف من غير المسلمين في البلدان الإسلامية وضوابط النصرة وغيرها
3- كونه باحث متمكن ويتضح ذلك من مؤلفاته التي يمكن لأي باحث أن يرى فيها المتانة العلمية بالرغم من الخلاف العلمي معه حول نتائجها.
4- أن تميز هذه المراجعات جاء من خلفية الدكتور الحميدي المتخصصة التي أتاحت له مناقشة الأدلة بشكل تفصيلي كما استطاع أن يعرج على أبرز الإشكالات التي يتم طرحها عادة في ملف الولاء والبراء وهو الشعار الأكثر استخداماً من قبل جماعات التطرف والغلو لما له من تأثير كبير بسبب تعقيده وتفاصيله على تبني رؤية هجومية تجاه غير المسلمين بدعوى النصرة والجهاد. (يوسف الديني في مقال بعنوان : قراءة في مراجعات د. الحميدي).
5- انقطاع الشيخ عن الناس خلال الفترة الماضية وهو المنشغل في قضايا الجهاد أتاح له البحث باستقلالية من خلال أدواته العلمية التي انعكست على حديثه.
لهذه الأسباب وغيرها كان لابد من إلقاء الضوء على أهم الأطروحات التي قدمها الحميدي في مراجعاته ومن خلال ( مركز الدين والسياسة للدراسات والبحوث ) حاولنا جمع مانشر من هذه المراجعات ومتابعة القادم منه وفهرسته موضوعيا حتى يتسنى للمختصين الرجوع اليه لاسيما وان المادة الموجودة ثرية ومثار جدل كبير :

1- تصحيح مفهوم الولاء والبراء:
مفهوم الولاء والبراء يعد ركيزة مهمة في الشعارات التي يطرحها الفكر الجهادي وهو اللبنة الأولى التي يبنى عليها ما بعدها ويجذب الشباب المسلم المفعم بالحماسة الدينية عن طريقها وذلك من خلال تحوير مدلول النصوص الشرعية واستخدام سلاح التكفير والتشهير، وإعادة النظر في هذه الملفات بعد أن كانت قضايا عالقة غير قابلة للنقاش فيقول الحميدي: أن الولاء والبراء هي المحبة التي ينبني عليها طاعة الله وطاعة رسوله ونصرة الله ونصرة رسوله ودينه وكتابه والانضمام إلى جماعة المسلمين وموالاتهم ومحبتهم ونصرتهم ضد من ينائم عدوهم ،فقاعدتهم الأساسية هي المحبة اللي هي قاعدة الدين الأساسية والأصلية، فلا يتصور دين بلا محبة كما لا يتصور دين بلا موالاة تامة لله سبحانه وتعالى، وكذلك لرسوله عليه الصلاة والسلام، وأهل السنة يربطون موضوع الولاء والبراء بالمحبة التامة وبالنصرة وبالطاعة التامة لله بحسب الاستطاعة، ولذلك الولاء والبراء ارتباطه بمفهوم الدين وهو محبة الله ورسوله ارتباط وثيق، بل هو علامة المحبة الخالصة لله ورسوله عليه الصلاة والسلام.

واضاف أن العبد المؤمن عندما يؤمن بالله ورسوله تتوجه محبته لربه وخالقه ومبدعه ورازقه ولرسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ولدينه القويم ولإخوانه المسلمين هذا لا يلغي إنسان مرتبط بمحبة طبيعية في أمور كثير كقريبه لو كان كافر قريب كافر كوالد أو والده كيف نفهم حزن النبي صلى الله عليه وسلم على وفاة أبي طالب مثلا على غير الإسلام إلا لأنه كان يحب والدليل قوله تعالى:» أنك لا تهدي من أحببت» وقيل أحببت هدايته وكلاهما صحيح كان يحب الهداية له لأنه يحبه لقرابته منه الميل الطبيعي والمحبة الطبيعية .

2- الصلح مع الكفار أذن الله به ومارسه الرسول:
أوضح الحميدي أن الصلح والتصالح مع الكفار أذن الله سبحانه وتعالى به ومارسه وفعله النبي صلى الله عليه وسلم ممارسة عملية طوال حياته ومورس بعده في عهود الخلفاء الراشدين ولولا أن الله سبحانه علم عندما أذن له بالمصالحة وفعلها النبي وإنها لا تعارض ولا تقدح في ولاء المؤمن ونصرتة وانضمامه ومحبته لله ورسوله و براء من الكفر وأهله في شيء ، لما أذن الله بها لأن الله لا يمكن أن يأذن بشيء ولا يمكن الإنسان أن يفعل شيئا وفيه نوع من المضادة لأمر الله والمضادة لهذا العنصر الأساسي والباب الكبير ألا وهو باب الولاء والبراء.

وأضاف أن الفقهاء قسمو الصلح والتصالح مع الكفار إلى نوعين أساسيين يحتاجه المسلمون في حياتهم العملية خصوصا لانه الدين الختامي للأديان والنبي صلى الله عليه وسلم هو النبي الخاتم فالشريعة الإسلامية جاءت لتكون صالحة للعمل والتطبيق لكل زمان ولكل مكان وتراعي ظروف المسلمين وأحوالهم على كل الأحوال وكل التغيرات، فليس المسلمون في كل وقت أقوياء وليس المسلمون في كل وقت ظاهرون، وليس المسلمون في كل وقت منتصرون، تأتي عليهم ظروف وأحوال إما في مجموعهم وإما في بعض بلدانهم يكونون في موضع ضعف وفي موضع قلة وفي موضع فقر، والكفر والكفار من حولهم بدولهم ظاهرة عليهم، فيحتاجون حاجة ملحة وضرورية لوجودهم ودفع الشر عنهم إلى شيء من المعاهدات والتصالح مع الكفار سوءا كان صلح مؤقت وهو النوع الأول كما يقسمه العلماء بسنوات محددة عشر سنوات كصلح الحديبية صلح النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش وهم من ألد أعدائه كما نعرف وحاربوه قبل صلح الحديبية في عدة حروب كبرى كبدر وأحد والأحزاب وعقد معهم المعاهدة على عشر سنوات يأمن الجانبان ويختلط المسلمون بالكفار والعكس، وتضع الحرب أوزارها وأن بيننا عيبة مكفوفة أي أن الصدور سليمة ونيات حسنة على الوفاء وعدم الغدر وعدم نقض المعاهدة، ولولا أن قريش نقضتها بإعانتهم بحلفائهم على حلفاء النبي صلى الله عليه وسلم لاستمر عليها النبي عليه الصلاة والسلام .

واشار الى أن هناك صلح مفتوح لا يوقت بوقت يبقى سارياً ما التزمه الطرفان هذا النوع الثاني، وقال «ان الإمام البخاري رحمه الله في «الجامع الصحيح « في أواخر كتاب الجهاد عقد أبواب الجزية والموادعة والمصالحة مع أهل الحرب وأهل الذمة، وأدخل في هذه الأبواب أبواب الجزية والموادعة التي ختم بها كتاب الجهاد مابين تحقق المقصود في نوعي الصلح المؤقت والمفتوح، فقال رحمه الله باب الصلح ثلاثة أيام أو أكثر مع الكفار ,مستدلا بحلف الحديبية في حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة، ثم ذكر بعدها باب الصلح بدون توقيت مع الكفار مفتوحاً يبقى سارياً ما التزمه الطرفان، وقد فعله النبي صلى الله عليه وسلم وعاهد يهود بني قريظة و النضير و قيقناع بدون تحديد أنهم لا يعيننا أحداً عليه ولا هو يعين أحداً عليهم ولا غش ولا خديعة ولا حرب بينهم، ولو أن كل قبيلة من هذه القبائل الثلاث اليهودية نقضت من قبلها المعاهدة لاستمر عليها النبي صلى الله عليه وسلم بدون توقيت بل ذكر البخاري قصة معاهدة النبي صلى الله عليه وسلم لمجوس هجر من جهة البحرين مجوس عاهدهم النبي عليه الصلاة والسلام على عدم الاعتداء وعدم الحرب وتوفي النبي صلى الله عليه وسلم وهذا العهد باقٍ و مستمر، ولذلك رعاه أبو بكر الصديق بعده واستمر عليه، ورعاه عمر بن الخطاب كذلك بعده واستمر عليه، ومعاهدته ليهود خيبر مشهورة جدا على أن لهم نصف الثمار والنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه نصف الثمار واستمرت إلى عهد عمر حتى نقضوها لما اعتدوا على عبدالله بن عمر وكادوا يقتلونه فاعتبر هذا نقضاً لهذا العهد فأجلاهم من خيبر ، لأن المصلحة تقتضيه ذلك.

3- ليس من الضرورة أن يكون الإسلام في حالة حرب دائما:
رأى الشيخ عبد العزيز الحميدي أنه « ليس من مصلحة المسلمين أن يكونوا في حالة حرب دائمة ومستمرة في كل وقت وكل يوم مع الكفار فهم لا يطيقون ذلك، وستأتي عليهم ظروف لأن الإسلام سيبقى صالحا إلى أخر الزمان , ودول الاسلام في هذا الزمن مستضعفة ضئيلة مساحتها سكانها قليلون قوتها محدودة حولها دول كافرة عاتية من مصالحها القوية بل من الضرورات أن يعقدون الصلح مع هذه الدولة لعدم الاعتداء ولا يوقتونه بأي وقت ويكون بينهم تعاونات تجارية يسلمون من شرهم ويسلمون من مكرهم ويسلمون من أذيتهم ويأمنون على أنفسهم وعلى دمائهم وعلى أموالهم هذا من ما تقتضيه المصالح الكبرى ولا يقدح ذلك في شيء لأنه لو قدح لم يكن يمارسه النبي صلى الله عليه وسلم لا في الحديبية ولا مع مجوس هجر ولا مع يهود خيبر».
وقال «ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم من منطلق الضعف لم يكن ضعفا ، بل كان منتصرا في بدر، وكان منتصرا في الأحزاب بنصر الله عز وجل له وكفى الله المؤمنين القتال ورد الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وأصحابه يزيدون ودينه يظهر وآياته تنتشر فهو لم يطلب , وهو الذي طلب الصلح مع قريش حتى قال كلمته المشهورة عليه الصلاة والسلام كما في الصحيح والله لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها من حفظ الدماء وتعظيم حرمة البيت الحرام وأمن الناس وكف الأذى ووضع الحرب بين الطائفتين كل هذا من التعظيم لحرمات الله إلا أعطيتهم ،مشيرا الى أن ابن القيم في « زاد المعاد» استنبط هذه الفائدة من ضمن دروس صلح الحديبية أن لإمام المسلمين في يوم من الأيام وفي زمن من الأزمان أن يبتدئ ولا ينتظر أن الكفار إذا اقتضت مصلحته ومصلحة جماعته ومصلحه بلده وطائفته وشعبه ومواطنيه أن يعاهد تلك الدولة أو ذلك الشعب ويطلب منهم المصالحة ومعاهدة عدم الاعتداء وعدم الحرب ومراعاة حفظ الحدود وحفظ حقوق مواطني هذه الدولة إذا سافروا إليها والعكس صحيح أيضا إذا ابتدأ هو بذلك كما ابتدأ النبي بطلب صلح الحديبية فهو فعل شرعي لا يقدح في ولائه لله ولا لرسوله لأنه من مصلحته في ذلك، فإذا كانوا احتاجوا إليه بسبب ضعف أو قلة أو ظروف معينة فهي من باب أولى وأدع.

4- المصالح المشتركة بين المسلمين والكفار:
رأى الحميدي أن البلدان والشعوب المسلمة لا يمكن وبلد أن تعيش لوحده، لا يبيع ولا يشتري ولا يتاجر ولا يتعلم ولا يعلم ولا يتأثر ولا يؤثر في مجالات كثير وفي أمور مشتركة وفي مصالح مشتركة وفي أضرار مشتركة يتفق عليها البشر، وقال « في زمننا الحاضر الجريمة المنظمة جريمة كالإرهاب ،المخدرات، ،غسيل الأموال ، تقوم بها عصابات دولية لا تعترف بحدود لا تعترف بدين أصلا، لا تعترف بجنس ولها أهداف معينة فإذا اجتمع البشر تحت مسمى منظمة تحت مسمى معاهدة حقوق إنسان مثلا ،منظمات ثقافية مثلا، منظمات واتفقوا على أن يحاربوا هذه الأضرار وهذا الفساد وهذه الجريمة المنظمة والاتجار بالبشر أو يسموها تجارة الرقيق الأبيض والمخدرات فهذه فيها مصالح للبشر وفيها مصالح للمسلمين.
وشد على أهمية المصالح التجارية المشتركة، قال ان الإمام البخاري رحمه الله في كتاب من كتب الجامع الصحيح في كتاب اسمه «الوكالة» عقد البخاري باباً فقال «باب إذا وكلً الحربي مسلما في دار الإسلام والمسلم حربيا في دار الحرب»
وقال الشيطان يفتح للإنسان مداخل خطيرة وكثيرة ليضله عن سبيل الله ليشغله بعيوب الآخرين عن عيوبه بما يسمى « التكمل الزائف» الإنسان في مراحله الأولى مراحل الشباب يتكمل تكملا وهميا زائفا لا حقيقة له، و العلم بحر واسع يحتاج إلى سنين طويلة من الدراسة والتحصيل والقراءة والحفظ كما قال بعض العلماء العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضه وإن أعطيته بعضك لم يعطك شيئا فكثير من الشباب ربما لا يصبرون على الطلب ويستعجلون في الوصول إلى العلم الناضج، ومن أخطر الأمور كما نص عليه الإمام الشافعي في بعض كلامه أن تبني القضايا الكلية أو القواعد الكلية على دليل جزئي دون أن تستفرغ وتتبع جزئيات الأدلة لتبدو لك قاعدة الكلية، ومن هنا يدخل الخلل فيستعيضون عن هذا الجهد العلمي والبحث والطلب والنظر بالتكمل الزائف أسهل طريق له هو طريق الحكم على الآخرين على الناس وعلى الآخرين.

5- ضوابط مفهوم الولاء والبراء:
يقرر الدكتور الحميدي في استكماله لضوابط مفهوم الولاء والبراء الأصل في العام في المسلم وهو نصرة أخيه المسلم ضد من يعتدي عليه حتى لو كان الاعتداء من طائفة مسلمة كما جاء في القرآن الكريم، إلا أنه يستثني من ذلك وجود معاهدة مع أمة غير مسلمة بسبب المصلحة وترجح بقاء هذه المعاهدة أياً كان طرفها الآخر، فإن وقوع الاعتداء أو الخصومة مع طائفة مسلمة أخرى لا يلزم منه تقدم واجب النصرة على واجب الالتزام بالمعاهدة كما يعتقد الكثيرون، وهي من المسائل التي يؤكد الشيخ الحميدي أنها من المسائل المشكلة على طلبة العلم بل كانت مشكلة عليه قبل أن يتأمل الأدلة والنصوص الشرعية من الكتاب والسنة فيها، حيث تبين له أن حقوق النصرة والولاء لا يقدم على حق الحفاظ على عقد العهد والأمان مع غير المسلمين مستدلاً في الآية: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، وهذا دليل صريح يعطي حكماً وحقاً على وجوب أن تحفظ الأمة المسلمة عهدها وتقدمه على واجب النصرة لتلك الأمة المسلمة المعتدى عليها من قبل الدولة التي هي عاهدتها.

6- عقد الأمان مقدم على مفهوم النصرة:
يؤكد الشيخ عبدالعزيز الحميدي مستطرداً في تأمل الآية السابقة أنها من الآيات المحكمات والتي نزلت في فترة القوة لا الضعف فهي نزلت في أعقاب غزوة بدر أي في أعقاب النصر المؤزر الظافر الذي نصر الله ـ نبيه وأصحابه كما جاء في الآية: (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون) فهم الآن في موضع منعة في موضع قوة وانكسرت قريش وذلت أي كفار قريش وذلوا وأصابهم ما أصابهم من المقتلة والحزن والهم فأمرهم في نزول ورياحهم في ذهاب، وقد هبت رياح التغيير عليهم ومع ذلك تنزل تعقيبات غزوة بدر في سورة الأنفال التي ختمت بآية الولاء والبراء وهي أحد أدلة الولاء والبراء وهي آية الأنفال هي من أدلة الولاء والبراء واستثنى الله مسألة مراعاة ذات العهد وقدمه على واجب النصرة الذي هو من المتعلقات بمسألة الولاء والبراء ومن مقتضياتها.

7- الواقع العملي لفهم الآيات:
يتابع الشيخ الحميدي شرحه وتحليله لمدلول آية الأنفال ليؤكد أن هذا الذي فهمه منها هو ما يتلاءم مع نصوص السنة النبوية العملية، فالواقع العملي في العصر النبوي يفسر مدلول الآية حيث يؤكد الشيخ الحميدي أن (سنة النبي - هي التفسير والتطبيق العملي للقرآن لأن القرآن الكريم كما يقول العلماء حمال وجوه ربما يطرقه التأويل ربما يطرقه سوء الفهم من القارئين ربما تأتيه أمور كثيرة فتأتي السنة تفصل وتبين وتشرح، وربما تخصص مطلق القرآن وربما تعمم ما خصصه ونحو ذلك، فالسنة والسيرة النبوية قيمتها العلمية أنها هي التفسير والتطبيق العملي للنص القرآني وبالتالي تكون حجتها قوية وصريحة ولا يجادل فيها إلا مكابر وهو منازع.

8- مسائل حساسة تحتاج لتأمل:
مثل هذا التأمل لمدلولات النصوص الشرعية الواردة في مسألة بالغة الحساسية في خطابات الجماعات المتطرفة قد يستشكل مثل موقف الشيخ الحميدي، الذي يراه أهل المغالاة انحيازاً ضد مبدأ الولاء والبراء لمصلحة عقد الأمان الذي يبرمه إمام المسلمين، وهو ما قد يفتح باب التكفير لذا يؤكد الشيخ الحميدي أن التكفير ليس كلمة عابرة تقال وليس حكماً من أي شخص أن يطلقه على أي مسلم عرف إسلامه بيقين ولو ظهر من أفعاله ما ربما يقع في ذهنك أنه مناقض لبعض أصول الدين مثلاً أو بعض الأحكام التي لا تحتمل النقض في الشريعة وفي الإسلام، لأن التكفير هو في الحقيقة قبل أن يكون حكم على فعل الإنسان وعمله هو حكم على باطنه، فعندما يكفر آو يكفّر شخصُ شخصاً هو في الحقيقة حكم على باطنه وعلى داخله أنه في داخلة وفي قلبه كره الإسلام، كفر بالله، خرج من الملة، أصبح من أهل النار وهذا حكم غيبي، حكم غيبي ليس لأحد حق فيه، هو حق الله ـ سبحانه وتعالى ـ وللنبي صلى الله عليه وسلم إذا أوحي إليه بوحي معين يبلغه أما النبي ـ صلى الله عليه وسلم وهو النبي يتعامل مع الناس التعامل الشرعي والحكم الشرعي).

9 - الجانب السياسي في قضايا الولاء والبراء:
يحاول الشيخ الحميدي بعد استنفاذه البحث والنظر في قضية الولاء والبراء وتعارضها مع مسألة عقد الأمان والمعاهدة التي يبرمها ولي الأمر التعريج على مسألة مهمة من مسائل الإيمان وهو ما يختص بالجانب التشريعي لقضايا فقهية وعقائدية ذات صلة بالجانب السياسي أو الشؤون الخارجية للدول الإسلامية.
كما يؤكد أن الشريعة الإسلامية علقت على ولي الأمر أو الحاكم المسلم أحكاماً شرعية كثيرة يعني أمر السلم والحرب والمعاهدات والمواثيق ومن يعادى ومن لا يعادى ومن يدخل بلد المسلمين ومن لا يدخل كلها متعلقة بحقوق ولي الأمر ومعاهداته فإذا أسقط باسم التكفير أو نقض الولاء والبراء مع أنه ربما يمارس حكماً شرعياً صحيحاً لا ينقض أصل الولاء والبراء، فإذا اسقط بموجب هذا التكفير ألغيت كل هذه الأحكام تبعاً لذلك.

10- التغرير بشعارات عقائدية:
مع وضوح الأصل في عدم جواز تكفير المعين بالشبهة لا سيما في قضايا ملتبسة كالولاء والبراء وتفاصيل السلم والحرب والمعاهدة مما لا يحسن التعامل معه إلا العلماء الراسخون فإن الشيخ الحميدي يؤكد أن أصل بلاء الجماعات المتطرفة والشباب المغرر بهم من قبلها هو استخدام شعارات الولاء والبراء كوسيلة جذابة لاستقطاب الشباب إضافة إلى رفع سلاح التكفير ضد المخالفين، إذ يؤكد أن هذه الجماعات بجانب إظهار مسألة الولاء والبراء يخلطون مع ذلك: (تكفير لحكام المسلمين في هذا البلد أو ذاك أو إضعاف ولائهم للدين أو انشغالهم بدنياهم أو ملاذهم وشهواتهم لإقناع هذا الشاب وذاك والثاني والثالث إلى التحلل من البيعة لإمامه وهجر وأرضه و بلده والالتحاق بهم، ثم إذا صار في تلك التجمعات ربما تظهر له الأهداف الحقيقية التي ربما ليس لنصرة من وظفت قضيتهم كمغناطيس للجذب نصيب منها في شيء ربما حتى تجر عليهم كوارث أكثر من ذلك، فيقع هنا متاهة عظيمة وكارثة كبيرة لأن قضية الجهاد ربما يعني نتكلم عليها في هذا الجهاد يعني الافتئات على المسلمين في إعلانه عظيمة وكبيرة ما يعلن الجهاد ولا يقوم به إلا إمام متمكن مجتمعة عليه الكلمة، عنده المكنة وعنده القوة على أن يكسر ما يعاديه من الكفار ويظهر عليهم وإلا سالمه و دعا للسلم).

11- الجهل واللعب على وتر الإثارة والحماس:
أوضح أن أدبيات الفكر المتطرف كتبها قليلو علم متبصر، وهذا كتاب «ملة ابراهيم» نموذج للعمل الذي يمثل تيارا فكريا ويتضح أنه عمل جماعة، مشيرا الى ان غرض الكتاب هو التهييج وإثارة عاطفة وحماس الشباب السعودي على وجهة الخصوص.

12- التستر بالشريعة الإسلامية لتمرير الأطروحات الفكرية:
قال : إذا أراد كل صاحب فكرة أو صاحب طرح فكري أو صاحب فتنة أن يؤثر في مجتمع ما فلا بد أن يدخل عليه من المدخل الفكري، ويختار القضية أو المنهجية التي يشترك في التأثر بها أفراد ذلك المجتمع، فلذلك مجتمعنا في هذه البلاد متدين بطبعه محب للإسلام معظم للدليل الشرعي، يتأثر إذا قيل قال الله تعالى, وقال الرسول صلى الله عليه وسلم وإذا قيل قال الصحابي قال العالم فلان قال الكتاب الفلاني من الكتب المعلومة المعروفة يتأثر، إما تأثر كثير أو تأثر قليل فيدخل عليه دائماً من هذه المداخل ويدس في طياتها الأهداف الحقيقية لأصحاب ذلك التيار أو ذلك الفكر الذي يريدون إحداث فتنة ما في هذا المجتمع.
وشدد على أن نبي الله محمد صلى الله عليه وسلم حذر قديما ونبه وخاف علينا من مثل هذه المداخل فقال صلى الله عليه وسلم (أخوف ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان يجادل بالقرآن ) فجعله من أخوف ما يخاف على الأمة المنافق الذي له أهداف باطنية خبيثة في إحداث الشرخ وزعزعة فكر ودين واعتقاد هذا المجتمع ويظهر أهداف أخرى ويستخدم مسمى الدين مسمى الدليل مسمى النصر مسمى الكتاب أقوال لبعض العلماء أقول لبعض الصحابة يجيد اختيارها وانتقاءها ليوظفها للهدف الذي يريد أن يصل إليه بعد ذلك".

13- كتاب ملة إبراهيم .. وأسلوب التلقين في اللاشعور:
وضرب الحميدي في سياق حديثه مثال على كتاب «ملة إبراهيم» ل ( أبو محمد المقدسي) , وقال إن هذا الكتاب أنه لا يقف خلفه شخص واحد بقدر ما هو ربما تيار معين أو ربما هو أشد من ذلك لإحداث نوع من الغرضية المقصود بها بالذات بالتحديد المجتمع مجتمعنا السعودي الذي نحن جزء منه، والذي نحن نعيش فيه وشريحة الشباب على وجه الخصوص، نظرا لما طبع عليه الشباب من سرعة التأثر وكثرة الحماس، ولذلك الكتاب سلك مسلك معروف عند رواد الفكر ومتتبعي أنواع الأفكار وأنواع الفلسفات التي يقصد منها التأثير وهو ما يسمى بالتلقين في اللاشعور، وهذا يسلكه الكثير من الأذكياء خاصة الفلاسفة وهو أن يهيجك في البداية بما تحب أنت, أنت تحب نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام ولا يوجد مسلم ولو كان ضعيف الإسلام إلا إذا ذكر له الخليل إبراهيم عليه السلام أشرق وأشرقت نفسه وسر خاطره الخليل إبراهيم «واتخذ الله إبراهيم خليلا « وملة إبراهيم هي ملة الأنبياء جميعا، وإذا ذكر إبراهيم وذكر التوحيد وذكر صفاء الإسلام وذكرت ميراث الكتاب وجعل الله في ذريته النبوة وذكرت مكة وذكرت الكعبة وذكرت المناسك كلها مرتبطة بهذه الشخصية العظيمة الجليلة نبي الله إبراهيم فعندما يقال ملة إبراهيم ، ثم يوظف هذا الاسم وما جاء في القرآن من مدحه والثناء عليه وكلنا نؤمن بذلك ونصدقه في أبينا إبراهيم عليه السلام أبي الأنبياء وإمام الحنفاء عليه الصلاة السلام وخليل رب العالمين جل وعلا عليه الصلاة والسلام ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام من ذريته وبُعث على ملته ولدعوته « وأوحينا إليك أن أتبع إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين» وقال الله تعالى في خاتمة سورة الحج «ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس» ثم يهيج المسلم في ذلك ملة إبراهيم، ثم يصاغ له أن ملة إبراهيم ضاعت وميراث الأنبياء بدد وتسلط عليه الكبراء وتسلط عليه الظالمون وميعوه، وهذا الكتاب وصاحبه أومن يقف جاءوا لإعادة الحق إلى نصابه ثم توظف كل النصوص في هذا الاتجاه ثم يهيج القارئ والسامع له حتى ينفتح اللاشعور عنده فيلقن الأهداف الحقيقية لا يلقن بها من بداية الكتاب، ولذلك وجهة نظري من خلال قراءة هذا الكتاب أن له هدفين .

واضاف « الهدف الأول الدعوة إلى ما سماه السرية وإعداد تنظيمات سرية والتخطيط والإعداد داخل المجتمعات المسلمة لإحداث الشرخ باعتبار أن كل المجتمع بجميع هيئاته وأقطابه من ولي أمره إلى علمائه وقضاته إلى أبيه وأمه هذا الذي يقرأ هذا الكتاب.

واوضح الحميدي انه يدعو إلى السرية، وقال «ولذلك عمر بن عبدالعزيز يقول تتبعوا حديث رسول الله كتب لأحد عماله أبو بكر بن حزم واجمعوه واكتبوه فإني خفت دروس العلم أي ذهابه وموت العلماء، علق البخاري رحمه الله هذا الإمام العظيم على أثر عمر بن عبدالله تعليقا عظيما قال وليفشوا العلم العلماء وليقعدوا -أي يقعدوا للناس ليعلموهم-، فإن العلم لا يهلك حتى يكون سرا»، مشيرا الى أن هذه السرية و التخطيط استغلت داخل المجتمع هنا لإحداث الشرخ .

واضاف « في الخطوة الثانية كما نص عليها وهي الانقضاض على هذا المجتمع بفتنة وبقتل ابتداء حتى من الأب والأم الذي يرى من خلال الكتاب انه استطاع ان يهدر حقوقهم على الابن بهذا التهييج باسم ملة إبراهيم وأدخل الهدفين الخطيرين في ضمن هذا يسمونه في التلقين في اللاشعور».

وقال الحميدي أن الكتاب لا يراعي أولاً الأمانة في الاستدلال بالنصوص ولا حتى في الاستدلال بأقوال العلماء إنما يسلك مسلك الانتقائية وحتى المزاجية وإذا ما وجد في كلام العلماء ما يريد، تولى هو تفسير الأمور ولذلك لا تجد في كتابه نقل لتفاسير الصحابة لا تجد أي أثر لا لصحابي ولا لتابعي ولا لمترجم الأئمة في كتب العلم القديمة وإنما يختار من كلام العلماء كثيروا التأليف كابن القيم أو مقتطفات من بعض أئمة الدعوة

وبين الحميدي أن الكتاب يعتمد على الانتقائية ويختزلها ويجتزئها , مستدلا بنقل مقطع للإمام ابن القيم في كتاب بدائع الفوائد جزء (3) صفحة (69) ,حيث يقول صاحب كتاب ملة إبراهيم قال العلامة ابن القيم لما نهاهم أي الله عز وجل عن موالاة الكفار، ويريد الآن أن يفسر ما هي الموالاة في ملة إبراهيم وأنها العدائية التامة لكل شيء.

واشار الى ان محور الكتاب هي مسألة الولاء والبراء وإظهارها بأشد ما يمكن من عبارات ومواقف للكفر وأهله الذي رتب عليها أن هذا الكفر الأصلي الذي جاء إبراهيم لإبطاله كعبادة غير الله من الأوثان والأصنام وغيرها وإنما هو كفر المجتمعات الإسلامية التي نعيش فيها ، من حكومات وولاة أمر إلى الوالدين ليجعلها هي بمثابة كأنها أصنام قوم إبراهيم وأصنام التي يجب أن تكسر ويجب تهدم ولا يبقى إلا هذه الفئة التي تقبل مثل هذا الكلام وهو الهدف الحقيقي الذي أخفاه داخل مسمى ملة إبراهيم ووظف حتى ملة إبراهيم على هذا الهدف الخطير

واضاف الحميدي»ابن القيم يقول ابن القيم بحسب نقله لما نهاهم الله عن مولاة الكفار اقتضى ذلك معاداتهم والبراء منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال انتهى هكذا يقول صاحب هذا الكتاب أي كلام ابن القيم انتهى هذا من بدائع الفوائد جزء (3) صفحة (69) نرجع إلى الموضع الذي نقله».
ومضى الحميدي قائلا :إن معنى موالاة الكفار التي نهى الله عنها هي المعاداة الصريحة والبراءة والمجاهرة بالعدوان في كل حالة وفي أي وقت مع أي كافر، دون مراعاة أقسام الكفار، دون مراعاة معاهدات، دون مراعاة المصالح ، أوالقدرة والضعف.

و تطرق الى ما ذكره ابن القيم في تفسير قوله تعالى: « لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين» من سورة آل عمران ،حين قال « ومعلوم أن التقاة التي استثناها الله عز وجل ليست بموالاة، ولكن لما نهاهم عن موالاة الكفار اقتضى ذلك معادتهم والبراء منهم ومجاهرتهم بالعدوان في كل حال , مشيرا الى أن الكاتب اختزل قول « إلا إذا خافوا من شرهم», فأباح لهم التقية وليست التقية بمولاتهم بشيء , لكي لاينقض تفسيراتها بالكتاب.

وتحدث الحميدي ان بعض المغالطات في الكتاب عند ما تحدث عن قصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام أنه لما تبين أن أباه أزر عدو لله تبرأ منه والتي ألغاه المؤلف بقوله» دعا إبراهيم أباه وقومه فلما أصروا على أصنامهم أعلن البراءة منهم وعداوتهم ابتداء من أبيه وقومه « , موضحا بعد الرجوع لحديث عبدالله بن العباس «فلما تبين له قال استغفر إبراهيم لأبيه استغفر له يعني طلب له المغفرة، فلما مات أبوه مشركا تبرأ منه فترك الاستغفار له .

واضاف الحميدي «ففي كلام ابن عباس قضيتان تنقض كلام صاحب الكتاب الأولي ان إبراهيم استمر متلطفا مع أبيه داعيا له إلى الإسلام، مستغفرا له بطلب المغفرة من الله يغفر لأبيه بأن يهديه للإسلام ,فلما مات أبوه تبين عند ذلك لإبراهيم أنه خلاص انتهى أمره لا رجاء مات مشركا مصرا على وثنيته فلا معنى للاستغفار له بعد ذلك، هنا تبرأ منه بمعنى أنه ترك الاستغفار له ورجاء هدايته .
وقال الحميدي أن الكاتب جعل المجتمعات المسلمة حكومات وقضاة وعلماء ومحاكم وأفراد و كل من يعيش في هذه الدولة الأصنام والطواغيت التي يجب عنده أن تعامل كما عامل إبراهيم أصنام قومه بالتحطيم والتكسير والإبادة والقتل ولو باستخدام السرية والتخطيط.

وبين الحميدي أن المؤلف استخدام قضية الولاء والبراء لأنها لها تعلقان تعلق شعوري بالنفس والقلب بحب الإنسان وبغضه وطاقة الحب وطاقة البغض من أعظم الطاقات وهي توجه الإنسان ربما حتى للحرب والقتال بدافع الحب أو بدافع , مشيرا الى ان الكاتب استخدم هذا المنهج لفكره الشخصي ليس لنصرة الإسلام واستخدم مدخل الخوارج

وقال الحميدي أن عبدالله بن عمر رضي الله عنه قال أن الخوارج هم شرار خلق الله في نفوسهم وفي أهدافهم , ينطلقون إلى آيات أنزلها الله في الكفار فيجعلونها على المسلمين
واوضح ان الفرق بين مفهوم الولاء والبراء في هذا الكتاب مفهوم الولاء والبراء وفق الشريعة الإسلامية كبير جدا وقال «قاعدة الولاء والبراء الشرعية لها جانبان، الجانب الأول أن يظهر المؤمن إسلامه وتوحيده وإنه لا يعبد إلا الله ولو غضب منه الكفار والمشركون هذا قاعدة أساسية، والأمر الثاني عدم الرضا والكفر بكل معبود سوى الله.

وقال أن مفهوم الكتاب عمد إلى آية واحدة في سورة الممتحنة وهي « قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله أي الأصنام والأوثان كفرنا بكم وبدأ بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحدة إلا قول إبراهيم لأبيه لاستغفرن لك وما أملك لك من الله من شيء ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير» وأقام عليها وجوب أن يعلن الكفر في كل حال وكل وقت وبكر طريقة , بعد هذه الأية تم التفصيل في أحكام الموالاة ووتصنيف الكفار والتي ألغى المؤلف كل هذا ,لاسيما في قوله تعالى «ربنا عليك توكلنا وإليك المصير» وبعد هذه الآية مباشرة قال الله تعالى «عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم» .

وقال الحميدي «كل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وقام بفرائض الله له حظ ونصيب له حظ عظيم ونصيب عظيم قاتل أو لم يقاتل حارب أو لم يحارب جاهد أو لم يجاهد وقول الله تعالى،» لا يستوي القاعدون من المؤمنين»لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين لدرجة وكلا وعد الله الحسنى» القاعدون من المؤمنين سماهم مؤمنون مع أنهم قاعدون , وقال النبي صلى الله عليه وسلم : «مَن أمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان كان حقا على الله أن يدخله الجنة جاهد في سبيل الله أو قعد في بيته أو قال قاعد في أرضه التي ولد فيها» .
15- صلاحية الشريعة
أوضح الدكتور الحميدي في رابع حلقاته من برنامج همومنا أن الشريعة صالحة لكل زمان، فقال:
الشريعة كما قلنا جاءت لتكون صالحة للتطبيق والعمل في كل زمان وفي كل مكان ليس لها خصوصية بعهد النبوة دونما وراء ذلك، ولذلك ختمت النبوة بالنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لتبقى شريعته صالحة للتطبيق، مقدمة للحلول لكل المستجدات ولكل الظواهر ولكل الأمور هذا مبدأ مهم، والمبدأ الثاني قضايا الشريعة لا تتناقض ولا تتقابل بل تتكامل وإنما الخطأ هو في الفهم كما قال الشاعر:
وكم من عائب قولا صحيحا
وآفته من الفهم السقيم
فمفهومنا أو مفهوم بعضنا لبعض القضايا قد يكون مجتزئا وقد يكون مختلا وقد يكون ناقصا فيفهم القضايا الكبرى بجانب دون جوانب أخرى، ولذلك أذكر أن الشافعي ــ رحمه الله ــ بين أن القضايا الكلية التي تتعلق بمصائر الأمة ومصالحها الكبار لا يستقل نص واحد أو دليل واحد بتأسيسها وفروعها ونتائجها من كل جهة، فمن الخطأ أن تبنى القضية الكلية على دليل جزئي أو فرعي أو واقعة عين أو صغرة حال دون النظر إلى بقية الاستثناءات وبقية المخصصات وبقية النصوص الأخرى التي تؤصل لأحكام هي لا تقدح في الأصل ولا تلغيه، ولكنها تكمله وتبينه وتحقق المصلحة الكبرى للأمة في مجموعها، فالقضية التي أشرت إليها هذه قضية الولاء والبراء كبيرة وعظيمة وأصل كما قلنا من الأصول التي بنيت عليها قضايا الإسلام وعلاقات المسلمين وأمور الذمة ليست أمورا اجتهادية يعني ذكرها الفقهاء من عندهم لتحقيق مصلحة وقتية نظروها، إنما هي أمور منصوص عليها ومارسها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ تطبيقا عمليا ومارسه الخلفاء الراشدون وأئمة المسلمين منذ زمن وما يسمى بعقد الذمة وليس هذا فقط بل إن الشرع عمم عقد الذمة وجعله حق لكل مسلم يملك أن يعطي ذمته وعهده وتأمينه، الذمة تعني تأمين المسلم لغير المسلم على دمه بالدرجة الأولى، وعلى ماله وعلى عرضه حال دخوله في بلاد المسلمين التي يحكمها المسلمون ويقيمون فيها، وهذا روعي فيه في الجانب الشرعي قضية المصالح الكبرى، لأن المسلمين يحتاجون في حكوماتهم وفي أفرادهم وتجاراتهم ومعاشهم والاتصال بالعالم والاتصال بالأمم الأخرى مسلمها وكافرها بارها وفاجرها ليأخذوا ما يرونه صالحا لهم وما يقيم أمورهم وما يؤمن حدودهم وما يراعي مصالحهم التجارية، فبالتالي شرع الله سبحانه وتعالى وطبق النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ وعمم هذا الحكم عقد الذمة لكل مسلم يستطيع أن يمنحه لكل كافر لتحقيق هذه المصالح الشخصية التي يراها كل مسلم على حده في شخص نفسه في مصالحه الخاصة، أما إذا انتقلنا إلى المصالح الأمة الكبار كقضايا السلم مثلا والحرب والعلاقات الكبرى تتعلق عليها مصائر الشعوب ومصائر المجتمعات، فهذه لا يستقل بها أفراد ولا من المسلمين بقدر ما يستقل بذمتهم الخاصة في تحقيق مصالحهم الخاصة وإنما تحتاج وتتوقف على قرار الحاكم الشرعي ولي الأمر القائم على هذا المجتمع أو ذلك البلد أو تلك الدولة بما يراه محققا لمصالح بلده مؤمنا لحدوده، مؤمنا لأفراده ورعاياه التابعين له ليؤمنوا على أنفسهم حالهم تجولهم في الأرض وانطلاقهم لهم لابد من عقود مشتركة لابد من عهود متبادلة لابد من ذمام مرعية من الطرفين وهذا ما يسمى بعقد الذمة، إذ لولاه لما تمكن المسلمون أن يرحلوا هنا وهناك ويضربوا في مناكب الأرض ويخالطوا غيرهم، فبالتالي في مصالح حتى كبرى الإسلام يتعرف غير المسلمين على المسلمين من خلال معاملاتهم وأخلاقهم، والمقصود الأصلي بذلك حفظ دماء المسلمين وأعراضهم وممتلكاتهم بعقد معاملة تقابلية مقابل ما يحفظونه من مصالح الأمم الأخرى كافرة حال أيضا دخولهم وتجولهم والقيام بمصالحهم التجارية في بلدان المسلمين، ولذلك هذا هو السر كما نص عليه بعض الأئمة في تعميم هذا العقد، الإمام البخاري ــ رحمه الله ــ نرجع وراء، لأنه أصل عظيم هذا مهم في أواخر كتاب الجهاد ــ وأنا أرى هذه حكمة بليغة من الأمام البخاري ــ لأن الجهاد بمفهومه يعني المتبادر للذهن هو القتال والحرب وفيه نوع من التصادم ونوع من التقابل مع الأمم الأخرى، في أواخر كتابه ذكر أبواب الجزية والموادعة والمسالمة والمصالحة وعقود الذمة، ليبين أنها تحقق مصالح عظيمة مثل ما يحققه الجهاد وربما في حالات كثيرة متنوعة أعظم وأكبر، وذلك ذكرنا في حلقة سابقة أن صلح الحديبية وهو منصوص على أن تقف الحرب وقوفا تاما مع المشركين من قريش وغيرهم.

14 - عقد الصلح وعقد الذمة:
وردا على سؤال لمقدم البرنامج : فضيلة الشيخ انتقلنا من مسألة عقد الذمة إلى مسألة الصلح، وهذا استطراد رائع وجميل حقيقة لأنه فعلا ألمحت إلى مسألة المصلحة لأن عقد الذمة هو مبني على المصلحة، كما أن الصلح مبني على المصلحة، لكن قد يقول قائل إن المصلحة التي قدرها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في عقد الذمة وكذلك في صلح الحديبية هي جزء من الوحي فقدرها النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ إن الله أوحى إليه بأن هذا الصلح سيكون نهايته ــ إن شاء الله تعالى ــ نصرة وعزة للمسلمين، لكن في أزمنتنا المتأخرة عندما نقول ولي الأمر هو الذي يقدر المصلحة، ثم تأتي جماعة وتقول نحن جماعة بحثنا الأمر وعرفنا وجدنا أن المصلحة ليست فيما قاله ولي الأمر فكيف ولي الأمر وهو مفرد تقدم المصلحة التي رأها على مصلحة رأها مجموعة، خاصة هنالك ما يدور يقولون أسألوا أهل الثغور، فهم مجموعة من الشباب في الثغور رأوا المصلحة خلاف ما رأه ولي الأمر، كيف نستطيع أن نقول إن المصلحة موجودة الآن في رأي ولي الأمر أم في رأيهم هم؟.: الحميدي:فأجاب
عندما كان يأخذ النبي ــ صلى الله عليه وسلم، البيعة من الناس كان يأخذها منهم له على جهتين اثنتين، الجهة الأولى على أنه النبي المرسل الخاتم ــ عليه الصلاة والسلام ــ الذي لا يؤخذ الدين ولا الشرع ولا القرآن إلآ منه، وهذه البيعة للنبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ ليست منوطة ولا متعلقة بوجوده في حياته مستمرة إلى اليوم، نحن جميعنا المسلمين عندما نقول أشهد أن لا اله إلا الله كل مسلم إلى قيام الساعة، وأشهد أن محمدا رسول الله هو يعقد بيعته وديانته وولاءه التام لرسول الله عليه الصلاة والسلام باعتباره رسول الله ــ صلى الله عليه وسلم ــ أن يطاع فلا يعصى، وأن يطاع فيما أمر ويجتنب ما نهى عنه وزجر وألا يعبد الله إلا بما شرع مقتضايات كوننا آمنا به نبيا مرسل، والجهة الأخرى وهي المهم التي أنت والتي نعتبرها هي الأصل والتي أنطلق منها لشرح القضية التي أشرت إليها يأخذها على أنه هو الإمام يأخذ البيعة من الناس على أنه هو الإمام هو القائد هو الرائد هو الزعيم ممكن ــ إن لم تخني العبارة ــ فيسلمون له الطاعة لأن لابد لكل تجمع بشري عضوي حركي لا بد له من رأس يقوده كما قال الشاعر:
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم
ولا سراة إذا جهالهم سالوا
وهذا استمر بعد النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لكل من يلي الأمر بعده، ولذلك في تراجم البخاري في الصحيح وفي تراجم الشراح في صحيح مسلم وفي تراجم الترمذي في كل أبواب الأمارة والخلافة والتي يعقدها وجميع الفقهاء يأتون لمثل هذه الأحاديث كصلح الحديبية يكون باب تقدير الإمام المصلحة في مصالحته الكفار ولا يقولون النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لأنه ليس قضية مرحلية تتعلق بشخص ينصرم باعتباره ينفذ ما أوحاه الله إليه، وإنما هو يفرض ما أوحاه الله إليه ليكون منهجا وهديا وسنة بعده والا ممكن تصادر الشريعة كلها بمثل هذا المدخل، قد يأتي يقول لنا شخص النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ كان يصلي لأنه رسول الله، طيب إحنا نريد أن نصلي بصلاة تخصنا أو نقدرها نحن والآخر يقدر شيء في باب الزكاة والآخر الثالث يقدر شيء في باب المحرمات الكبار، كما يقال الآن أنا قرأت بعض الكتب يعني يكتبها بعض الكتاب يعني المتأثرين بأفكار، أما بالشيوعية وكذا يعتبرون كل ما أسسه النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في الشرع قضية مرحلية خاصة بمرحلته الزمنية، فبالتالي تصادر الشريعة بمثل هذا المدخل، فما يفعله النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ في المصالح الكبار هو رسول الله ــ عليه الصلاة والسلام ــ وهو المشروع وهو الإمام وقالوا لذلك استند به الخلفاء الراشدون بعده في ذلك، ولذلك علي بن أبي طالب نفسه حتى نعرف أن هذه فهموها على أنها منهج يتبع هو الذي كتب صلح الحديبية فلما اشترط المشركون أن يمسح النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ اسمه بوصف الرسالة قالوا لا تكتب محمد رسول الله فلو كنا نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك أكتب محمد بن عبدالله فقال النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لعلي امح امح رسول الله واكتب محمد فأبا علي كغيرة يعني وحمية قل لا امحوك أبدا قبلوا ولا فأخذ النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ قلما، وقيل فأشار له إلى موضع فمحاه ثم أمر فكتب اسمه الخاص به ــ عليه الصلاة والسلام ــ ثم قال لعلي وهذه وجدتها عند الترمذي مهمة جدا، قال لا تأتينا لها يوما من الأيام ولتذكرن هذا يعني أنت ستكون يوما من الأيام إماما وقائدا وتحتك رعية تراعي مصالحهم وستضطر إلى قبول بعض الشروط التي في ذاك الوقت ترى عليك ضيم لأنك ترى أن مصلحة من معك توافق ذلك وهذا ما حصل في قضية الحكمين والتحكيم بعد بعد يعني فذكر حتى قيل إنه بكى علي لما جاءت القضية، قال صدق رسول الله وبلغ ــ عليه الصلاة والسلام ــ وذكر هذه القصة إنه قال فدل على أن النبي ــ عليه الصلاة والسلام ــ يعطيهم الشرع هذا، وقد حصلت لما بعث الله الملك الجبال إلى النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لما آذاه المشركون هذا قبل الهجرة حتى قال لا تحزن إن الله قد سمع قول قوم يقرضهم ما ردوا عليك فإن شئت أن نطبق عليهم الأخشبين جبال مكة ونزلزلها عليهم وينتهون الآن في لحظه واحدة، فامتنع النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ لأنه لا يتكلم الآن عن نفسه ولا عن وقته وهو يعرف إنه خاتم المرسلين فيعطي شرع إلى قيام الساعة سيأتي ظروف على المسلمين ستأتي على أئمتهم حوائج معينة يقدرون فيها المصالح فيحتاجون لمثل هذه الأدلة ليستدلون بها وتكون قواعد شرعية عندهم يقدرون بها المصالح.

15- استشارة الراشدين:
المقدم:
فضيلة الشيخ عقد الذمة وغيره من القرارات المهمة التي تتعلق بمسألة الولاء والبراء هي مسائل دينية يعني تنطلق من منطلقات شرعية، بل منطلقات متعلقة بأصول الفقه وعلم العقيدة وعلم الأديان وبشيء من العمق، ألا تعتقد أن ولي الأمر عندما يرى مصلحة معينة أنه لم يراها من شخصه فقط بل أن لديه من مستشارين سواء لدينا نحن مثلا الآن مجلس الشورى، ووضع فيه الكثير من أهل الاختصاص بالعلم الشرعي وهيئة كبار العلماء وهم من أهل العلم الشرعي المتعمقين فيه والمرضيين أيضا في المجتمع يثق في هؤلاء العلماء لعلمهم ولزهدهم ولورعهم وخوفهم من الله ــ عز وجل ــ قد اتخذهم ولي الأمر لإعانته ومساعدته في البحث عن المصلحة وإظهارها له بالمظهر التي يميزها عن غيرها من المصالح الشريعة الإسلامية تستوجب الموازنة ليس فقط بين المصالح والمفاسد، بل بين المفسدة وما هو أفسد منها والمصلحة وما هو أشد صلاحية ومصلحة منها، ما تعليقكم على هذه النقطة بالذات؟.
الحميدي:
هذا من الرشد والتوفيق مع أن عقد البيعة للإمام يعطيه صلاحية أن يطاع أمره ويستقل بحكم عقد البيعة له يستقل بالمصالح الكبار وبالأمر ما دام لم يأمر بمعصية صريحة لله، ومع ذلك مع استقلاله بهذه الأهلية والصلاحية التي صارت له بحكم اجتماع الكلمة وعقد البيعة من التوفيق والرشد أن يستشير الأمناء والراشدين والعقلاء وأهل العلم كل في تخصصه سواء في مجالس الشورى أو في لجان تدرس جوانب معينة وتعطيه رأيا ناضجا فيها، وبالتالي يتبناه أو لا يتبناه، بحسب ما يعني يراه هو أيضا باستقلاله واجتهاده ونظره في مصالح من يتبعه وما تحت ولايته وعقده ورعايته والذي أعطوه البيعة وثقتهم ليكون إماما عليهم، فالاستشارة هي من المصالح الكبار العظيمة. النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ مع أنه هو المؤيد بالوحي لكن كان يستشير، ولذلك يقول العلماء كان النبي ــ صلى الله عليه وسلم ــ يستشير في العقود التي فيها المصالح الكبرى للأمة باعتبار مقام إمامته وولايته، أما القضايا الدينية ما يستشير فيها النبي صلى الله عليه وسلم ــ يوحى إليه «صلوا كما رأيتوموني أصلي»، أي خذوا عني مناسككم، ما يستشير الصحابة هل نقف في عرفة أو لا نقف في مزدلفة؟ هل نصلي الظهر أربع ركعات؟ أو أن زكاة الأبل كذا ما فيها استشارة في أحد، لأن هذا مقتضى النبوة لكن يستشيرهم لما نخرج للمشركين عام أحد نقابلهم خارج المدينة أو نتحصن في المدينة فيستشير أكثر الصحابة وربما خص بالاستشارة بعضهم وربما خص بالاستشارة أبا بكر الصديق فقط.

16 - خطر الشبهات:
وأشار الحميدي إلى أن شرع الله المنزل راعى في تأسيسه مقومات القوة لهذه الأمة جانبين هما: جانب تأسيس الحق وجانب آخر وهو الدفع لما يضاد له وهو الشبهة التي هي من أعظم مداخل شياطين الإنس والجن على حد سواء لإضعاف دين العبد وانتمائه لأمته وإطالة أمد الضرر وأمد الباطل، ومن هذا المنطلق اتفق العلماء على أن مرض الشبهة أخطر بكثير من مرض الشهوة، لأن صاحب الشهوة يرتدع عما قريب، وفي الغالب لا يكون ضرره إلا على نفسه، لكن الشبهة خاصة إذا تملكت واستحكمت ولم تجد الطبيب المعالج العارف بعمق المرض وحقيقته وما يدفعه وما يناسبه فإن ضررها عظيم أولا في إطالة أمدها وثانياً في عظيم ضررها، لأن صاحب الشبهة يضر نفسه ويضر غيره، ولو لاحظنا أن كل انحراف من انحراف إبليس عدو الله الأول وما بعد ذلك إنما هو سبب شبهة وخطأ، ولذلك فرق العلماء بين الخطأ الذي وقع فيه أبونا آدم عليه الصلاة والسلام في واقعة الشهوة لأجل الأكل من الشجرة، وكانت توبته سريعة وندمه قريبا وعفو الله – سبحانه وتعالى – عنه أيضا كان عظيما وقريبا، وأما خطأ عدو الله إبليس فكان بسبب الشبهة التي جرته إلى مستوى أن يعترض على أمر الله ويقول: "أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين" ولذلك كان ضررها عظيما وكان صاحبها هو إبليس أعظم مثال للضلال والفساد عبر التاريخ وجعله الله أساس كل ضلال وفساد، ولذلك القرآن الكريم في كل متنزلاته – لو تدبرنا القرآن – نجد فيه إجابة لإشكالات وتساؤلات وكشفا لشبهات، ولذلك يعجبني كثيرا – والحديث للحميدي - قول شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله –: ليس لصاحب شبهة ولا بدعة من دليل إلا وفي ذات دليله إذا كان يتعلق أو يستمد من النص الشرعي ما يبطل دليله لكنه يعمى عنه بسبب أنه ما أراده وقصد الحق لذاته وإنما قدم نتيجة بالباطل وأراد أن يحمل عليها النص الشرعي وهذا هو الفرق بين طالب الحق والباحث عنه وبين من يريد الفساد ويريد الضلال فإنه يقدم النتيجة ويعقد عزمه وقلبه عليها ثم يتلمس هنا وهناك من الأدلة وعمومياتها ومتشابهاتها ما يسوق به هذا الباطل، ولذلك ربما يكون في ذات ما يريده ما ينقض باطله ولكن يعمى عنه، مبينا أن الحق لا يصل إلا بأمرين: صحة الدليل وسلامة المتلقي، فقد يكون الدليل صحيحا وثابتا ولكن المتلقي فاسد أو أصم عنه أو مقدم من الفساد ما يلغي عقله وذهنه من تقبل هذا الحق استرواحا للباطل الذي هو أشربه من قبل، وبالتالي لن يستفيد ولو أوردت عليه كما قال الله تعالى "ولو جاءتهم كل آية"، لذلك وجب على كل مسلم وكذلك كل مسلمة الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى واللجوء إليه من مرض الشبهة وعلاجها وسبيل فكها هو أن يقرر الإنسان في بداية أمره دائما أن كلامه محتمل للخطأ، محتمل للصواب، أن رأيه وما ارتآه محتمل أن يرد عليه ما هو أصح منه وأقوى منه كما قال الله تعالى "وفوق كل ذي علم عليم". فإذا راعى هذا الجانب مع شيء من الإخلاص واللجوء إلى الله تنكشف عنه الشبهة، لو سلمنا أنه حصلت هناك شبهة دفعته إلى أن يفعل أو يقول شيئا من الباطل.

17 - استقلالية القضاء:
رأى أن من أخطر الشبهات التي تستهدف نسيج المجتمع بهدف إخراجه من دائرة الإيمان والإسلام والاجتماع والصف الواحد، ا الشبهات التي تتوجه إلى القضاء، فبعضهم يقول إن القضاء لا يستند فقط على الشريعة الإسلامية وإنما هناك مستندات أخرى يستند عليها، مؤكدا أنها شبهة ضعيفة بل منحلة فاسدة من جهتين: الأولى النظام أو القرار الذي استند إليه بناءُ القضاء الشرعي في بلادنا هذه، فالنظام الذي بني عليه القضاء نص نصوصا صريحة وواضحة أن القضاء في هذه البلاد المملكة العربية السعودية قضاء مستقل ليس لأحد سلطة عليه إلا للشريعة الإسلامية، وحتى لا يكون الكلام نظريا، فالمادة الأولى في نظام القضاء تقول: القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير أحكام الشريعة الإسلامية والأنظمة المرعية وليس لأحد التدخل في القضاء، وحتى لا يكون لأحد مدخل على قضية الأنظمة المرعية فربما يبني عليها شبهة أخرى، يأتي نظام المرافعات ليفصل الأنظمة بأنها تطبق على القضايا المعروضة أمام المحاكم الشرعية الإسلامية وفقا لما دل عليه الكتاب والسنة وتتقيد في الإجراءات المنظورة بما ورد في هذا النظام.
هذا من جهة المرجعية النظامية أو الأساسية أو القرارية التي استند عليها البناء الشرعي في هذه البلاد.
أما الجهة الثانية فإن الواقع المعاش والعملي في هذه البلاد منذ أن قامت قبل نحو مئة سنة أن القضاة هم خريجو دراسات شرعية متخصصون في أحكام الشريعة الإسلامية يخضعون لاختبارات ودراسات واسعة جدا في أحكام القضاء الشرعي الإسلامي، ويدرسون جميع أبواب الفقه التي يحتاج إليها في باب القضاء، ويمارسون ذلك عيانا بيانا في محاكمهم لا سلطان لأحد عليهم، بل أزيد وأقول إن ديوان المظالم إنما وجد ليكون حاكما الجهات الحكومية والوزارات أيضا والأجهزة الحكومية التي يتظلم ربما منها أي مواطن، فالواقع المعاش مع النظام المعمول به في القضاء إذا أردنا أن نكون منصفين وواقعيين في طرح هذه القضايا لا سلطان لأحد على القضاة إلا لمرجعيات الشريعة الإسلامية وأحكامها.

18 - اجتهاد القاضي:
ونبه الحميدي إلى نقطة مهمة، وهي أنه منذ فجر الإسلام هناك للقاضي وللحاكم مساحة معينة من الاجتهاد في جهتين منصوص عليهما ومعمول بهما في كل أنظمة القضاء الشرعية في تاريخ الإسلام كله منذ تكون الدولة الإسلامية أيام النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدين، الجهة الأولى جهة اجتهادية محضة، فهناك قضايا كثيرة لا يمكن أن تجد لها نصا صريحا في الكتاب ولا في السنة فيحتاج الحاكم أن يجتهد، وهذا مذكور في القرآن، ولذلك عقد الإمام البخاري كتابا كاملا في كتاب الجامع سماه الأحكام ووضع بابا فيه سماه "باب متى يستوجب الرجل القضاء" تحدث فيه عن صلاحيات القاضي وأورد أثرا رائعا جدا عن الإمام التابعي المشهور الحسن بن يسار البصري، حيث يقول: لما نظرت في قوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" ونظرت في قوله تعالى "وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين. ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما" قال الحسن: فعذر داود في اجتهاده الذي لم يكن موافقا لمراد الله وأثنى على سليمان بإصابته للحق، وهذا في أمور ليست من المنصوص عليها في كتاب الله، فلو كانت منصوصة عند داود لما حسن أن يجتهد فيها بخلاف ما هو منصوص عنده في الشريعة المنزلة عليه. ثم قال الحسن: وفي ذلك سعة للقضاة. وقد قال الإمام مالك: يحدث للناس من الأحكام والقضايا بقدر ما يحدث من الحادثات والجرائم والأفعال، فلا بد من توسيع رقعة ومساحة اجتهاد القاضي بما يراه من واقعات وأمور مع الاحتفاظ بالأصول العامة والكلية في مصالح الشريعة وإيصال الحقوق وردع الظالم والمظلوم، بل هذا وقع حتى للنبي – صلى الله عليه وسلم – ولذلك ثبت في صحيح البخاري أن النبي – صلى الله عليه وسلم – المؤيد بالوحي يقول للناس "إنكم تختصمون إليّ" وفي رواية "إنكم تحتكمون إليّ"، "ولعل بعضكم ألحن بحجتهم من بعض"، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له شيئا من حق أخيه فإنما قطعت له من النار" أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فلولا هذه المساحة لما قضى أحد وقد لا يصيب الحق.
أما القضية الثانية فهي قضية الاجتهاد في تطبيق الحدود، وهنا يرد الحميدي على بعض الشبهات التي قد تثار من أصحاب الشهوات والأهواء حول عدالة تطبيق الحدود على الكل ويضربون مثلا بحد الزنا قائلين: لم نسمع أنه يوجد شخص أقيم عليه حد الرجم وأعلن عن ذلك وكذلك حد القطع في السرقة، مبينا أن الرد عليهم من عدة أوجه، الأول أنه لا يلزم من عدم سماعك عدم الوقوع – كما يقال – كما لا يلزم الحاكم ولا القاضي ولا ولي الأمر إذا أقام حدا أن يعلنه لكل فرد، ولكل قاصٍ ودانٍ. فقد قال تعالى في حد الزنا "وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين" ولم يقل كلهم، ولو شهد أربعة أشخاص من أصحاب الحقوق أو من الذين عليهم الجناية لكفى ذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها، فذهب واعترفت ورجمها ولم يجمع عليها أهل المدينة كلهم. الثاني: أن الشريعة حثت على درء الحدود حتى بأدنى الشبهات، وكان عليه الصلاة والسلام يخاطب الناس خطاباً عاما ويقول والحديث في أبي داود "تعافوا الحدود فيما بينكم ما أمكن" وفي لفظ للحديث "إن الله يحب العفو فتعافوا الحدود فيما بينكم ما أمكن"، فالحاكم وولي الأمر إذا بلغته الحدود أقامها، وهناك أمور منصوص عليها في الشريعة يجب أن يراعيها الحاكم والقاضي والوالي قبل إقامة الحد سواء حد الزنا أو حد السرقة أو حد القصاص كاستيفاء الشهادة بشهادة العدول أو وقوع الاعتراف التام بغير جنون ولا ضغط، ولا إكراه، وقد قال الحافظ ابن حجر في بعض كلامه: وأجمع العلماء على جواز تلقين صاحب الحد ما يدرأ به الحد عن نفسه، يلقن من الحاكم ومن القاضي لا من غيرهما، ومثال آخر في حد السرقة، ففي عام الرمادة أوقف عمر حد القطع ولا يستطيع أحد أن يقول إن عمر عطل الشريعة ولا ألغى الحدود، أوقفها، لماذا؟ لأن من شروط إقامة حد السرقة ألا يكون السارق مضطرا جائعا.

19 - عدم إقامة الحد على شخص ما كمحاباة أو مجاملة فلا يدخل ذلك في حكم الآية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون":
وأضاف الحميدي: أقول هذا الكلام وغيري يقوله لا تبريراً للعاصي ولا تهويناً من حدود الله أن يقتحم فيها كل من شاء ولا تسويغاً لأحد أن يعطل حدود الله، بل يجب على كل حاكم وقاض ٍأن يقيم حدود الله ويجتهد في ذلك ما أمكن، ولكن نقوله تقريراً للحق ولدرء منكر أعظم، لأن هذه القضية أنا شخصياً كانت لدي مشكلة في مسألة تعطيل الحدود، وإيقاف حد معين حتى على سبيل المحاباة، وكنت أظن أن قوله تعالى "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون" يتناول كل حاجة وكل حادثة بعينها دون النظر لأي اعتبار، وبالتالي نقع في حكم أخطر وأضل، ووجدت لما رجعت لتفاسير الآية "ومن لم يحكم بما أنزل الله" جمعتها ودرستها باستفاضة، ولا أقول ذلك مدحا ولكن لأزيل شيئاً عن نفسي وأنا قبل غيري، وأسوق هذا ليستفيد منه من يستفيد لأنه لا ينبغي أننا كلنا نمر بتجارب وبالتالي نبني عليها وأكون أنا وقعت في خطأ أو في سوء ظن، يستفيد من فعلي غيري، النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "السعيد من وعظ بغيره" ولا بأس بذلك ولا عندي مانع أن أقول هذا الكلام عن نفسي إذا كان غيري يستفيد منه، هذا يسعدني ويفرحني ولو قيل عني ما قيل في ذلك لأنه يدرأ شرا كثيرا حتى رجعت _ والعلم عند الله _ إلى مخطوطات في هذا الجانب وجدتهم لا يخرجون عن ثلاثة أقوال في نظرتهم هذه منهم من يراها (أي قوله تعالى "ومن لم يحكم..." الآية) خاصة باليهود والنصارى ولا يقاس عليها غيرها وهذا قول قتادة، ومنهم من يراها كفرا دون كفر وظلما دون ظلم وهذا مروي عن ابن عباس وأنه سماه كفراً ولكنه - كما قال عليه الصلاة والسلام – "اثنتان في أمتي هما بهم كفر: الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت" فهو ليس بكفر مخرج من الملة، والقول الثالث وهو أعجبني كثيراً قول إمام مشهور وهو الإمام أبو إسماعيل القاضي في كتاب له اسمه "أحكام القرآن" وهو عالم متقدم من أصحاب الإمام مالك - رحمه الله - نظر في هذه الآية ونقل الخلاف فيها ثم قال: ويظهر مما قاله العلماء أن هذه الآية لا تنطبق إلا على من اخترع _ انتبه للعبارة _ حكماً يضاهي به حكم الله ويصادمه ويلغيه ثم جعله ديناً يتدين الناس به ويعملون به ملغياً بذلك دين الله. فصارت الآية بعيدة عن النظر في تطبيق الحدود، وحتى لو وصلنا إلى أسوأ الاحتمالات وهو عدم إقامة الحد على شخص ما كمحاباة أو مجاملة فلا يدخل ذلك في حكم الآية "ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون" لا من قريب ولا من بعيد وهذا اطمأننت له اطمئنانا كاملا بعد استيفاء هذه القضايا وهذا الباب بالبحث الطويل.

20- لا تَعارض بين أن الأنظمة والقوانين الموضوعة والشريعة:
وبين الحميدي أن الأنظمة والقوانين الموضوعة لا تعارض الشريعة الإسلامية، فهي قوانين إجرائية وتنظيمية سواء في المرافعات أو في حقوق المترافع وصلاحيات المحامي وحقوق وصلاحيات القاضي وفق القواعد العامة. وهو ما قصده الإمام مالك بقوله "يُحدث للناس" سواء سميناها وضعية أو غير ذلك، وهذه مساحة شرط، وقد ضبطها الفقهاء بشرط ألا تتصادم ولا تتعارض مع حكم منصوص عليه، وهو ما ذكر في المادة الأولى من نظام القضاء في المملكة. واستشهد الحميدي بقصة المناظرة العلمية بين الإمام أبي الوفاء عقيل الحنبلي ورجل آخر أوردها الإمام ابن القيم – رحمه الله – في كتاب له مشهور اسمه "إعلام الموقعين عن رب العالمين" فقد قال الرجل الذي يناظر ابن عقيل: كل ما يقع فيه الناس هو منصوص عليه في الشرع وبالتالي لا يتجاوز ذلك، فقال أبو الوفاء بن عقيل: لقد ضيقت واسعا. فليس كل واقعة تجدها منصوصة في الكتاب والسنة وإلا لقضينا على أنبياء الله داود وسليمان وكل قضاة الإسلام منذ النبي – صلى الله عليه وسلم – بأخطاء كثيرة جدا وقعوا فيها لأنهم اجتهدوا في أمور كثيرة غير منصوص عليها بالضرورة فيما نزل من أشياء على النبي عليه الصلاة والسلام، هكذا قال ابن عقيل. وقد علق ابن القيم على هذه المناظرة بقوله: حيث ما تقع المصلحة وتدفع المفسدة ويصل الحق وينصر المظلوم فثم شرع الله نص عليه أو لم ينص عليه"، كما أورد الحميدي قصة أخرى في سنن أبي داود وهي لصحابي مشهور هو أبو شريح الخزاعي كان يطلق عليه أبو الحكم، فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – لماذا كنيتك أبو الحكم؟ قال: إن قومي وثقوا فيّ فكلما اختصموا في شيء احتكموا إليّ فيه فأحكم بينهم ويقبلون حكمي، قال: أحسنت ولا تخالف ما أمر الله أو كما قال – صلى الله عليه وسلم -.

21- تحقيق المصالح:
وأشار الحميدي إلى أن الهدف من وضع هذه الأنظمة هو تحقيق المصالح، مشيرا إلى أن المصالح على تقسيمات الفقهاء المشهورة هي إما مصالح معتبرة متفق عليها واجتمعت على حسنها العقول، أو مصالح ملغية، وهناك المصلحة المرسلة وهي مساحتها أوسع ومعتمدة في مذهب الإمام مالك ومتناغمة تماما مع قوله "يحدث الناس في الأحكام بقدر ما يحدثون في القضايا والأمور"، حتى قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن المصالح المرسلة هذه إنها من محاسن مذهب الإمام ابن مالك، ومراعاة المصالح من أعظم ما يمكن اعتباره في الأمور الشرعية، بل ربما يحق لولي الأمر والقاضي أن يؤخر – لا نقول يعطل – تنفيذ بعض الأمور الشرعية لمصلحة ظهرت عنده فاقت تطبيق قضية عينية ولو كانت شرعية لحكم أكبر وأعظم، وهذه سنجدها عندما سنتحدث عن قضية الحدود وكيف أنه حصل في عهود الخلفاء الراشدين إيقاف لبعض الحدود بحسب ظروف معينة اقتضت المصلحة بحسب تقديرهم الاجتهادي – وهذه قضية جدا مهمة – إيقافها بسببها.

22- الجهاد وسيلة من وسائل إيصال الخير والهدى والحق للناس:
تناول الحميدي مسألة الجهاد وضوابطه وغاياته, مبينا أنه شعيرة مشروعة تخضع كغيرها من التعبدات الكبرى إلى شرع الله وضوابطه وتحقيق مصالحه، مؤكدا أنه ليس "القتل" كقتل مقصودا في الجهاد، فضلا عن التدمير والقتل العشوائي وإحداث الرعب، لافتا إلى أن الجهاد وسيلة من وسائل إيصال الخير والهدى والحق للناس.
ويرى الحميدي أن من أعظم الأمور مراعاة حدود الله في كل أمر استجابة لقوله تعالى "والحافظون لحدود الله", منبها إلى قضية أن الإنسان تتحكم فيه دوافع ونوازع تتفرع من ثلاثة دوافع أساسية يسمونها القوة الشهوانية أوالقوة الغضبية أوالقوة العقلية. فالقوة الشهوانية مثل حب المال والنساء والشهرة إذا تحكمت فيه أصبحت مسيطرة عليه وأصبح لا يرعى شرعا ولا يرعى حرمة الله ولا يرعى حدود الله, وكذلك القوة الغضبية إذا لم تنضبط بالحفاظ على حدود الله، تصبح مثل القوة الشهوانية وتدفع الإنسان إلى تجاوز حرمات الله.
وأوضح الحميدي أن اجتماع القوة الشهوانية مع القوة العقلية تدفع للإعجاب بالرأي ليقود إلى القوة الغضبية، بالتالي سينغلق عليه الهدف الحقيقي من الجهاد، فتتحول نوازعه النفسية إلى الانتقام بالقسوة وبإحداث أكبر قدر ممكن من الرعب مثلا، وبإثبات الوجود للموجودين ويخرج هنا بالجهاد عن هدفه الأسمى.

23- الجهاد بين الجذب والإغراء:
وحول تحول الجهاد الذي يعد ذروة سنام الإسلام وأعظم الأعمال وأزكاها وأيسر الطرق إلى رضوان الله إلى صورة يقصد به التدمير وبأنه قتل الأنفس وبأنه عدم احترام حقوق الآخرين، قال الحميدي: "الجهاد كلمة عظيمة وجذابة ومغرية وهو ذروة سنام الإسلام ولا يستطيع أحد مهما كان أن يقلل من شأنه أو يحجمه، فهو ذروة سنام الإسلام، ولكن الجهاد هو شعيرة مشروعة تخضع كغيرها من التعبدات الكبرى لشرع الله وضوابطه وتحقيق مصالحه، فليس القتل كقتل مقصودا في الجهاد، فضلا عن التدمير والقتل العشوائي وأحداث الرعب، إنما هو وسيلة من وسائل إيصال الخير والهدى والحق للناس وفقا لما فهم من نص كتاب الله ـ عز وجل ـ في سورة الحديد، "لقد أرسلنا رسلنا بالبينات والهدى وأنزلنا معهم الكتاب والميزان".
وفي هذه الآية بين الله ـ جل وعلا ـ أنه أرسل الرسل والأنبياء ـ عليهم الصلاة والسلام ـ وأنزل معهم البينات وهي الحجج الواضحات البينات الدالة على صدقهم والدالة على وجوب عبودية الله ـ جل وعلا ـ وأنزل معهم الكتب والشرائع والميزان ليوزن به الحق والباطل والهدى والضلال، ليؤمن من يؤمن عن بصيرة، ويكفر من يكفر عن بينة, فيحيا من حيّ عن بيّنة ويهلك من هلك عن بيّنة، ثم أخبر ـ عز وجل ـ أنه أنزل الحديد الذي هو آلة الحرب الأساسية، ومنه تصنع جميع أنواع الأسلحة التي يتقاتل بها الناس ويتحاربون عبر التاريخ البشري كله، وأخبر أن هذا الحديد فيه بأس شديد وفيه منافع للناس, وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب.
واستشهد الحميدي في مجمل رده بقول الشيخ ابن تيمية في تفسير الآية ورد ذكره في جزء الجهاد في مجموع الفتاوى "متى اجتمع الكتاب الهادي مع الحديد الناصر حصلت المقاصد العظمى في ظهور الحق ودفع الباطل، والضرر كل الضرر والخطر إذا افترق الكتاب الهادي عن الحديد الناصر عندها يتحول الحديد ليس إلى ناصر للكتاب ومثبت للحق ودافع للباطل، وإنما آلة قتل وتدمير عشوائية لتفريغ أحقاد وإحن وثارات وغارات تلبس ربما بلبوس المقاصد الشرعية"، يؤكد هذا المعنى الإمام البخاري ـ رحمه الله ـ ونرجع له لأنه مصدر عظيم من مصادر العلم، وضع كتابا ضخما جدا ضمن كتابه الجامع اسمه "كتاب الجهاد والسيّر"، قال هذا كتاب الجهاد والسيّر، والسيّر جمع سيرة، لذلك يقول شراح الحديث كالحافظ وغيره السيّر جمع سيرة، ومنها سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ باعتبار أن الجهاد إنما يكون جهادا على منهاج الله ومراد الله إذا كان على سيرة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومنهجه وطريقته ـ وما وضعه النبي صلى الله عليه وسلم ـ من أهداف وغايات ومن وسائل محققة لتلك الأهداف والغايات، أما إذا افترق اسم الجهاد عن المنهج كما افترق الحديد الناصر عن الكتاب الهادي صار اسمه جهادا اسما، وهو في الحقيقة قتل عشوائي وتدمير وإثارة للأحقاد وتأليب لشعوب الأرض، لا معنى لاستعدائها إلا المزيد والمزيد من القتل من كلا الطرفين.
واستطرد الحميدي قائلا "صدّر البخاري ـ رحمه الله ـ وهذه نقطة جدا مهمة ـ كتاب الجهاد والسير بآية من سورة براءة العظيمة التي تعتبر من أعظم الآيات الدالة على فضل الجهاد، قال الله تعالى: "إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به وذلك الفوز هو العظيم" , ثم وصف هؤلاء المجاهدين، من هم؟ قال: "التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر" ثم قال: "والحافظون لحدود الله".
وأشار الحميدي: لو لاحظنا سياق الآية في صفات هؤلاء الذين وصفهم الله، جميع الصفات ذكرت بدون حرف عطف: التائبون العابدون الحامدون، بدون ذكر الواو، إلا لما جاء عند "والحافظون لحدود الله" أدخل حرف العطف الواو، وهذا ـ كما يقول أهل التفسير ـ زيادة المبنى لا بد أن تدل على زيادة المعنى، فلا بد هنا من معنى زائد وهدف قرآني في كلام الله ـ جل وعلا ـ لما أدخل حرف العطف عندما ذكر الحافظين لحدود الله، وإدخال حرف العطف الواو هنا له وجهان في التفسير كما ذكره أهل التفسير.
الوجه الأول: أنها عطف على الصفات السابقة، ولكن أدخل حرف الواو لينبه على عظيم هذه الصفة، وأنها هي الضابطة وهي الموجهة لحفظ حدود الله وشريعته ومقاصد الشرع في فكرة الجهاد، وفي أعمال المجاهدين وفي أخلاقهم وتصرفاتهم وما يحقق هذه الحدود وهذه الضوابط دون ما لا يحققها، وأعجبني كلام للقرطبي قال: إنما جاء هنا بكلمة "حدود الله" ولم يقل والطائعين لله مثلا، إنما ليبين أن الجهاد كغيره محدود بحدود وضوابط وقواعد وشرائع.

24- شروط وحدود وموانع الجهاد
وحول ما إذا كان الجهاد عبادة كالصلاة والزكاة والصيام لها شروط ولها حدود ولها موانع، وشروط وحدود الجهاد، أوضح الحميدي أن الجهاد هو من أعظم العبادات بلا شك، وشروطه هي حدود الله "والحافظون لحدود الله"، ولذلك الوجه الثاني من تفسير الواو قد يجيب على بعض السؤال, وهو أنه أتى بهذه الواو لأنها ليست هي حرف عطف ـ كما اختاره بعض المفسرين ـ وإنما استئناف، ذكر الجهاد والمجاهدين في آية "إن الله اشترى" وذكر شيئا من صفاتهم التوبة، وكذا ثم ذكر فئة أخرى هي القيمة على أعمال هؤلاء، هي الموجهة لها، المبينة لها، ما هي الحدود، وما الشروط، وهم الحافظون لحدود الله، وهم العلماء الحافظون لشرع الله ودينه وشروط الأعمال التعبدية، كما حفظوا تفاصيل الصلاة وما ينقضها وما يبين صحتها، وأمور الصيام وأمور الحج، فإذا استرشد أولئك المجاهدون وضبطوا أفعالهم بتوجيه أهل الكتاب الهادي، الحافظين لحدود الله حصلت المقاصد الكبرى، وهنا قضية جدا مهمة أرجو أن نعطيها قدرا من التأمل، فالإنسان تتحكم فيه دوافع ونوازع ما يستطيع هو، هكذا كان من أصل خلقته وجبلته، يقول علماء سابقون، وأصحاب دراسات نفسية أيضا يؤكدون ذلك ممن درسوا علوم النفس والدوافع التي تتحكم في الإنسان، تتحكم في الإنسان دوافع تخرج وتتفرع من ثلاثة دوافع أساسية يسمونها القوة الشهوانية أوالقوة الغضبية أوالقوة العقلية.

25- تفسير القوى الشهوانية والغضبية:
يشير الشيخ الحميدي إلى أن الإنسان مجبول على شهوات، يحب المال، يحب الشأو والظهور، يحب مثلا النساء ، ويحب كذا ويحب كذا، في شهوات فإذا استجاب لشهواته وتحكمت فيه هذه الشهوات صارت مسيطرة عليه، القوة الشهوانية عنده، فهذا في الغالب لا يرعى شرعا ولا يرعى أن هذا مما حرمه الله ولا أن هذا حد من حدود الله لأن القوة الشهوانية تدفعه إلى ذلك.
أما القوة الغضبية فهي التي تتعلق معنا بباب الجهاد، الجهاد قتال وحرب وهو كره للنفوس "كتب عليكم القتال وهو كره لكم"، فلا يتقدم له في الغالب إلا من هم مجبولون أصلا على الشجاعة والقوة، قوة القلب وقوة النفس لأنه أهوال عظيمة، فصارت القوة لمن يفعلون هذا الأمر هي القوة الغضبية، والقوة الغضبية إذا لم تنضبط بالحافظين لحدود الله، تصبح مثل القوة الشهوانية تدفع إلى تجاوز حرمات الله وحدوده في هذا الباب، وبنى على ذلك مقصدا كبيرا من مقاصد الجهاد، الجهاد شرع لتكون كلمة الله هي العليا، شرع حتى لا يعبد إلا الله سبحانه وتعالى بشرع الله، شرع لاستنقاذ المستضعفين "ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان" حين لا يستطيعون ولا يهتدون سبيلا، شرع لمقاصد عظيمة، فإذا كان القائمون به تغلب عليهم القوة الغضبية وتجتمع معها القوة العقلية بالإعجاب في الرأي ليقود إلى القوة الغضبية، بالتالي سينغلق عليه الهدف الحقيقي من الجهاد فتتحول نوازعه النفسية إلى الانتقام بالقسوة وبإحداث أكبر قدر ممكن من الرعب مثلا، وبإثبات الوجود للموجودين وبالتالي أن نحدث أكبر قتل للموجودين.
والقوة العقلية يفلسف ويلبس هذه القوة الغضبية الشهوانية مقاصد شرعية ويعجب بها، فينغلق عليه الصناع من غيره من الحافظين الحقيقيين لحدود الله من العلماء، وربما انقلب عليهم متهما لهم فتقع المفاسد الكبرى ويتجه من الجهاد المرضي لوجه الله، ومن ذروة سنام الإسلام ويحقق الغايات الكبرى إلى أداة قتل مع ما يجتمع على ذلك من التشوية العظيم وإساءة الظن بهذا الاسم العظيم الذي اسمه الجهاد، لأنه وظف في غير مكانه بدافع القوة الغضبية والقوة العقلية بإلباس المقاصد الشهوانية والمقاصد النفسية الانتقامية وغيرها من لبوس المقاصد الشرعية، ويصبح في موضع التهمة، وفي موضع سوء الظن سواء من كثير من أصحابه وحتى من خصومهم وأعدائهم من الكافرين، فيلصق بالإسلام سوء عظيم وشر كبير، وقد يقول قائل، قد يسأل الشاب هل يعقل أن شخصا يقدم على الحرب ويقدم يعني على الوغى ويلقي بنفسه في مواضع الهلاك، وتكون له أغراض نفسية وشهوات ولا يكون مقصده الفعل العظيم، القتل وحرب فيه إزهاق النفوس، القتل والموت من أعظم مكروه الآية تجر عليهم في تصورهم إلا الخلص نعم قد يتجرأ عليه وهو قد يكون أكثر حماسا له من تدفعه القوة الغضبية، وليس هذا الكلام من فراغ أو كلام خيالي، وإنما واقعي ويصدقه الواقع.
الجهاد اسم عام له فروع كثيرة
وعما إذا كان الجهاد كما يفسره البعض أنه القتال بعينه؟ أشار الحميدي إلى أن الجهاد ليس القتال بعينه بل إن الجهاد اسم عام يدخل فيه فروع كثيرة، أولها وأساسها هو جهاد النفس في طاعة الله ومجاهدة النفس عن الوقوع في معصية الله.



لمتابعة باقي المحاور

تعليقات الزوار 0 | إهداء 1 | زيارات 5258


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في FaceBook
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Digg


تقييم
1.33/10 (57 صوت)

محتويات مشابهة

الاكثر تفاعلاً

الاكثر اهداءً

الافضل تقييماً

الاكثر مشاهدةً

الاكثر ترشيحاً

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.

 

جميع الحقوق محفوظة لـ"مركز الدين والسياسة للدراسات"

Design By Marvksa.com